|
العدد: 432 17 محرم 1397هـ 7 يناير 1977م |
كل الناس يستعيذون بالله من غضب البنات.
وكل الناس يدارونهن، ويلاطفونهن، وينافقونهن “أحياناً” عدا هذا “الشنب”، العجوز سلفادور دالي الباقي الوحيد على قيد الحياة من مؤسسي السوريالية، وأشهر رسام في العالم بعد أن ترك له بيكاسو كل المكان ورحل.
هذا “الشنب” جاء قبل أيام يتوكأ على عصاه الطويلة السحرية، حتى بلغ محطة التليفزيون الفرنسي، فخلوا له السبيل إلى الاستديو، حيث كان لديه تصريح “هام” يريد إعلانه بنفسه.
كان الناس يتهامسون وهم ينظرون إليه: لقد أضافت السنون الطويلة إلى جنون دالي المشهود به: الشيخوخة! انتبهوا، إنه سيقول كلاماً يفلق الصخر، إنه كالعادة سيخالف كل الناس، وسيثير ضجر كل الناس.
ولقد فعلها آخر مرة، يوم أن حشرجت الروح في صدر فرانكو. كان الجميع يومها يرون في موت هذا الدكتاتورية خلاصاً لأسبانيا، ولكن دالي وضع ذؤابة عصاه في عيون هؤلاء (الجميع)، وأعلن افتتانه الشديد بالفرانكية، وبطريقة حكم فرانكو، وقال عن هذا الزعيم الأسباني: إن التاريخ الإنساني كله لم يشهد له نظيراً البتة.
هل هي الفاشستية؟ أم عبث السوريالية؟ أم جنون دالي نفسه؟ أنا شخصياً أظن أنها كل هذه الأمور مجتمعة.
قرر دالي قبل أيام أن يثير حفيظة كل النساء، أن يلعن (سنسفيل) كل تاريخهن -إن كان لهن تاريخ- أن يضرب بعصاه الغليظة على رؤوسهن. إن كانت لهن رؤوس. فجأة يدلي بتصريحه الهام على شاشة التلفزيون، وكان خلف هذه الشاشة ملايين الآذان تستمع إلى كلماته، وملايين العيون تشاهد أصابعه الطويلة، وهو يضغط بها على كل حرف من حروف تلك الكلمات. فدالي عندما يتكلم، لا يتكلم بفمه فقط ، بل يتكلم أيضاً بأصابعه، وبعينيه، وبقدميه.
قال ما معناه: ثبت أن النساء غير قادرات مطلقاً على (الإبداع) في المجال الفني. أعطوني امرأة كشكسبير، أو أخرى كموزارت، أو ثالثة كرامبو؛ لن تستطيعوا أبداً. وهذا يعني أن الرجال يتفوقون على النساء في هذا المجال. المرأة تتفوق على الرجل في مجال واحد فقط ، هو: الإنجاب، إنجاب الأطفال. والمرأة يمكن أن تكون (ملكة) رائعة، مثل الملكة فيكتوريا، وإيزابل دو كاستل ملكة أسبانيا، وكاثرين ملكة روسيا. والمرأة يمكن أن تكون إيحاءً فنياً، ولكن ليس بإمكانها أبداً أن تكون (مبدعة) على مستوى الكبار.
دالي هز عصاه في وجه (الكاميرامان) مودعاً، ثم خرج.
يومها قلت في نفسي: هذه هي المرة الأولى التي لم يغضب فيها سلفادور دالي الجميع.
كم من زوج موتور (تمغَّط) على السرير بعد سماعه تصريح دالي وهو يبتسم في وجه زوجته تشفياً وشماتة.
كم من عشيق أشعل سيجارته، ثم أودع روحه وعقله استرخاءة طويلة، وهو يقول لعشيقته: فكري جيداً فيما يقوله دالي، ثم ارفعي أصبعك عن أنفي لقد (فطستيه).
كم من صبي عفريت خبيث سأل أمه مباشرة بعد انتهاء التصريح: هل أكملت غسل الصحون يا أماه، ثم التفت إلى أبيه يضرب على كتفه بلطف: هذا نصرك اليوم يا (شايب).
كم من رجل مفتون بإمبراطوريات الرجال، ومأخوذ بانتصارات الرجال أغلق الجهاز وهو يتمتم: ليت دالي لم يتكبد مشقة سرد هذه (الخطبة)، فهو لم يأت بجديد، وكل ما قاله حقيقة طبيعية مقررة منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها.
