هذا الفن المحتقر
|
مجلة اليمامة العدد 472 9 ذو القعدة 1397 21أكتوبر 1977 |
القصة القصيرة تاهت بين اعتبارين متباينين كل التباين، الأول: يجعل منها مجرد “مرحلة” فنية وزمنية من مراحل ارتقاء القاص نحو الفن القصصي، “الأمثل”، وهو الرواية. والثاني: وهو الذي تجد فيه أسمى تقويماتها؛ يجعل منها “فنًا” مستقبًلا له روحه الخاصة، ونفسه الخاص. ولغته الخاصة يجعل منها نوعًا أدبيًا متفردًا، لا يجمعه بالرواية أو حتى المسرحية، سوى هوية “الحكاية”، وحسن الإنصات لتتبع تطور “الحدث” وتصعيده على مستوى الزمن، ومستوى الشخصية أو الشخصيات. هذا الاعتبار الأخير ينفي أبدًا تبعية القصة القصيرة للرواية، أو الأخذ بها كمرحلة، أو كخطوة نحو “البحبحة” الروائية. ينفي كل ذلك بالرغم من أن القائلين بهذا، لم يجرؤوا بعد على التصريح بهذه المنزلة المتدنية لهذا الفن المستقل. وعلى احتمال أنهم ألمحوا إليه في بعض مواقفهم الأدبية، نستطيع أن نؤكد أن أي منهم لن يقدم عنقه للسكين، فيأخذ مسألة تأييد هذه النظرية المجهضة رسالة له، يحدد بها أحد ألوان نضاله الأدبي والفكري.
ومن سلوك بعض القصاصين – خصوصًا – تمكَّن الراصد من أن يخرج بتكوين هذا التعريف المحزن لاعتبار القصة القصيرة، إذ إن بعضهم قدم نفسه للناس في بداية مشواره الأدبي ككاتب قصة قصيرة، وكان يومها محشوًّا بالزهو والاعتداد، ولكنه بعد فترة، وبعد أن بلغ من قلوب الناس ما أراد؛ جاء يساوره “الطموح” بأن يصبح روائيًّا. أقول: الطموح لأن هذا فعلاً ما كان يعتلج في نفسه. لقد تمكَّن من القصة القصيرة، وذبحها، وسلخها، وشواها، وأكلها. ومن ثم أخذ يتطلع إلى الرواية، ليس كمغزى جديد بعد أن سئم مقامه الأول؛ ولكن كمرحلة “تالية”، أو كدرجة أرقى في سلم الفن والإبداع، وإلا لماذا لا يكون مغزاه الجديد، الشعر مثلاً، أو حتى المسرحية. إنه يظل يَعدًّ القصة القصيرة، خطوة أولية نحو الرواية، فيجردها من اعتبارها الأصيل المستقل المتميز، ويخلع عنها صفة النوع الأدبي القائم بذاته، المتفرد بشخصيته. يتأكد له في مناسبة ما، أن من يكتب القصة القصيرة، يمكنه أن يكتب رواية، ولكنه يغفل عن أنه في مناسبات عديدة، يفشل كاتب القصة القصيرة في إخراج رواية ناجحة رائجة تمامًا، كما يحدث لكاتب مسرحي ناجح جدًا، عندما يُجرّب الكتابة الروائية، دون أن يدرك أنه ليس لديه أي استعداد فطري لممارسة هذا اللون من ألوان الفنون الأدبية. خذوا مثلاً يوجين يوينسكو، كأحد كتّاب المسرح الطليعي الأوائل في العالم كله. لقد أخرج قبل عامين فقط روايته الأولى والأخيرة، “الوحيد”. Le Solitare
فمرت في السوق الأدبية، كما تمر أية بضاعة فاسدة، تمامًا على غير ما كانت تحدثه مسرحياته الكبرى من ضجة وأخذ ورد.
