اليمامة

العدد: 446

27 ربيع الآخر 1397هـ

15 أبريل 1977م

عندما يحتضر (حمار)، أو أي حيوان آخر، فإنه لا (يفكر) مطلقاً في أي شيء من (مراسم) موته. لا يهتم بنوعية الكفن، أو طريقة الدفن، ولا تهمه المقبرة التي ستأوي (ضريحه)، كما لا يعنيه أن يكتب على (نصايب) قبره اسمه، وتاريخ ولادته، ووفاته. إنه يموت فقط .

الإنسان هو وحده الذي يفكر -وهو يحتضر- في كل هذه الأمور أو بعضها، ولهذا ظلت من خصائصه، فدعوها على هذا الأساس: (إنسانية).

و(الحمار) مهما كان، لا يمكن أن يقذف بنفسه من رأس بناية عالية، أو ينصب لرقبته مشنقة، أو يغرس في صدره سكيناً، أو يودع رأسه رصاصة. أي لا يمكن أن يختم حياته بنفسه، أي نتحر.

الإنسان هو وحده الذي يقدم على هذا (الجرم) الشخصي والاجتماعي، ولهذا ظل أحد نشاطاته المحصنة، فدعوه لذلك: (إنسانياً) أيضاً .

و(الحمار) عندما يصيبه مرض مهلك، يستسلم للموت، فلا يذهب لطبيب يداويه، كما لا يحاول هو نفسه أن يعثر على العلاج للخلاص من الموت أو من الألم. الإنسان هو الذي لا يستسلم للمنية أو للألم، فيضرب في كل اتجاه بحثاً عن (العافية) والنجاة. وهذه الأخرى جعلوها من الصفات (الإنسانية)؛ لأنها ظلت تمثل أحد اجتهادات الإنسان للبقاء وللاستمرار. ولكن هذا الكائن الغريب وهو يبحث عن أسباب العافية والبقاء، كان لا يتوقف أبداً عن اكتشاف طرق جديدة وفعالة (تمنحه) الموت والفناء، ولهذا ظل التقدم الطبي يحث خطاه نحو مستويات باهرة. وفي كل سنة جديدة بقدر ما يساعدنا على العيش والاستمرار، فإنه في الوقت نفسه يقدم لنا طرقاً مدهشة لمغادرة هذه الأرض، والانتقال إلى الحياة الأخرى.

أي أن الإنسان أصبح حديثاً ومجدداً، حتى في طرق إنهاء حياته. فالسكين، والمسدس، والحبل، والبناية الشاهقة، أصبحت كلها طرقاً تقليدية كلاسيكية عفا عليها الزمن. وأي إنسان (يحترم) سمعته، لا يمكن أن (يبيح) لنفسه استخدام أي من هذه الوسائل، وإلا قالوا عنه: إنه ليس (موديرن) أو مجدداً. يكفي أن يزدرد مقداراً ما من حبوب ما، أو يأخذ في العضل أو في الوريد كمية ما من مصل ما؛ ليموت موتاً (مشرفاً)، لا يسمح للمتقعرين بأن يلووا ألسنتهم الغليظة، بما ينغص عليه موته أو حياته الأخرى في قبره.

لا تنزعجوا فالانتحارات ليست (كثيرة)، (250.000) في العالم، (16.000) في فرنسا وحدها.

أناس ضاقوا بأنفسهم أو بالحياة، ففضلوا الرحيل، ولكن قبل أن يرحلوا طرحوا على أنفسهم هذا السؤال: هل الحياة تستحق أن تعاش؟! وبعد تفكير طال أو قصر، أعطوا الناس إجابتهم في صورة صمت قاتل رهيب، كان يحوم حول شفاههم الرمادية الجافة، ويغطي كل أجسادهم الزرقاء الباردة.

رحلوا بعد اقتناع ما بأن الحياة لا (تستاهل) أن تُعاش. وهذه القناعة كانت تسد أمامهم كل النوافذ المطلة على الدين والأخلاق والمسؤولية. إن أكثرهم لم يفكر أبداً في مسألة أحقيته في أن يظل يعاني معنا، أو أن يرحل. لم يفكر في أنه (المالك) الوحيد لروحه وجسده، أو أن هناك شركاء معه في هذه الروح وذلك الجسد، وليس من حقه أن يحجب عنهم نصيبهم فيه. لقد رحل فقط ، فترك بعده عدة مرافعات ضده، وعدة مرافعات للدفاع عنه. والحكم عليه لم يُعلن بعد، أو أننا لا نعلمه بيقين حتى الآن.