البنات أخذ منهن الغضب كل مأخذ، وقلن: دالي عجوز مخرف مجنون، كل ما قاله قصد به إثارة بعض الغبار من حوله، كما هي عادته، كلما انشغل الناس عنه بالحديث عن غيره.
ثم أخذن بدافع الحماس يعددن بعض شهيراتهن، وقد نسين أنهن سيقعن في (الفخ)، عندما يفضين إلى الخلاصة، وهي اعترافهن الذي لا مفر منه بأن الرجل بقي هو (الأول) في كل شيء، أو في أكثر الأشياء.
أنا أجد أن (دالي) كان على حق، ولكن آخذا بالقيمة الإخبارية لما قال، وليس على اعتبار قوله قاعدة ثابتة غير قابلة للتبديل، أو حكماً صائباً منصفاً.
فالرجل كان دائماً هو (السيد) في مجال الإبداع وغيره، ينفش ريشه في زهو، وحيداً دون أي حضور للمرأة، إذ إن هذه الأخيرة بقي باب المنافسة موصداً في وجهها، وهذا هو سر بقاء الرجل متفوقا مستديما. هل هناك ضعف في إمكانات المرأة العقلية والخيالية؟
كلا. فالقضية أكثر تعقيداً.
المرأة عبر كل حِقب التاريخ قدمت نفسها – دون أية مقاومة- زاداً سائغاً لمؤامرة خطيرة خُطِّط لها بمهارة الرجل. هذه المؤامرة كان لها هدف أساسي، وهو إبعاد المرأة عن مناطق الأنشطة الإبداعية، وقد تم الوصول إلى هذا الهدف على مراحل أهمها:
* استنفاد وقت المرأة وطاقتها في أعمال غير إبداعية، بعد أن ألقى الرجل في روعها أنها من اختصاصها، وليس من اختصاصه.
* إفادة الرجل من اقتناع المرأة بهذا الدور واستماتته في تحقيق انتصارات فائقة خلبت لُبَّها، وثبتت في نفسها أنها لا تتمتع بقدراته نفسها، وأنه هو الوحيد الذي يمكن أن يحقق مثل هذه الانتصارات. ووصل الأمر في بعض تطوراته عند المرأة إلى نشوء شيء في نفسها يشبه (عقدة) القصور، وأنها لا تقوى أبداً على الوقوف في الواجهة. فالواجهة لهذا (الجبار) دائماً، يعني الرجل.
ولهذا ففي أي موقف تتخذه المرأة في قضيتها مع (خصمها)، يجب أن تبدأ بتحطيم حواجز القصور، وتبديل أسطورية (الرجولة) في داخلها، أي أن المعركة يجب أن تبدأ من داخل المرأة نفسها. فمصيبتها الكبرى وقبل كل شيء، هي قواها النفسية التي هرسها الرجل، طبعاً إذا أرادت أن تضمن لنفسها الظفر.
وبما أن الرجل لا يتوقف عن (التفوق)، بعد أن شغل المرأة بأمور أخرى لا تهمه هو كمجال وكميدان، وبما أن المرأة قد ثبت في نفسها أن قواها -حتى العقلية- تقصر بها عن روم مملكة هذا (المارد)؛ فقد رضيت أخيراً بأن يعترف بوجودها كإنسان (ملحق)، وليس كإنسان مستقل.
رضيت –هي- أن ينظر إليها الناس على أنها بنت فلان، أو زوجة فلان، أو أم فلان، ولكن ليس على اعتبارها كائناً مستقلاً، له أن يتجرد من تبعيته للرجل. وهناك نساء استثنائيات قليلات جداً استطعن أن يلقين في قلوب الرجال أنهم (هم)، يجب أن ينسبوا إليهن، ولكن هؤلاء النساء وجدن من العنت والضنك حتى بعد مماتهن ما يثير الشفقة والعطف. فالتاريخ الذي يكتبه الرجل دائماً لم يكن في مقدوره أن يتجاهلهن تماماً، ولكنه لم يتوان في تضييق الخناق عليهن، ربما لئلا يكون للقادمات مثل يُحتذى فيهن، فيتسنى لهن مضايقة الرجل في سلطانه.