* عند العرب:
كُتَّاب في أنحاء مختلفة من العالم يأخذون في الابتعاد التدريجي عن القصة القصيرة نحو الرواية، كأنهم يعتقدون أن القصة الموجزة، هي مرحلة تدريبية فقط، وعندما يصلون إلى مستوى النضج الفكري، لابد لهم من التخطي نحو فن أصعب منالاً، وأبعد قيمة. باختصار لقد تمكنوا الآن من كل أدوات القص، فلماذا التوقف عن روم عوالم أوسع وأرحب؟! ولتكن عوالم الرواية!
وهذا ما حدث بالضبط لكثير من القصاصين العرب الذين بدؤوا بالقصة القصيرة، ثم انتهوا بالرواية، متنكرين لكل ذلك الماضي “الغض” في نظرهم. والسيدة “كلود كرول” تؤكد – في مقدمة لها عن القصة السورية لم تنشر بعد- أن هذه المشكلة كانت ضمن المشاكل الجديرة بالتأمل في رصد نمو القصة القصيرة في هذا القطر العربي الشقيق. كل قصاصي الخمسينيات في سوريا تحولوا في الستينيات وأوائل السبعينيات إلى روائيين، باستثناء زكريا تامر. وعند العرب يمكن أن نضيف شيئًا آخر إلى مسألة اعتبار القصة القصيرة “مرحلة” من مراحل الصعود نحو الرواية، أو بالأحرى يمكن أن نضيف شيئًا آخر إلى قضية انتقالهم من القصة القصيرة إلى الرواية. هذا الشيء “الآخر”، هو اعتقادهم أن الرواية لها من “الهيبة” والجبروت ما ضن به الزمان القاهر على القصة القصيرة. فصفحاتها عديدة، وعوالمها أوسع، وشخصياتها أكثر، وفسحة القول فيها لا يطولها النظر. إنها “كتاب” بحاله،من أوله إلى آخره.
* الشباب والقصة:
لكن على سوء اعتبار القصة القصيرة عند العديد من الكتاب العرب، إلا أن هذا اللون بالنظر إلى مستوى الحالة الصحية للحركة الأدبية والنشاط الفكري، يبشر بأن هناك حياة طيبة لا تبعث أي درجة من درجات التشاؤم الحادة. ففي كل الأقطار العربية القصة القصيرة مازالت مرتاداً لكثير من شباب الأدب. وفي بلادنا بالذات غالبية من يهوون القص – على قلتهم وضعف نشاطهم – مازالوا، يتخذون من القصة القصيرة وسيلة تعبيرية مثلى. وكل من يريد من الناشئين أن يحكي للناس حكاية، فإنه لا يفكر مطلقاً في الأسلوب الروائي كوسيلة موصلة للناس، بل إنه يكتب باختزال كصورة من صور القص الموجز، وحتى بين شباب القصة القصيرة المعروفين، ليس هناك من هجر هذا الفن نحو الرواية. ويعني هذا أن القصة القصيرة لدينا تحتفظ باعتبارها الفني الحقيقي كنوع مستقل. ولكن هذا الاستقراء يظل مشروطاً بأن هؤلاء الشباب إنما ظلوا على ديدنهم، اقتناعاً بريادة وسيلتهم التعبيرية، وليس لأنهم لا يعتقدون أنهم بلغوا مرحلة “النضج” المزعومة المؤهلة للكتابة الروائية، إن كانوا يعتقدون هذا. وإن كانوا يتخذون من أسلوب القص الموجز وسيلة للتعبير؛ لأنه الأسهل والأيسر، فإنهم يدرون أو لا يدرون أنهم قد وقعوا في الشراك التي وقع فيها غيرهم، وهي أن القصة القصيرة “مرحلة”، وليست فناً مستقلاً. ومثل هذا يمكن أن يقال عن الشباب الآخر في البلاد العربية الأخرى.
* القص الموجز ومزاج شعب:
أزمة الشخصية المستقلة التي تمر بها القصة القصيرة، ليست كل شيء في “هوان” هذا الفن. ففي فرنسا مثلاً يعرفون أن القصة القصيرة فن متفرد بذاته، ولكن هذا لم يكن تبريراً كافياً ومقنعاً لضرورة محبتها وممارستها، واتخاذها نوعا أدبيا يمكن أن يكون مطمع الناشئة وشداة الأدب. فالكاتب الذي يهوى القص هناك يدخل على الناس برواية، هكذا مباشرة، “أو أن أحببتم احذفوا “مباشرة”؛ لأنها قد تجعلكم – أو بعضكم – تفهمون أنه كان لابد أن يبدأ مشواره بالقصة القصيرة حتى يشتد نموه، وهذه هي إحدى أساسيات المشكلة”.
