.. إشراقة في الفكر

لقد تشرفت برئاسة تحرير مجلة اليمامة أكثر من اثني عشر عاماً، وكان مما يزيد غبطتي بعملي في تلك المجلة؛ هو عراقتها وريادتها، وأكثر من ذلك، أن نسبها يلحق بشخصية فذة؛ هي حمد الجاسر، ولقد مات الشيخ -رحمه الله- وهو مازال يحس بأن اليمامة يمامته..

رجال كثيرون خرجوا من تحت العباءة الفضفاضة لمجلة “اليمامة”، أو تحدروا من جلبابها الرحب، وذلك بعد أن محضوها حبهم، وبعد أن سكبوا على صدرها وبين كفيها عرقهم وخوفهم وقلقهم، فكانت لهم حصناً مهيباً لا يملون النظر إليه، ولا يتعبهم أبداً أن ينقشوا أسماءهم وذكرياتهم الجميلة على حجارته البلورية الفاتنة.

لا أظن أن أحداً يجرؤ على جحود حصة “اليمامة” الوفيرة في مهمة نشر “الوعي” بين الناس في وطننا الفسيح بطوله وعرضه. نقصد الوعي بالتاريخ، والوعي بالجغرافيا، وبالتالي الوعي بالثقافة، والمسؤولية، والحقوق، والواجبات، والحرية، والعدل. فالفكرة الجموح التي التمعت في مخيلة حمد الجاسر (اليمامة)، كان يدرك هذا الشيخ العجيب -رحمه الله- مكارمها، وكان يعرف، في الوقت ذاته، مخاطرها اللانهائية، منذ ذلك اليوم الذي كانت الصحافة فيه مدعاة لسخرية الناس، ومبعثاً لهزئهم، إلى هذا اليوم الذي أصبحت فيه الصحافة رمحاً مشهراً طويلاً ذا ذؤابة حادة، تأخذه، إن شئت، زينة لك في صلاة العيد، أو تهزه في يديك، إن أردت، لتنذر بالموت ونهايات الأشياء، أيُّ أشياء ليست جديرة بالبقاء والاستمرار!

“الجاسر”.. رجل بجيل

ملحمة طويلة قادتها “اليمامة” منذ تلك الأيام، أيام حملها حمد الجاسر وحيداً على كتفيه، فعلمت الناس، بالفعل، الأدب والفكر والشعر، ولقنتهم الحب والحلم، وهي، في الوقت ذاته، لم تنس للحظة واحدة أن تنقل إلى خبراتهم أصول الغضب ولوازم الاحتجاج!

لقد تحدَّث الكثيرون عما يعرفونه عن “اليمامة”، وعن حمد الجاسر، وتكلموا عن تاريخها، وعن كونها “رمزاً” حضارياً سامقاً للثقافة، وللحس الوطني المرهف الذي ينتصب في ارتفاع صارم جليل في قلب الرياض. وقد ظلت “اليمامة”، في عهد الجاسر، وفي بعض مراحل عمرها بعده، على العهد، وبقيت تأخذ، لسنوات طويلة، بشآبيب الوعد، حباً لهذا الوطن النابه، وموتاً له ومن أجله، يحدوها في ذلك عظم الواجب الذي تزهو به في كل حين، ويدفعها نحو ذلك ضخامة الأمانة التي تفعم ضميرها، وتملأ عقلها ووجدانها.

 

على خطى “الجاسر”

وكنا مجموعة من الشباب الذين التقوا حول مائدة اليمامة، في الثمانينيات من القرن الماضي، وبكل ما في هؤلاء الشباب من حماس، فقد كانوا يظنون أحياناً أنهم سيصلحون الكون، وسيعيدون إليه رشده، وسيمنحونه استقامته، وسيعيدون صياغته وتشكيله وتلوينه على طريقتهم، وذلك في مدة قصيرة، أي خلال يومين، أو ربما ساعتين!

يومها كتبنا، بعض ما كتبنا، بالسكاكين والحراب، ففرح بنا الكثيرون؛ لأنهم كانوا يرون في ما نفعل وعداً جميلاً، وقد غضب منا الكثيرون أيضاً، وقد حملوا علينا، وبعضهم لم يدخروا في جعبتهم من الأسلحة والذخائر أي شيء! صوبوها إلى نحورنا وصدورنا!