فرانسواز جيرو وزيرة الثقافة في فرنسا جمعت حولها الآن -يوم كانت وزير شؤون المرأة- ما يقرب من أربعين كاتبة ومفكرة وفنانة لتدارس مصير المرأة وواقعها. ومن أهم النقاط التي ألحَّت عليها المُجتَمِعات -بكسر الميم الثانية- ضرورة أن تعيد المرأة كتابة التاريخ بنفسها، وإن لم يتسن لها ذلك، فلتحاول كتابة تاريخها القادم بيدها، كيلا تترك الفرصة لهؤلاء (الطغاة)، يعني الرجال بأن يؤثروا بنفوذهم عليه كما كانوا يفعلون.
هؤلاء النساء اللاتي جمعتهن فرانسواز جيرو قلن يومها: لولا تدخل الرجل في كتابة التاريخ، لبقي ذكر (لينا تيرلنق) التي كانت تقبض على أعمالها الفنية أكثر مما كان يقبضه (هولبيان) نفسه، ولبقي ذكر سوفونيستا أنقيزولا الطفلة الرهيبة التي كانت يمنحها ميكل أنجج إعجابه، ولبقي كذلك ذكر لافينيا فونتانا البولندية التي كان لها أكثر من مئة وخمسة وثلاثين عملاً فنياً.
هؤلاء النساء كن يحكمن بضرورة معاقبة التاريخ، هذا الذي تجاهل المرأة عموماً، فلم يذكر سوى القديسات – في العالم المسيحي – والملكات. وهؤلاء كان يذكرهن بدهشة واستغراب أحياناً؛ لأن بلوغهن هذه المراتب – في حد ذاته- أمر معجز خارق للعادة. وكان يذكرهن بزهو وفخر أحياناً أخرى، ليس لميزاتهن أو لتفوقهن؛ ولكن لأنه كان يعدهن من صناعة الرجل، وقد بلغن ما بلغن بفضله. وكان يذكرهن كذلك على أساس أنهن (ندرة) في عالم النساء، فيأخذهن للخروج عن المألوف، ولنقض العادة، وللتشويق الذي يبعثه الشذوذ.
وفي وقت متأخر جداً، بدأت المرأة تدرك فداحة المؤامرة ضدها، فأخذت تناضل الرجل وتقاومه، ولكن دائماً بخوف، وغالباً بخجل أخذت تطالب بحقها في التعليم، ثم في المشاركة في البناء، وفي الإبداع، وفي المصير، ثم في كل ما يستبد به الرجل من ميزات، وحظوات، واعتبارات، وصلاحيات، وحقوق؛ فاتهموها بأنها فاجرة، وإنها تغالي، وإنها لا تستحي.
ومن يتهمها؟ دائماً الرجل بطبيعة الحال، ثم بعض النسوة اللاتي بقين يقبلن بوصايته.
عذبوها، وشنقوها، وأحرقوها، وتفلوا في وجهها، ورموها بأنها غير مؤدبة؛ لأنها قالت: أريد أن أتعلم، ورموها بأنها عاهرة؛ لأنها قالت: أريد أن أخرج من المطبخ، ورموها بأنها زانية؛ لأنها قالت: أريد أن أعمل. وزعوا لحمها على الكلاب والسباع تنهشه في كل مكان، بزعم أنهم يغارون عليها، ويدارون مصلحتها وعفتها ووقارها كربَّة (مكنسة).
ثم جاءت “أولمب دو قوج” عام 1790 تنشر في كل أنحاء أوروبا كتابها: “إعلان حقوق المرأة”، واستطاعت أن تصيح قائلة: “إذا كانت المرأة تأخذ مصير الرجل نفسه في الصعود إلى المقصلة، فإنه يجب أن تعطوها حق الرجل نفسه في الصعود إلى المنصة”.
يومها كانت المرأة هناك تقول: لماذا هذا اللعين هو كل شيء، وأنا لا شيء؟ فضربته بـ “صرمتها” على نافوخه وخرجت.
خسرت كثيراً، وكسبت كثيراً، ولسنا هنا في مجال تحديد ماهيات المكاسب والخسارة. ومع هذا فشيء واحد يحسن التنبيه إليه، وهو أن الكثير الذي فقدته من أخلاقياتها، لم يكن لنتائج معركتها مع الرجل أي دخل فيه. وأولئك الذين يتشدقون به، لا يعرفون على الإطلاق من هي المرأة الأوربية، ولا ما الظروف التي مرت بها، والتي تمر بها الآن.