القصة القصيرة في فرنسا بعد موباسان وزملائه وقبلهم، تمر بأشنع ما يمكن أن يُمنى به فني أدبي محتقر، أقصى درجات الاحتقار. كريه، أقصى درجات الكراهية. كل هذا يمكن أن نستقرئه من عدة أمور.
أولاً الجمهور:
فبرغم أن ذوقه الأدبي ذوق قصصي، إلا أنه يميل إلى كل ما يقدم له في إطار حكاية أو “حدوته”، ولهذا كانت خزينته التراثية والراهنة خزينة قصصية صرفة أو تكاد. وبالغرم من ذلك، فهو يحتقر القصة القصيرة ولا يسعى وراءها، يدل على ذلك نسبة مبيعات الإنتاج في هذا المنحى، فهي منخفضة بنسبة غير معقولة. خذوا مثلاً كاتباً كبيراً، مثل “أرفى بازان” يبيع من مجموعة قصصية له ثلاثين ألف نسخة فقط! بينما بيع عادة من إحدى رواياته ثلاث مئة ألف نسخة تقريباً، وغيره كتاب آخرون تُمنى مبيعاتهم بالفشل في هذا الميدان.
بعضهم يقول: من العار – في فرنسا – أن تُخرج زوجة المركيز من بيتها – في إحدى رواياتك – في الساعة الخامسة مساء، إن لم تجعلها تعود إلى هذا البيت بعد ثلاثة مجلدات.
وهم يعنون بذلك أن الفرنسيين لا يحبون القص الموجز. لابد أن يجرجرهم الكاتب في كل الدهاليز، وكل الغرف، والصالات، والحمامات. ولابد أن يعد عليهم كل أواني المطبخ، وأثاث البيت، وعدد الأباجورات، والدواليب، والكراسي، والشراشف، والمخدات. ولابد أن يصف لهم لون الحيطان، ودرجات الحرارة، ونوعية الإضاءة في البيت. لابد أن يفعل ذلك لينال إعجابهم، فينشرون رواياته.
وهذا مزاج غريب وغير مفهوم، مع أن منطق كل الأشياء المحيطة بالمجتمع الفرنسي تحتم عليه أن يأكل سريعاً، وأن ينام سريعاً، وأن يمشي سريعاً، وأن يقرأ سريعاً أيضاً.
ثانياً الكاتب:
قال يوماً جاك شاردون لمجموعة من الكتاب جاؤوا يطلبون مشورته في نوعية وكيفية ما يكتبون وكيفيته:
“اكتبوا باختصار”.
كل هؤلاء، وكل من أخذ بهذه النصيحة بعدهم لعنوا جاك شاردون، وأسبغوا عليه من سخطهم ما لم يكن يتمنى! لقد كتبوا بناء على مشورته قصصاً قصيرة، فكان نصيبهم أو نصيب أكثرهم الخذلان. فالناس لا يحبون القصة المختصرة.
الآن مطمح الكتّاب هو الرواية، برغم إدراكهم كفنانين أن القصة القصيرة فن جيد مستقل، وبرغم معرفتهم أن هناك أسماء لامعة في الوسط الأدبي الفرنسي، إنما تخطت إلى الواجهة عن طريق القصة القصيرة، مثل: مارسيل أرلاند، ومورينا بيل، ودانيل بولنجيه، وفرانسوا نيرو. ولكن هذه الأسماء تظل عند الناشئة أسماء استثنائية لا يضمن أي منهم أن يبلغ ما بلغت عن طريق هذا الفن المحتقر.
