تشرفت بالعمل – تطوعاً- إلى جانب الأمير سلطان بن سلمان في خدمة المعاقين، وتحت إدارته، لأكثر من سبع سنوات متواصلة، حيث كنت عضواً في مجلس إدارة جمعية المعاقين في المملكة العربية السعودية، وقد تعلمت من سموه أن الانتساب إلى عضوية مجلس الإدارة، أو إلى أي لجنة من لجان جمعية الأطفال المعاقين ليس أبداً انتساباً شرفياً، كما هو المعتاد والمتداول والمعروف في الفعاليات الاجتماعية أو الإنسانية المماثلة، بل هو على الأصح، وكما يفهمه سلطان بن سلمان، بذل، وعطاء، وإنتاج، وعمل لا ينقطع، وهو يقول ذلك صراحة لكل تشكيل جديد للمجلس أو لبعض اللجان، بل أنه يطلب بوضوح شديد، ممن لا تمكنه ظروفه من تقديم ما هو مطلوب منه، أن يتنحى عن مكانه ليترك المجال لغيره، ممن لديه الاستعداد بأن يتجاوب مع تطلعات الجمعية إليه.

وهكذا وربما لأول مرة، وجدتُ مع الأمير الشاب أنني أمام مفهوم مختلف لدور مجالس الإدارة أو اللجان المكلفة بمهمات خاصة، إذ إن المفهوم المعروف والمتداول في كثير من الأنشطة المؤسسية الأخرى، ظل يعني أن الأداء في مجالس تلك الأنشطة ولجانها يقتصر في الغالب على الجانب الشرفي، أو الجانب المتعلق برسم بعض السياسات العامة، دون مباشرة حقيقية وفعلية للأعمال والإنجازات نفسها في جانبها التنفيذي اليومي. وأنا أعرف أن بعض الإخوان الذين عملوا إلى جانب الأمير، اعتذروا فعلاً عن مواصلة العمل أو الاستمرار فيه، بعد أن وجدوا أن العمل مع الأمير النشط يختلف – مثابرة وتفانياً- عن غيره.

لقد اعتبرت جمعية الأطفال المعوقين أحد أبرز الجمعيات الخيرية في المملكة العربية السعودية وأقدمها ، فهي تأسست برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين آنذاك الملك فهد بن عبد العزيز -رحمه الله- عام 1406هـ في مدينة الرياض ، بغرض تقديم الرعاية المتكاملة والمجانية للأطفال المعاقين من ذوي الإعاقة المركبة (عقلية وجسدية) من سن الميلاد وحتى سن 12 سنه ممن لديهم القدرة على الاستفادة من خدمات الجمعية والعلاجية والتعليمية والتأهيلية.

لقد علم سلطان بن سلمان الذين بقوا إلى جانبه في مجلس إدارة جمعية المعاقين قواعد العمل التطوعي، ولقنهم أصوله، وجعلهم يتذوقون قيمه الروحية والخلقية الغنية الثرية، فكل من حوله في المجلس أو لجان الجمعية المختلفة المتعددة، هم من العاملين المثابرين بلا أي مقابل مادي من أي نوع، فهم يغنيهم عن المقابل المادي، الامتلاء الوجداني الذي يحسونه ويشعرون به، إذ يؤدون واجبهم في حقل خصب من حقول العمل الإنساني بمعطياته الروحية والقيمية.

أستطيع أن أقول: إن الفريق الذي شاركناه العمل تلك الأيام قد نشر في مجتمعنا كله، مع الأمير سلطان بن سلمان ؛ وعياً جديداً بالعمل التطوعي من حيث هو قيمة، ومن حيث هو واجب وضريبة إنسانية وخلقية، ففي الوقت الذي تتفاقم فيه فرص المكتسبات المادية، استطاع هؤلاء الرجال أن يفتحوا نافذة بهية تطل على موسم مختلف من مواسم العطاء الروحي والإنساني، وبعد أن كان العمل التطوعي يشكو عموماً من الخمول أو الجمود -وعياً وممارسة- استطاع هؤلاء أن يجعلوا منه هاجساً حياً في وجدان الناس. وهناك اليوم أعداد كبيرة ممن هم على قائمة الانتظار، يبحثون عن تهيؤ الفرصة كي يسهموا بما يمكن أن يسهموا به في خدمة المعاقين.

والعمل التطوعي بطبيعة الحال شيء آخر غير التبرعات أو تقديم المساعدات المالية. العمل التطوعي هو البذل من الجهد والوقت للمشاركة في البناء والتشييد، أو هو على الأقل تقديم خدمة ما في نشاط ما اجتماعي أو إنساني. وهذه هي ميزة المشاركات التطوعية التي لا تفرق بحال من الأحوال بين الموسرين وغير الموسرين من محبي الخير وجنوده المخلصين.