معركة المفاهيم.. الخلط و الحساسية

المسؤولون عدُّوا أن هدفنا، هو “التشكيك” في مشروع “التنمية” الذي كان على أشده، والمحافظون، من جهتهم، اعتقدوا بأن غايتنا، هي الإجهاز على ثقافة العرب وعلى تراثهم!.. وكان حل مشكلتنا مع المسؤولين أسهل بكثير منه مع الآخرين. والمشكلة كانت دائماً مشكلة “مفاهيم”، وقد كان هناك دائماً حساسية مفرطة تجاه بعض المفاهيم، مثل ما حدث مع مشروع الحداثة التي كانت شغل العالم كله تلك الأيام، سواء في أبعادها وصفاتها الحضارية المتصلة بمستقبل الكون والإنسان، أو في فضاء الإبداع والثقافة على نطاق أكثر تحديداً. فأُخرِجَ يومها من الملة من أُخرٍجَ، وفُسِّقّ من فُسِّقَ، ولم يكن هناك، في هذا الضجيج المحتدم، من صوت عاقل واحد يدعو إلى شيء من الهدوء، ومن العلمية، ومن الالتقاء حول “مفاهيم” أكثر وضوحاً تنشلنا من هذا التيه العجيب!!

سقط في تلك المعمعة العديد من الجرحى والقتلى، ولكنهم كانوا دائماً ينهضون!

العداء كان مع التخلف

لقد كنا ننطلق، أيام عملنا في اليمامة، من خطوط شديدة الوضوح في الذهن وفي الضمير؛ استجابة لمتطلبات المجتمع الذي نحمل رسالته، وفي هذا تأكيد على المحرك الذي يدفع الأداء الإعلامي إلى مسؤولياته المباشرة في ضبط التوازن الدقيق في المعادلة الصعبة للتقدم والتخلف، وقد كنا، كما كان يريد مؤسس هذا الصرح الكبير حمد الجاسر، مع التقدم طبعاً بكل شروطه وظروفه وتبعاته، ومهما بلغت تضحياتنا من أجله؛ لأن ذلك هو الطريق الوحيد الذي سيكفل لنا مستوى مشرفاً من المنافسة أو ربما التفوق، وبهذا المستوى نفسه نستطيع أن “نستأنف” الجهاد في طريق رسالتنا التاريخية والحضارية القديمة المستمرة، والتي لابد أن  تعود جذعة. ونحن في حماسنا للتقدم والبناء، وفي حرصنا على صيانة الإنجاز ومواصلته؛ لا ننسى، لدقيقة واحدة، أن قوتنا إنما تنبثق من تلك الرسالة التي حملنا أمانتها، فلا تفريط في ديننا، أو تاريخنا، أو النابه من تراثنا وقيمنا الحضارية المختلفة.

الوعي بسمو الرسالة

وكان علينا دائماً أن نستبعد كل ما من شأنه أن يؤدي إلى زعزعة الطمأنينة بين الناس، أو التفرقة بينهم، فنحن ضد الاستفزاز وضد الاستعداء، فالحوار لا يعني الخصومة، والاختلاف في الرأي لا يعني التأليب أو تكريس التشرذم، ونحن نؤمن تمام الإيمان أن هذا هو الداء الوبيل الذي لابد أن ننجو بمجتمعاتنا منه، ولا بد أن نرفض كل من يهيئ له، وأن ندحر كل من يروِّج لعوارضه.

أدت “اليمامة” دوراً ملاحظاً في الإسهام في حركة التنمية واستحثاث الوسائل والطرق المفضية إليها، بدءاً بالمشاركة في حركة التثقيف والتنوير وتبصير الرأي العام بهمومه ومشكلاته الماثلة؛ وانتهاء بالمساهمة الفاعلة والمؤثرة في تحديد مسارات عجلات التنمية نفسها، وتعيين درجة حركتها، وسرعة دورانها، وهي في هذه السبيل لم تكن تخلو من نقد، (قد يكون شديداً أحياناً)، ولكنه صريح ومخلص يطال كل ما يستوجب المراجعة أو التصحيح، أو إعادة ترتيب الأوليات. فالمناقشة النظيفة سمة حضارية، وواجب وطني، وشعارنا كان دائماً، هو ذلك الشعار القديم الجديد: “ليكن هناك نور”.