القصة القصير هنا حالتها أشد نكراً وسوءًا من حالة الشعر، بل إنهم أحياناً يقولون: الشعر على الأقل تشفع له روحه، وتشفع له لغته، أما القصة القصيرة، هذه المولودة غير الشرعية، فستظل موطن ريبة.
صحيح أنه قد يبدو لنا هنا أن الكاتب محكوم بالجمهور، وهذا فيه كثير من الحق، ولكن يجب أن نعلم أيضاً أن الكاتب، هو في صورة ما أحد هذا الجمهور، ولهذا قد تجده بطبعه غير ميال للقص المختصر.
ثالثاً الناشر:
الناشرون الذين يتضجرون دائماً من غلاء الورق، هم أنفسهم الذين يعملون في فرنسا على “تمغيط” الرواية، وزيادة ترقيم صفحاتها، ويعملون أيضاً على اختيار الحروف الكبيرة في الطباعة، حتى تزهو بانتفاخة جيدة في عين القارئ المشتري. وهذا أمر ليس من الأدب ذكره؛ لأننا بتأكيده نتهم هذا القارئ بالغباء، ولكن ما ذنبنا نحن إذا كانت هذه حقيقة ماثلة، ويؤكد عليها بعض المراقبين الفنيين هنا! إن الناشر يقوم بهذه العملية أحياناً ليبرر وجود هذه الكلمة السحرية على الغلاف “رواية”.
والناشر هنا محكوم بالقارئ، وبناموس “العرض والطلب”، وهذا طبيعي، فهو مهما بلغت مثاليته، يظل تاجراً يروم الربح، ويفر من الخسارة والكساد.
ومرة قال روبيرلافون، أحد الناشرين الفرنسيين المعروفين: إنني أحب القصة القصيرة، وأجد أنها الشكل المطابق حقاً لروح العصر، ولكن لافون وغيره من الناشرين، لن يروجوا لبضاعة كاسدة.
علماً بأن بعض هؤلاء يعترف بأن ما يقدم له من إنتاج في هذا الميدان يشكل قلة مزرية!
وضع القصة القصيرة في بلد الثقافة والفكر وضع مخجل، ومن أهم ما يورد المؤكدون لهذه الحقيقة من دلائل، هو أن جائزة “القنكور” الفرنسية الكبرى في ثلاثة أرباع هذا القرن لم تمنح لأي كاتب قصة قصيرة سوى مرتين: مرة لشارل ليسنييه عام 1973م على مجموعته: “جوازات مزيفة” Faux Passeports ، ومرة أخرى لالزاتريلويه عام 1944م على مجموعتها: (الخلل الأول يكلف مئتين فرنك” Le Premier accroc coute deux cents Francs.
نوعية ثقافة.. ومدلول:
نوعية الثقافة العربية أو هويتها، هي نوعية أو هوية شعرية. ونوعية الثقافة الفرنسية، هي نوعية قصصية. وطبيعة هاتين النوعيتين، هي التي خدمت القصة القصيرة في الشرق، وخذلتها في فرنسا.
الشعر في الشرق، هو النوع الأدبي المتقدم دائماً لدى الفن كمبدع، ولدى القارئ المتلقي. وهذا عمق تاريخي وحقيقة حضارية ليس فيها جدال، وهي قديمة قدم الإنسان العربي، ومتجددة في كل “تصرف” يقدم عليه حتى إشراقة صباح هذا اليوم الذي تقرؤون فيه هذا المقال.
وهذه النوعية الثقافية لم تكن مهمتها رفض الاستعارة الفنية، ولكن في الوقت نفسه لم تكن مهمتها ترك هويتها الحقيقية، أو تقديم تنازلات كبيرة لفن قادم جديد.
الجمهور يريد شعراً، والمثقف العربي لا يريد إلا أن يكون شاعراً، وهذه المشاكل خذلت الفن القصصي بوجه عام، والرواية بوجه خاص، إلى جانب أن الرواية ظلت أكبر مهماتها في ذهن القارئ العربي، هي التسلية ومضيعة الوقت.