ومسألة (الانتحار) ظلت إحدى الظواهر الإنسانية الشاغلة لأكثر الفلاسفة القدماء والمحدثين؛ لأنها تستمد ماءها من إجابة هذا السؤال الذي سبق ذكره: هل الحياة تستحق أن تعاش؟ تذكروا عبارة ألبير كامو المشهورة التي دشن بها (أسطورة سيزيف)، والتي تقول:

(حقيقة! لا يوجد إلا مشكلة فلسفية واحدة جادة وهامة، هي الانتحار. أن نحكم على أن الحياة تستحق أو لا تستحق أن تعاش، هو الجواب على السؤال الأساسي للفلسفة).

والأدب الذي كتب حول (ظاهرة) الانتحار لا يحصى، أو على الأصح هناك إحصائيات تكاد تكون خيالية للإصدارات الأدبية حول هذه المسألة التي باتت ترهق كل المهتمين بدراسات الإنسان.

جون بايشلر أصدر مؤخراً كتاب بعنوان (الانتحارات)، يعده بعض النقاد أفضل دراسة كتبت في هذا الميدان. ومن أهم ما طرحه بايشلر في كتابة، هو تحمله مسؤولية إنشاء علم جديد مستقل سماه بـ(علم الانتحار) أو Suicidologie . ولكن بايشلر لا يضمن وجود العلاج، بل يؤكد إمكانية العثور على هوية الانتحارات كظاهرة ونشاط إنساني، أو سلوك فردي مهمته البحث عن حل لمشكلة وجودية، وهذا الحل هو إطفاء جذوة الحياة.

فهذا العلم قد نتمكن به من (تكوين خارطة هذه الجزيرة التي سندعوها الانتحار، ولكنا لا نستطيع الجزم بأننا سنتمكن به من النزول فيها، أو من التغيير في تيارات البحر).

وهو ينتهي فيه إلى نتائج مذهلة وجديدة تقلب رأساً على عقب أكثر النتائج التي توصل إليها سابقوه في البحث في هذا الميدان.

كانوا يعتقدون أن نسبة الانتحار عند النساء أكثر منها عند الرجال، وهذه ربما بنوها على (القناعة الأزلية) بأن المرأة أضعف من الرجل جسدياً ونفسياً، ثم إنها أرق عاطفة وأسرع انفعالاً؛ مما يؤدي بها في أكثر الأحيان إلى اتخاذ قرارات مصيرية وحاسمة، وفي منتهى السرعة. ومن مناسبات إقدام الإنسان على الانتحار، تعمق الشعور لديه بأن نسبة مشاكله أصبحت تفوق نسبة قواه، ومقدار إمكانية مقاومته. والمرأة هي أقرب إلى (التورط) في هذا المأزق من الرجل، ولهذا فالرغبة في الرحيل أكثر تردداً عليها منها عليه. ولكن بايشلر ينكر هذا تماماً، ربما لأنه يضع في اعتباره الفرص التي أخذت تتهيأ للمرأة أكثر من السابق؛ مما زاد في تعضيد نشاطها، وعمل على تقوية نفسيتها وشد إرادتها. فالمرأة التي كانت تصطدم بأبواب كثيرة مغلقة في وجهها؛ أصبحت الآن -أو تكاد- تناهض الرجل في كل نشاطاته ومجالات تحركه. فمشاكل الرجل اليوم هي مشاكل المرأة، ومناسبات نجاحه وتألقه هي مناسبات نجاحها وتألقها، فهما يستويان -أو تقريباً- في كل ما يعمر به عالمهما من إيجابيات وسلبيات، ولهما الحظ نفسه في السعادة أو التعاسة.

ويعيد بايشلر خطأ القول بتفوق نسبة الانتحار عند النساء إلى عدم دقة الإحصائيات. فالذي يراه هو، أن نسبة (محاولات) الانتحار ربما كانت الأكثر عند النساء، ولكن ليس (تنفيذ) هذه العملية، أي أن النساء (يحاولن) أكثر من الرجال، ولكن الرجال (ينفذون) أكثر. هل كان بايشلر –هنا- يروم بطريقة أخرى مسألة التورط في تفوق الرجل على المرأة إرادياً؟ أم أنه لا يقوى على التنكر للحقيقة (الشعرية) التي تؤكد دائماً بأن المرأة أكثر حباً للحياة وتفتحاً على المستقبل؟

على أية حال، فالإحصائيات لم تترك له فرصة الاختيار. فقد يقدم هذين الاحتمالين تفسيرا للظاهرة، ولكن ليس كأساس لمجرد افتراض شخصي عاطفي.