بعضهم عدَّنا نلعب بالنار، وأن هدفنا -كما ذكرنا أعلاه- إنما هو التشكيك في سلامة المشروع التنموي وعفته وصحته، فعاقبنا، وعنفنا، وآذانا، في مقابل ذلك، أخذنا بعضهم بأيدينا وأقعدنا إلى جواره، يؤاخذنا، ويلومنا، ويعاتبنا، وقد يحتد علينا، ولكن دون أن ينس أبداً أننا بعض أولاد هذا الوطن الكبير، ونحن شركاء في ماضيه وحاضره ومستقبله.

لاشك أن ما كنا نفعل كان يستفز الذين اعتادوا على السكينة والهدوء، وربما الجمود في الحركة، والفكر، والإبداع، والتنمية.

 

المجلة – الحدث و النموذج

شيء واحد -على الأقل- لا يستطيع أن ينكره أحد على اليمامة، ولاسيما في تلك المرحلة الساخنة جداً من عمرها؛ وهي أنها كانت حدثاً مهماً في تاريخ الصحافة السعودية، بل في تاريخ الإعلام كله في بلادنا. لقد أباحت اليمامة هامشاً أرحب في إعمال العقل والتفكير، كما أنها أتاحت فضاء أرحب للمساءلة والمحاسبة والمراقبة والنقد، وهي أمور كانت من أحوج ما يحتاجه مجتمع ناهض كمجتمعنا.

كانت ترسخ لتقاليد إعلامية نابهة ونظيفة ومسؤولة، كما أنها تمكَّنت من أن تؤسس لمنهج صحفي كان مثالاً احتذته عنها أكثر المطبوعات التي تصدر في البلاد. ونحن نقول ذلك دون تشوف أو غرور أو منّة، فالذي يهم هو أن تجربتنا كانت سليمة، وأنها قد أثارت عدداً من الأسئلة حول المسكوت عنه.

لقد كان الهاجس الأول الذي يلح على القلب والذهن، هو هذا الوطن الجميل الذي ينتصب كالسيف. هذا الوطن الذي يخوض تجربة حديثة متفردة في موضوعها وتطلعاتها. نعني التجربة التي نعتقد أن كثيرين بين المثقفين يتعاملون معها – حتى الآن – بقدر لا بأس به من الاعتيادية من حيث المتابعة، والتقويم، والتفاعل، والتأثير، وهل نذكر الآن بقضيتنا التي أثرناها في اليمامة حول المثقف السعودي الذي أسميناه “شاهد ما شفش حاجة”؟ أو هل نلوح بقضيتنا الأخرى حول نظرته السالبة تجاه التحولات التي طرأت على المجتمع السعودي؟

 

شفقة الودود

حين انقضت السنة الأولى في الشوط الأول مع اليمامة (عام 1401هـ)، أشفق علينا عدد كبير من أصدقائنا، وقالوا لنا بملء الفم: ننصحكم بالخروج عاجلاً من هذه الدائرة الخطرة، أخرجوا إلى ساحات خضراء أخرى، رحبة، فقد تسقطون، أو قد يضيق بكم المكان، أو تتقطع فيكم حبال الصوت، أو ينضب وهج التجربة. فالحركة المجتمعية هنا – بتفاعلاتها المختلفة لا تسمح بأكثر مما قلتموه، وسيبدو للناس -فيما بعد- أن العيب ليس إلا فيكم وفي تجربتكم. ولقد حَضَنّا في العين، ذلك الاهتمام من الأصدقاء، لكننا بقينا نؤمن بحقيقة واحدة، وهي أنهم كانوا يسيئون التقدير، فأبينا إلا أن نغني النشيد نفسه، ولحوالي 13 عاماً، فنحن نحب بلادنا، ونحن أيضاً نوقِّت إيقاع دقات القلب مع خطوها وتنفسها. و”اليمامة” هي – في نظرنا على الأقل- إحدى العينات القليلة التي لها طريقتها في الحب، فهي تعي عمق تجربة الوطن وثراءها الجم، وهي توائم بين الغناء للمجد ومسؤولية الاعتراف بالتقصير أو الأخطاء.