فالكاتب إذا لم يسعفه الشعر، عليه ألا يهدر جهد شهور طويلة وكميات كبيرة من الورق في سرد حكاية” يسلي بها القارئ، عليه أن يكتب بحثاً، أو دراسة، أو نقداً، أي شيء جاد، بدلاً من اللت والعجن، وتقمص دور الجدات والعواجيز و”الحكواتية”.
والقارئ هو الآخر عليه أن يقرأ كتاباً غنياً بالمعلومات “والفائدة”، بدلا من أن يقضي ليالي طويلة في متابعة مئات الصفحات لرواية “فارغة” خيالية.
ومن هذا المنطلق وحده لمعت بيننا أسماء طه حسين، والعقاد، وأحمد أمين، ومارون عبود، بينما توارت أسماء مبدعة فنانة خلاقة، تكتب الأدب الصرف، الأدب الحق. ولو ترعرعت عند غيرنا، لما تمنى أي من أصحاب الأسماء السابقة أن يبلغ شهرتها ومنزلتها في نفوس الجمهور. من يتمنى في الغرب من الباحثين والمؤرخين والنقاد أن يبلغ شهرة تشارلز ديكنز، أو همنقواي، أو ساروت مثلاً.
هذا الجو في الشرق خنق الرواية، ومن هنا فقط خدم القصة القصيرة. بمعنى أنه كان لابد للكاتب العربي في مرحلة ما أن يحكي حكاية، وكان لابد لقارئه أن يستمع لهذه الحكاية. وهذه الحكاية كان لا يمكن أن تتخذ الشكل الروائي. فالقارئ ليس لديه أي استعداد لبذل وقت طويل من أجل حكاية. والكاتب لابد أن يسايره، إلى جانب أن قناعته في الشكل الروائي ليست قطعية. فلم يكن هناك – إذًا – سوى القصة القصيرة، إرضاء للطرفين.
القارئ العربي لديه استعداد جيد لبذل ليال طويلة في قراءة الشعر، ولكن ليس بإمكانه أن يبذل ليلة أو ليلتين في قراءة رواية. والأديب لا يضيره أن يقضي شهراً في كتابة قصيدة، بينما يصعب عليه أن (يهدر) خمسة عشر يوماً في كتابة رواية.
ليس لهذا الشعب والحال كذلك إلا القصة القصيرة، مع أنني أثق أن هناك حتى اليوم عدداً لا بأس به من القراء لا يحفل بالفن القصصي، حتى في صورته الموجزة، ولماذا أقول: (من القراء)، وأنا أعرف أن عندي في بلادي بعض (المثقفين) لا يحفلون بما يكتب القصاصون، بينما يتابعون بنهم كل ما يكتبه رواد المقالة والقصيدة والبحث؟
إنني شديد التفاؤل بازدياد تقدم القصة القصيرة عندنا على الرواية، والحال تختلف عنها في بلد كفرنسا.
نوعية الثقافة في هذا البلد قصصية، والتراث الشامخ له تراث روائي مسرحي، والشعر يأتي بعد ذلك.
ربما أن هذا الأمر، هو الذي يجعل الكاتب الفرنسي يحكي حكايات طويلة وبدون توقف، ويجعل القارئ الفرنسي يستمع له دون عناء أو ملل. ومن خلال هذه الحكايات يستطيع الأول أن “يُبلّغ” الثاني كل أفكاره وهواجسه، وطموحاته. ويستطيع الثاني أن يجد عند الأول كل همومه، وظنونه، وآلامه.. فالأول لا يكتب للتسلية، والثاني عندما يقرؤه يفرح، ويحزن، ويتعلم. وهنا تتم بينهما وسيلة من أعذب وسائل الاتصال.
في هذا الجو وحده قُدَّر للرواية أن تزدهر، وللقصة القصيرة أن تنخذل. فالفرنسيون يحتقرونها ويتباهون بالرواية.
هناك بلا شك – كما سبق أن أشرنا – دخل للمزاج الفرنسي الغريب الغامض في خذلان القصة القصيرة!
وليس من عيوب الشرق أن مزاجه شعري، كما ليس من عيوب الفرنسيين أنهم يحبون “الحكي” الطويل.
في أمريكا يريدونها الآن طويلة.