وبرغم كل شيء، وبرغم المدة الطويلة التي قضتها المرأة في أوروبا في المطالبة بأن يتركوها تمشي، فإن الرجل مازال هو “السيد” الأول. اقرؤوا هذه الإحصائيات العلمية التي ظهرت مؤخراً.
في الدنمارك (30%) من التلميذات يتخصصن في الهندسة المعمارية، (2%) منهن يحصلن على الدبلوم، و (6%) فقط يعملن كمهندسات ويباشرن أعمالهن بأنفسهن، أما البقية الباقية فيتلاشين في عجلات هذا القطار الرهيب الذي يقوده الرجل، أو أنهن يعدن إلى المطبخ.
في فرنسا (44%) من التلميذات في الهندسة المعمارية أيضاً. (27%) يحصلن على الدبلوم، و(2%) فقط يتمكَّن من العمل، أما الباقيات فيعدن للعمل في الأمور التي من “اختصاصهن”.
لكن.
المرأة الأوروبية تتهلل الآن كثيراً؛ لأنها بدأت تنتصر على نفسها من الداخل. وأسطورية الرجل التي كانت بالنسبة لها شيئاً مخيفاً ورهيباً ومقدساً، بدأت تتحكم لتحل محلها الثقاة في نفسها -هي- وفي قدرتها -هي- على أن تكون شيئاً، وأن تحقق أشياء.
المرأة الأوروبية التي كانت تتحسر على أن ولدتها أمها أنثى، وتود لو ولدتها ذكراً؛ أصبحت الآن على العكس تفرح كثيراً؛ لأن الله شاء لها أن تكون امرأة. والمرأة التي كانت تتقطر خجلاً؛ لأن زوجها يعمل له كنزة “تركو” بنفسه؛ أصبحت الآن شديدة الفخر عندما يجلس أمام التلفاز في الليل: “تيك تاك” يشتغل لنفسه إشارب صوف. هذا بالرغم من أنه ما تزال الأعمال اليدوية في المدارس -للبنات غيرها للبنين- وكل يعرف ما هيئ له، وماذا يجب أن يفعل: خياطة “لهن”، وترميم وصناعة خزف “لهم”.
اليوم من يتجرأ على القول بأن المرأة لم تخلق إلا للمطبخ والأطفال؟ فإنه سيجد نفسه محاطاً بعدد غير قليل من فتيات الستة عشر عاماً، يلكزنه بكلمات الاحتجاج والاستنكار، هذا إن سلم من الشتم، والسخرية، والحجارة، والطماطم، والبيض.
الجيل الجديد من النساء في أوروبا، برغم أنه بدأ يجد أن مجالات النجاح متوفرة الآن للمرأة -كما هي متوفرة للرجل- إلا أنه يجد أن “المناخ” العام لا يهيئ أية فرصة للتكافؤ، إضافة إلى أنه غير عادل على مستوى “التحكيم”، أي تحكيم المنافسة، فالرجل مازال هو “السلطة”، هو الوزير، وهو المدير العام، وهو المسؤول.. إلخ. وحتى في الفن وفي مجالات الإبداع، مازال هو صاحب دار النشر، وهو مدير المتحف، وهو منتج الأفلام ومخرجها، وهو منظم الـ “شوبزنس” إلخ.
إذاً، أي حكم على قدرات الرجل أو قدرات المرأة، إنما هو حكم مجحف ليس له أي أساس يرتكز على قواعد متوازنة متكافئة عادلة، وأي مقارنة بين الرجل والمرأة في مجالات الإبداع والخلق، هي مقارنة باطلة؛ لأنها لا تعتمد على أي منطلق منطقي.
سلفادور دالي كان يجب عليه ألا يُصرِّح بأن المرأة غير قادرة على الإبداع، ثم يتخذ على ذلك دليلاً واحداً فقط، هو أنه لا يوجد بين النساء امرأة كشكسبير، أو أخرى كموزارت، أو ثالثة كرامبو، أو رابعة كـ “سماحته” هو نفسه. (دالي تعوَّد أن يقول: “سماحتنا” عندما يتحدث عن نفسه).
إن عدم وجود امرأة واحدة في التاريخ – تاريخ الإبداع – توازي شكسبير أمر واقع وصحيح، ولكن هذا لا يمكن أن يتخذ دليلاً على ضعف قدرات النساء الإبداعية. فمن قال: إن الله فطر المرأة على أن يكون خيالها أضعف من خيال الرجل؟!