 

الصرامة في المهنية

لقد كنا نلتقي دائماً، ونراجع قوائم الفشل والنجاح، وكانت الرغبة الملحة، هي أن نحدث جديداً يتوافق مع طموحات الوطن، وينسجم مع تطلعات الناس نحونا، لكننا مقتنعون بأن نبقي – في الوقت نفسه – على التقاليد الإعلامية التي رسخناها، وأن ندعم المنهج الصحفي الذي اخترناه، وناقشناه، في اللُحمة الداخلية للأداء الذي عرفه عنا أصدقاؤنا وزملاؤنا في المهنة، دون حاجة إلى الاستغراق في التفاصيل. كان التصميم هو أن ننفثْ الروح في قنوات أخرى للتجربة، وحاولنا أن نختار الطريق الصعب، فبنينا “خطتنا” على إستراتيجية صريحة وبارزة، وهي “الناس”، ومن هذه الإستراتيجية تصببت الآراء والأفكار، وتفتَّح العديد من القنوات الموصلة إلى الأهداف التي نريد، أو الإستراتيجية التي رسمنا، وكان التكتيك هو التمييز بين عدد من الأساليب المشروطة بقيم إعلامية نزيهة، ومنهج وطني يتوخى الصدق في الإشادة، والصدق أيضاً في التصحيح. فجاءت صفحات “قلم وحبر” في بداية المجلة، وتأكدت “قضية الأسبوع” في وسطها، ثم أفردنا صفحات أربعاً لـ “صوت المواطن”، فظهرت بطرح جديد جنَّد له أبرز المحررين.

 

مهمة البحث عن إجابات          

والمهمة هنا هي الوساطة الفعلية والعملية بين المواطن وصانعي القرار، فنحن نختلف إلى الدوائر الرسمية بحثاً عن إجابات واقعية وعملية على تساؤلات الناس، وليس غير الناس. والأهم الذي كنا نركز عليه، هو محاولة أن تكون “الأهداف” التي نريد أن نصل إليها واضحة وصميمية، وأن تؤدي “خططنا” الداخلية إلى الإفضاء إليها، وهذا ما عزمنا عليه؛ لأننا لا نؤمن بالأعمال “المجانية”، ولا يهمنا الجانب “الترفي” في الطروحات التي سنختار، فجانب “التسلية” والإلهاء، و”مشغلة”، أوقات الفراغ بالبارد، والمترهل، والاستهلاكي؛ هي آخر ما سنظل نفكر فيه.

التفرد في اللغة

لقد وضعنا كذلك حدوداً صريحة لـ “لغة” اليمامة، ووقفنا عند هذه النقطة طويلاً، وكان الزملاء في أشد الحماس لها. و”لغة” المطبوعة قد يحسها كل الناس، ولكن لا يستطيع تقدير قيمتها “التأثيرية” إلا المختصون وأصحاب المهنة، وتبدأ من صياغة العنوان، وتنتهي بتحديد نسبة الأزرق والأصفر، أو الأسود والأبيض في شكل أي صفحة داخلية ثانوية.

نزعم في “اليمامة” مخطئين أو مصيبين، أن الفضاء الذي نتنفسه في عملنا يختلف عن كل فضاء آخر غيره.

 

روح الفريق

نحسب أن ليس بيننا من يحاول أن يحتكر مجداً لنفسه.. فكل عمل نقدمه للناس، على تواضعه، نقول: إنه عملنا كلنا، فإن فشلنا تقاسمنا مرارة الفشل بالتساوي، وإن حققنا بعض النجاح، أخذ كل منا بنصيبه كاملاً منه غير منقوص.

نزعم أيضاً، ودائماً، أن الجهد الذي نقدمه، هو اجتهاد ليس له من هدف غير السير في ركب الزميلات، من وسائل الإعلام الأخرى، كي يكون لنا وطن زاهٍ وجميل.