نسبة (محاولات) الانتحار عند النساء وعند الرجال تأتي على هذا النحو:

بين كل (328) محاولة (26%) رجال، و(37%) نساء.

نسبة تنفيذ عملية الانتحار (25%) عند الرجال، و(8.9%) عند النساء.

يقولون: إن نسبة المنتحرين في المجتمعات الصناعية تفوق نظيرتها في المجتمعات البدائية أو الزراعية، بناء على ما يتخلل حياة الإنسان في تلك المجتمعات المعقدة حضارياً من تحديات قوية موجهة نحو علاقاته الأسرية، وتحديد نوعية دوره في الحياة، وبناء على ما تفرضه هذه التحديات من تحديد للفرصة، وتعويق للكوة المطلة على المستقبل. هذا فضلاً عن تصاعد الانتهاكات الخلقية والخسران الروحي الذي ظل يبصم حياة كل فرد هناك بيأس مدقع، يزيد في تكثف اليأس من النجاة في المسيرة الراهنة لهذه المجتمعات.

ينكر بايشلر كل ذلك معتمداً على إحصائيات دقيقة عن نسبة الانتحارات في مجتمعات معقدة صناعياً وحضارياً. ماذا تقولون في بلاد مثل الولايات المتحدة الأمريكية؟ إن نسبة الانتحار فيها لا تتعدى (10.9%)، بينما هذه النسبة ترتفع في بلد كالنمسا إلى (28.8%). ماذا تقولون في اليابان؟ نسبة الانتحار فيها تصل إلى (14.7%)، بينما في بلد كالسويد تصعد إلى (20.9%).

في فرنسا بعد عام 1945م بقليل، والتصنيع الفرنسي في حموته، انخفض نسبة المنتحرين عما قبل هذا التاريخ. ثم إن مسألة التصنيع أو الانغماس في التحضر، ليس له أي أثر في ارتفاع نسبة الانتحار أو انخفاضها، وإلا فكيف تستطيعون أن تشرحوا النسب التالية:

ألمانيا الفدرالية (20.9%)، وسويسرا (20%)، إنجلترا (10.1%)، البرتغال (9.5%)، والنرويج (7.1%) إلخ.

وينتهي بايشلر إلى عدم الإقرار بإيراد التكامل الصناعي كعامل من شأنه أن يرفع نسبة الانتحار، فيصل إلى تقرير أن الانتحار عملية فردية بحتة تختلف في الحث عليها الظروف المحيطة. فقد تتساوى نسبة المنتحرين في مجتمع صناعي مع نظيرتها في مجتمع زراعي.

وكون الانتحار نشاطاً فردياً هذا صحيح، ولكن برغم كل ما يريد أن يقوله بايشلر، لا يمكن الاقتناع بأن ضيق الإنسان بالحياة، أو عدم توازن قواه مع نسبة المشاكل التي يواجهها كدافع أساسي للانتحار؛ لا يمكن أن يكون بالقدر نفسه عند من يسكن مجتمعاً زراعياً بدائيا بسيطاً، وعند من يسكن مجتمعاً صناعياً معقداً، كل ما فيه يعد تحدياً صارخاً لنفسية الإنسان وعواطفه ومشاعره.

ثم يؤكد بايشلر أن الانتحار عملية مدركة، ولهذا لا يمكن أن يقوم به الأطفال فيما دون سن العاشرة، كما لا يمكن أن يقوم به المجانين الكبار. وهذا وارد من حيث إن هذين الفريقين يعجزان تماماً عند إدراك معنى هذا السؤال الفلسفي المرهق: هل الحياة تستحق أن تعاش؟!

علم الأمراض العصبية لامس الأحوال التي تتم فيها عمليات الانتحار، حيث أكد أن الإنسان يتهيأ للانتحار بالجنون الدوري (سيكلوتيمي) وبالانفعال، وبرغم كل شيء، يظل سلوكاً غير زائغ وغير جنوني، بل إنه سلوك ذو معنى ومشروط بمنطق المنتحر نفسه. هذه دراسة علمية عن الانتحار حملت اسم:Les Suicides والدراسات التي تخرج عن هذه الظاهرة لا تتوقف. ويظل هناك سؤال يشغلني، هو: هل الانتحار هزيمة أم انتصار؟ عندما أجد الإجابة عليه سأوافيكم بها.

وقت البيانات لتقنية المعلومات شركة برمجة في الرياض www.datattime4it.com الحلول الواقعية شركة برمجة في الرياض www.rs4it.sa