إن عدم وجود امرأة واحدة في تاريخ الموسيقى توازي موزارت أمر حقيقي وثابت، ولكن ليس لأن مدارك الرجال الفنية أوسع من مدارك النساء. فمن قال: إن الله قصر قمة الفن على الرجال فقط؟
إن عدم وجود امرأة واحدة في تاريخ الشعر توازي رامبو قضية لا نزاع فيها، ولكن هذا لا يعني أن للرجال “ذوقاً” شعرياً أسمى من ذوق النساء. فمن قال: إن الله يمم ربة الشعر نحو الرجال دون النساء؟!
المسألة مسألة صراع تاريخي واجتماعي ونفسي عريق، تذهب جذوره بعيداً، كما سبق أن بينا.
والمسألة مسألة “فرصة” اهتبلها الرجل، فسحق المرأة وداسها بأقدامه، وجعلها تقف دائماً خلفه، تتوارى في هيكله الضخم؛ خوفاً واعتزازاً وإقراراً بأنها لا يمكن أن تطوله. وهذا الإقرار جاء نتيجة لكل عمليات “غسل الدماغ” التي أجراها عليها خلال مخطط المؤامرة التي حاكها ضدها، حتى كان اليوم الذي أصبحت تعتقد فيه، أنه لا فائدة من منازلة هذا “العملاق”؛ لأنه سيظل الأقوى في كل شيء، المنتصر في كل ميدان، الأول في كل مناسبة. رضيت بهذه “القسمة” فقعدت، ليس عن كسل، ولكن لأمر أخطر من ذلك، هو: “الاقتناع” بأنها أضعف، فتقدم الرجل ومازال يتقدم. متى يحق لدالي أن يعطي حكماً عادلاً مبنيا على مقارنة تقوم على أسس منطقية؟
الجواب: عندما تتهيأ للمرأة الفرص نفسها التي تهيأت للرجل تاريخياً ونفسياً، وعندما تأخذ المرأة الاعتبار نفسه الذي يأخذه الرجل، وعندما تقضي فترة كافية للإفادة الحقيقية من هذا المستوى من الاتقاء والشموخ. التاريخ هذا الذي كتبه الرجل (لابد أن يعاقب، ولا بد أن تعيد المرأة كتابته).
وعندما تتأكد من تحطيم كل الحجب وعقد القصر التي في داخلها، والتي تتضمن فيما تتضمن أنها كائن “ضعيف” يجب أن يداري دائماً، هذا هو “الظرف” أو المناخ الذي يجب أن تعيشه المرأة، إذا أردنا أن نجري -فعلاً- مقارنة منطقية بين قدرة الإبداع لديها، وقدرة الإبداع لدى الرجل.
إن أبسط الأمثلة وأسهلها وأكثرها سطحية، يؤكد ضرورة وحدة الظرف والمناخ، ليكون حكمنا على ما يقدم المتنازعان منصفنا.
هل يمكن أن نقول: إن ملكة الإبداع عند الأفريقيين السود أضعف منها عند الإنجليز، ثم نتخذ دليلاً على ذلك أنه ليس في أفريقيا كلها نظير لتشارلز ديكنز أو غيره؟! هل يحق لنا ونحن نقرر هذا الحكم المجحف، أن نتجاهل ظروف الأفريقيين البيئية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والنفسية، وهل يحق لنا أن نتجاهل عمر يقظتهم التي لم تأت إلا بعد أن تقيأ الإنجليز من التخمة انتعاشاً ووعياً؟ هل يمكن أن نغفل -ونحن بصدد هذه المقارنة- الحديث عن “السيادة” الإنجليزية الطويلة، والخضوع والخنوع والرضوخ الأفريقي الذي لم يتوقف إلا قريباً؟
المرأة الفريسة في كل حق التاريخ. ألا يستحي الرجل عندما ينفخ عضلاته ويقول: لقد حققت – أنا – أكثر مما حققت – هي – وبلغت ما لم تبلغ؟
المرأة الضحية: ضحية جبروت الرجل. ألا يستحي سلفادور دالي عندما يقول: إنها لا تبدع ولا تتفوق إلا في إنجاب الأطفال.
أيها التاريخ، تسوقهن إلى المقصلة باسم العدالة، وتمنعهن من الصعود إلى المنصة – مثل الرجال – باسم العدالة أيضاً.
أيها التاريخ، أنت لا تستحي.
د. فهد الحارثي باريس.