والعمل الإعلامي في كل الأحوال “له منغصاته”، وله في الوقت ذاته ملذاته، التي تأخذ بتلابيب العقل والفؤاد. له بريقه القاتل الفتاك، وله في الوقت نفسه حلاوته الشيطانية، التي لا تزيدك إلا إصراراً على التحدي، وعلى المغامرة الفذة.

إننا لا نريد أن ننافس أحداً، كما لا نروم أبداً التفوق على أحد!.. وكل ما نتمناه، هو أن نتغلب على أنانياتنا فنحن بشر، ولنا نقاط ضعف كثيرة، يأتي في مقدمتها تلك الأنانيات التي نحاول بكل ما في وسعنا أن نكبحها، فمرة نخفق، وأخرى نكون أقل إخفاقاً، والصراع ما يفتأ قائماً وعلى أشده. نفعل كل ذلك، ويفعل مثلنا زملاء آخرون في وسائل أخرى، والهدف واحد، وهو أن يكون لنا وطن عملاق ونبيل.

فضاؤنا الذي نتنفسه في العمل “له شوائبه”، وله عنعناته الضئيلة، التي لا يخلو منها أي فضاء يعج بالإنتاج والحركة، ولكننا نحس دائماً بأننا أشبه بالنبتات الصغيرة التي نمت سوياً.. وتعرضت لبعض الأوبئة سوياً. وما انفكت تعانق الشمس والربيع سوياً أيضاً!..

أسماء… للذكرى

هذه هواجس مشروعة كانت تدور في رأسي وأنا أرقب شباب اليمامة، عن بعد وعن قرب، يصطخبون، ويتزاحمون بالسواعد والمناكب والأجساد.

تذكرت أن هؤلاء الشبان إنما نشأوا، وأُخْضِلَتْ مواهبهم، تحت مطر اليمامة، وهم اليوم في هذه الساعة أعمدتها القوية، وأطنابها المتينة.

إدريس الدريس (مدير التحرير، ثم نائب رئيس التحرير)؛ لم يكن قبل سنوات سوى متعاون في صفحات الرياضة، وعبدالله الصيخان، الشاعر الذي هبط علينا من تبوك، فلم يلبث أن أصبح هو الآخر مديراً للتحرير، وفهد العبدالكريم (سكرتير التحرير التنفيذي)، دخل علينا محرراً صغيراً لـ “رحاب الإيمان”، وعبدالعزيز السويد (سكرتير التحرير أيضاً) اكتشفته اليمامة، قبل أعوام قليلة، كاتباً في أول الطريق في صفحات “قلم وحبر”، ومثله جاسر الجاسر كان رئيس القسم الثقافي والناقد المعروف، (تقلَّد فيما بعد مناصب قيادية في بعض المؤسسات الإعلامية)، ومثلهم توفيق نصرالله، ومحمد أبو عمير، ومحمد اليامي في المحليات. وأنا لست بصدد الحديث عن الجميع، ولكنها مجرد أمثلة تأخذ بعنان القلب لشباب نشأوا معاً، وكبروا معاً، وشدوا أيدي بعضهم بعضا تحت سقف مشرق واحد، هو سقف الموهبة والسعي الحثيث إلى النجاح.

سأتذكر باعتزاز زملاء آخرين غادروا اليمامة، في وقت لاحق، مدججين بعدة التفوق، داود الشريان المحرر الفني الذي أصبح مديراً للتحرير، ثم صار بعد ذلك رئيساً لتحرير أكثر من مطبوعة في مواقع صحفية أخرى. وعلي العميم محرر المحليات المبتدئ، الذي أمسى الآن من أبرز كتاب الجيل الأخير من الشباب.

سأتذكر مبدعين كانوا يدفعون العجلة معنا بحماس: محمد علوان، وعبدالكريم العودة، ومحمد جبر الحربي، سعد الدوسري، والمرحوم صالح العزاز، وبدر الخريف، وعبدالرحمن المنصور.

لن أتذكر كل الآخرين غيرهم، وهؤلاء إنما أتذكرهم استجابة للهواجس التي حدثتكم عنها.