ولقد كانت تشكل جمعية الأطفال المعوقين في تلك الأيام مظلة من المراكز المنتشرة في عدد من مدن المملكة (الرياض, المدينة المنورة , مكة المكرمة , جدة , الجوف ,حائل, عسير) ، وذلك بهدف الحرص على تقديم أعلى مستوى من الخدمات المجانية العلاجية والتأهيلية والتعليمية للأطفال المعوقين للارتقاء بقدراتهم لمستويات تحقق لهم الاستقلالية في الاعتماد على أنفسهم وتساعدهم على تحقيق التكيف الأمثل لهم بالمجتمع.

انتشرت خدمات الجمعية في أنحاء أخرى من البلاد، فبعد أن كانت تلك الخدمات تقتصر على مجتمع الرياض وحده، جرى العمل على إنشاء فروع للجمعية في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والقصيم، وغيرها من مناطق السعودية الأخرى. وكل هذه الفروع تتطلب مبالغ طائلة من المال للإنشاء، وتتطلب مبالغ أخرى للتشغيل والصيانة، وفرع واحد فقط من فروع الجمعية يكفي أن نعلم أن تكاليفه التقديرية للإنشاء بلغت يومها حوالي 140 مليون ريال، وهو فرع مدينة جدة.

ولكي تواجه الجمعية هذه الالتزامات المالية الباهظة ، لم يكن متاحاً أمامنا سوى المورد الرئيس للجمعية، وهو التبرعات والهبات. ونظراً للظروف الجديدة، نحتاج إلى أمرين: الأول: وهو شحذ الهمة لرفع دخل الجمعية من هذا المصدر نفسه. والثاني: هو التفكير المنهجي العملي لتوفير مصادر تمويل أخرى ثابتة ومستمرة ومتنامية للمتطلبات المتفاقمة للمستقبل.

فأما فيما يتعلق بالأمر الأول، فقد استخدم سلطان بن سلمان كل نفوذه، وكل ما يتمتع به من وهج، داخل الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية المختلفة؛ ليحصل في النتيجة على ما لا يمكن أن يحصل عليه غيره من التبرعات والهبات والأوقاف والصدقات الجارية. وأما فيما يتصل بالأمر الثاني، فقد حشد الأمير حوله عدداً من المتخصصين، من ذوي العلم والخبرة في المال والاقتصاد والاستثمار، سواء من اللجنة المالية التي يرأسها هو شخصياً أو من خارجها، ليشرع الجميع في وضع السياسات المالية، والخطط الاستثمارية الناجعة لتنمية موارد الجمعية، بحيث تستطيع في المستقبل ، أن تواجه التزاماتها بما ينبغي من القوة والصمود والطموح، فلا يكفي أن تقام الفروع والمنشآت الجديدة اليوم، ثم تترك غداً أو بعد غد للريح والأعاصير والأقدار الغامضة.

نشرت الجمعية في المجتمع وعياً منصفاُ بالإعاقة، وبدور المعاقين في مجتمعهم، وانطلقنا في ذلك من إستراتيجية واضحة في هذا الخصوص ترتكز على فكرة محورية مهمة، وهي أن الإعاقة ليست تشوهاً أو عيباً يمكن له بأي حال أن ينفي المعاق، أو يصادر إنسانيته. فالمعاق عنصر فعّال في مجتمعه، وفي حركة التنمية في بلاده. وقد تم رسم الأطر العلمية لسياسة إعلامية داخل الجمعية وخارجها، تهدف أول ما تهدف إلى بلورة وعي اجتماعي منهجي عام بهذه الفكرة. وقد انعكس ذلك على أداء مجلة “الخطوة”، وأيضاً على جميع المطبوعات الأخرى التي تصدرها الجمعية، وانعكس أيضاً بالتالي على جميع الأفكار التي تتناول موضوع الإعاقة والمعاقين في الوسط الثقافي والإعلامي في البلاد كلها.

وقد تشرفت أثناء عملي في الجمعية بان أكون عضواً في لجانٍ متعددة ساهمت في إنشاء مركز الأمير سلمان للبحث العلمي في مجال الإعاقة ، وهو يقدم الآن خدمات علمية جليلة في ميدان كان يحتاج بالفعل إلى مؤسسة تُعنى به وتكرّس له. ولتحفيظ الاهتمام بالإعاقة ، وبالبحث العلمي أُوجدت جائزة الجمعية للخدمة الإنسانية، وجائزة البحث العلمي، وجائزة الأمير سلطان بن سلمان لتحفيظ القرآن الكريم.