في فرنسا كلما كتب القاص باختصار خفت هيبته. وفي البلاد العربية أخذت القصة القصيرة منزلة متقدمة على الرواية، لا يعني أنها بلغت كل ما تتمنى من قوة، ولا يعني أننا بما نقدم الآن؛ سنكون “المنقذ” لهذا الفن من الدمار.
فهي في فرنسا مخنوقة وعندنا ضعيفة، وفي كلتا الحالتين أمرها يدعو للشفقة، ولكن اجتهادنا سيكون -إن دام واستمر- أفضل لها من ظلم الفرنسيين وقهرهم.
دعونا من العرب، ودعونا من الفرنسيين، وتعالوا نحو القارة الأمريكية. ففي أمريكا يزداد حال القصة القصيرة سوءا من يوم لآخر، ليس من حيث المستوى، ولكن من حيث كمية الإنتاج وإقبال الناشرين والصحف عليه.
يقولون: كثير من القاصين الأمريكيين كانوا يعيشون على ما تُدِّره عليهم قصصهم القصيرة التي يبيعونها “بالجملة والقطاعي” على الصحف والمجلات هناك. بل إن هناك مجلات بحالها كانت تفتح صدورها بكرم للإنتاج في هذا الميدان، مهما كانت كميته. والقارئ الأمريكي كان يفتح جريدته أو مجلته ليجد أن بين موادها الرئيسة “قصة قصيرة”.
ولكن اليوم يبدو أن الغول الذي التهم أجزاء كبيرة من هيبة القصة القصيرة واعتبارها في فرنسا، بدأ ينشر ظله بشكل سريع على حيوية هذا الفن هناك، فهم يقولون أيضاً: إن كثيراً من الصحف والمجلات أخذت تدير ظهرها للقصة القصيرة، وتكتفي بنشر بعض الروايات الرائجة على حلقات.
الصحف والمجلات هي التي كانت تخدم القصة القصيرة في أمريكا، وإذا فقد هذا النوع الأدبي هذه الوسيلة الحية لنشره، فإن امتداده سينحسر وسيُمنى في يوم لاحق المصير نفسه الذي مُني به في فرنسا. ولأن بعض النقاد الفرنسيين يدركون حقيقة دور هذه الصحف في خدمة القصة القصيرة، فقد أخذوا ينادون مؤخراً بضرورة مؤازرة هذا الجهاز الإعلامي الفعال.
هناك منطقة تتنفس فيها القصة القصيرة بارتياح وبحرية مطلقة، وهي من المناطق المزدهرة أدبياً في العالم، أعني أمريكا الجنوبية أو أمريكا اللاتينية، إلى درجة أنهم يقولون: إن نشر الأقصوصة والإقبال عليها هناك أمران تقعد الرواية عن بلوغه. كل الجرائد والمجلات من الضروري جداً أن تقدم لقرائها قصصا قصيرة. وهؤلاء القراء يقبلون على هذا اللون كأحد أساسيات الصحافة المعاصرة.
ومن المصادفة اللطيفة أن الشعر يتمتع بهذا التقدير نفسه، وبهذا الاعتبار نفسه.
* المصير:
أمريكا اللاتينية لا تكفي وحدها لحفظ الحياة للقصة القصيرة.
هذا الفن أمامه مشكلة أولى، وهي عدِّه “مرحلة” من مراحل الخطوة نحو الرواية، وهذا يجرده من قيمته كفن إبداعي مستقل، وهو مدعاة لقهره وغمطه.
وهذا الفن أمامه مشكلة ثانية، وهي عدّه فناً متفرداً بذاته، ولكنه أحد الأنواع الأدبية “المحتقرة”؛ لأنه محكوم بقانون وحيد، وهو الاختصار.
هذا الفن المذبوح بين تنوع الأمزجة وتنوع الفهم، ترى هل سيظل ولداً لقيطاً عند بعضهم، وخادماً مرزوءاً لا يقف إلا عند أبواب الصوالين عند بعضهم الآخر.
ترى كيف ستكون نهايته؟!
د. فهد العرابي الحارثي.