الانجاز جماعي أو لا يكون

الفضل فيما حققه هؤلاء الشباب، (أو غيرهم ممن لم أذكرهم) تحت خيمة “اليمامة”؛ لا ينسب لأحد أو لشخص بعينه، إنه إنما يعود لهؤلاء الشبان أنفسهم، ويعود أيضاً إلى فضاء اليمامة الذي اشتركت في نظم خيوطه كل الأجيال من المثقفين الذين عبروا من تحت سماء هذا الصرح، منذ أكثر من أربعين عاماً.

لن أذكر هنا الكتاب والشعراء الذين خرجوا من عباءة اليمامة، ولن أذكر زملاءنا الآخرين الذين جاؤونا جاهزين بمواهبهم التي ازدهرت خارج فضائنا. لن أذكر بشيء أيضاً عواجيز اليمامة: سعد الحميدين مثلاً، وعبدالعزيز المنصور؛ لأنني حين أذكر هؤلاء سأضطر إلى وضع اسمي في مقدمتهم، فأنا عجوزهم الأكبر، ولم يعد هناك مجال لإخفاء ما ليس من الممكن إخفاؤه.

عصر اليمامة.. الصورة الباقية

هذا كلام استحضرته بعد مرور سنوات طويلة على “عصر اليمامة”، وأجدني كلما أعدت قراءته، أتذكر جيلاً من شباب بلادنا ورجالاتها، آمنوا بأن الإعلام أساس في تشكيل “وعي” الناس، ولاسيما وعيهم بكل ما يشمل تحديات حاضرهم وهموم مستقبلهم، وربما أن كثيراً من الأفكار التي كانت أساساً في بنية الإعلاميين والمثقفين ذلك اليوم؛ تعززت اليوم في أشكال ملفته من الوسائل والأداءات. فقد تعددت الآن المنابر، وزاد حجم النوافذ المتاحة مع ما نشهده من تصاعد لا ينقطع ولا يتوقف فيما يسمى بـ”ثورة الاتصال”، وتقنية المعلومات التي غيَّرت وجه العالم في السياسة والاقتصاد والاجتماع، ونقلته تماماً من عصر الصناعة (عصر الحداثة)، إلى عصر المعلوماتية والمجتمع الرقمي، أو عصر”ما بعد الحداثة”، الذي أضحى القول الفصل فيه، إنما هو منسوب إلى الرموز، والصور، والأرقام، وتدفق المعلومات، وإنتاجها، وإعادة إنتاجها!

الفضاء المفتوح و ديمقراطية المعرفة

وقد تحوَّلت قنوات التواصل الاجتماعي –مثلاً- إلى برلمان مفتوح، أو نادٍ سياسي وثقافي، يشترك فيه الجميع، ويناقشون من خلاله آراءهم وأفكارهم، ومن ثم يظهرون نقدهم للغابر والماثل في آن، وذلك بكل جرأة وشفافية، فهذا مجتمع ألغى السلط التقليدية بكل أشكالها وتجلياتها، كما دشَّن بكل اقتدار عصر ديمقراطية المعرفة والرأي، والثقافة الأفقية، معلناً في الوقت ذاته “موت النخبة”، ونهاية الثقافة الرأسية. فالنخبة اليوم هي كل الناس، فالناس من اليوم يصنعون ثقافتهم، ويشيدون إعلامهم، ولا وصاية أو رقابة من أي أحد، والجميع لهم حقوق متساوية في إبداء الرأي وحريته، والجميع مسؤولون عن صياغة المستقبل، وتحديد ملامحه وغاياته.

نحن بحاجة، دائماً إلى تأكيد بعض القيم التي من شأنها أن تساعد على تضييق نطاقات الخسائر الممكنة، في ظل التسابق المحموم نحو “المنافسة”، وفرص التحكم في المستقبل!

بخط يده: حول مجلة اليمامة

 للإطلاع على المزيد حول ردود الفعل على الاستقالة من مجلة اليمامة اضغط هنا

حول الاستقالة من مجلة اليمامة

 

أشياء للتاريخ

 

 

 

روابط 

الموقع الرسمي لمجلة اليمامة

تغريدات عن مجلة اليمامة