معرض الكتاب العربي  باريس 1992

 د.فهد العرابي الحارثي

               سيداتي سادتي

 أود أولاً أن أعبر لكم عن غبطتي الكبيرة لوجودي هنا بينكم وعلى هذه المنصة المهيبة في معهد العالم العربي، وأود أن أبدأ بتوجيه الشكر للقائمين على هذا المعهد، لحفاوة استقبالهم. إنني في هذا المساء ضيف معهد العالم العربي، وبمعنى ما ضيف فرنسا، وهذا يدفعني للتكفير بالمعنى الوجداني المزدوج لكلمة ضيف باللغة الفرنسية، فهي تعني في آن واحد الضيف والمضيف. وهذه الازدواجية الغنية بدلالاتها تذكرني بقول متداول في ثقافتنا هو:

يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا، نحن الضيوف وأنت رب المنزل.

لذا أرجو منكم التفضل باعتباري هنا في معهد العالم العربي، مضيفكم المخلص وضيفكم الشاكر في الوقت ذاته.

إنني اعتبر معهد العالم العربي، قبل أي شيء، أداة صداقة بين الأمة الفرنسية النبيلة والعالم العربي. إذ أن وجوده في قلب باريس على ضفاف نهر السين متاخماً لجزيرة “الستي” المكان الذي حيك فيه تاريخ فرنسا بكل ثرائه الروحي والأخلاقي والثقافي، يؤكد رغبة الدولة الفرنسية في تمكين رعاياها من الانفتاح على العالم العربي والإسلامي. وإننا ممتنون لهذه البادرة الودية.

أن يطلب منا تقديم ثروتنا الثقافية وعرض قيمنا الحضارية، هذا أمر لا ينبغي أن نتردد فيه لحظة واحدة، إنه لواجب علينا، عرباً ومسلمين. إن معهد العالم العربي، لهو الأداة الرائعة التي يجدر بنا الاستفادة منها.

إن فرنسا وأوروبا بأكملها من خلال هذا المعهد تسمعنا وهي ترغب في فهمنا، وإنه تعين علينا نقل الرسالة. نحن هنا بمواجهة مسؤولياتنا، وسنكون وحدنا الملومين في إخفاق التواصل.

ومن منطلق حرصي على توضيح المعنى الحقيقي لحضارتنا، في فرنسا وأوروبا، أجدني بينكم هذا المساء، لأحدثكم عن مجلس الشورى في المملكة العربية السعودية. وهو أساس من أساسيات السلطة في أرض الإسلام.. كما هي المؤسسة البرلمانية لديكم.

 سيداتي سادتي:

المملكة العربية السعودية دولة حديثة تعيش تلاحماً وثيقاً مع الوحي المنزل.. فنحن نطبق شريعة الله وسنة رسوله ونحن نعمل جاهدين للبقاء أوفياء لهما، وهذه الشريعة لا تنص في أي مكان منها على الديمقراطية بشكلها ونمطها الممارسين في بلدان أوروبا الغربية وأمريكا.

نحن نتذكر جيداً أن شكل الحكم الديمقراطي قد فرض نفسه في هذه البلدان في مرحلة زمنية قريبة من التاريخ الحديث، وقد تم ذلك بعد تجارب تاريخية دامت قروناً عديدة واشتعلت فيها الحروب والثورات الدامية.. إن تاريخ الديمقراطية في البلدان الغربية هو تاريخ مأساوي وبطولي كأي تاريخ إنساني. إننا غير معنيين بتاريخ هو ليس تاريخنا، بل هو ثمرة لتجربة تاريخية لم نحياها، وهي كذلك نتاج خصوصية ليست من خصوصيتنا. إننا غير معنيين بديمقراطية غريبة على ثقافتنا وغير متوافقة مع متطلبات عقيدتنا التي تفرض علينا البقاء أوفياء للشريعة وللشريعة وحدها.

ومع ذلك فها هو الغرب يأخذ علينا بشدة عدم انتظامنا في أشكال الحكم التي وضعها أو هو يمارسها في بلدانه.

الغرب يعتقد دائماً بأن شكل الحكم الذي يطبقه هو الأفضل. ومن هذا المنطلق فهو يريد أن يفرضه على الأرض قاطبة. نحن لا نشك في أن نظام الحكم الديمقراطي قد يكون الأفضل للبلدان التي اختارته، ولكن رجاء دعونا، باسم المبادئ الديمقراطية نفسها نختار نحن بحرية نظام الحكم الذي يناسبنا.

ماذا عن حرياتنا في اختيار نظام الحكم الذي نريده؟ وماذا عن حقنا في الاختلاف؟ هل نتخلى عنهما؟.

إن الحقيقة الماثلة تستلزم التسليم بأن الغرب لم يتوصل بعد لتفهم فكرة وجود مجتمعات مختلفة عن مجتمعاته.. مجتمعات لها ثقافتها الخاصة وقيمها المختلفة.

ما هو تفسير هذا الموقف الذي يصعب على أي تفسير وهو موقف تشترك فيه جهات غربية عديدة، سياسية وفكرية وإعلامية: هل هو – يا ترى – رواسب استعمارية وامبريالية، أم هو مجرد قصور نظر فكري، باعتقادي أنه كلا الأمرين معاً.

فيما مضى في القرن الثامن عشر، كان مونتيسكيو قد طرح في رسالته الفارسية الثلاثين على لسان بسطاء باريس السؤال المضحك التالي شاجباً مثل هذه المواقف:

–        كيف يمكن للمرء أن يكون فارسياً؟

–        نعم كيف يمكن للمرء أن يكون سعودياً؟

ولو تجرأنا من جانبنا على طرح السؤال بصيغة أخرى: كيف يمكن للمرء ألا يكون مسلماً؟ لو طرحنا السؤال بهذه الصيغة، لانهالت علينا صرخات الاستنكار من كل جانب تنعتنا بالتعصب.. نعم التعصب وهذه هي الكلمة المفتاح.

إن المتعصبين في واقع الأمر هم من ينكرون على الغير حقهم في الاختلاف، وهم من يتهمون الآخرين بعدم الخضوع لنظام الديمقراطية وهو النظام الذي يكادون أن يجعلوا منها ديناً.

وأقول لكم إن بلادي المملكة العربية السعودية، كانت بلا شك أكثر الدول معاناة من هذا النوع من العصبية فقد واجهت تجربتها في الشورى ما واجهها على الرغم من أننا ما فتئنا نكد أن الشورى هي نظام يتأسس على التفويض بسلطة مناقشة القرارات التي تعتزم الدولة اتخاذها، ويتأسس أيضاً على المساهمة في تهيئة المواقف والأفكار لاسيما ذات الطابع التشريعي. إن نظام الشورى هذا لم يحظ بالاهتمام اللازم لفهمه، بل إننا نأسف أشد الأسف لعدم وجود أي محاولة لفهم تجربتنا ودراستها. إذ يبدو أنها منذ البداية قد قوبلت برفض فوري، ولاسيما من قبل بعض وسائل الإعلام التي لا تتميز بأي قدر من المهنية أو الموضوعية أو الحياد أو الدالة اللازمة في الأحكام التي تصدرها.

نتمنى أن يكون هذا الواقع قد بدأ بالتغير.. فلقد شاركت مؤخراً وبالتحديد في نهاية شهر مارس الماضي في المؤتمر شبه الحكومي للثقافة والتنمية الذي نظمته اليونيسكو في ستوكهولم. ولقد لاحظت خلال مداولات هذا المؤتمر أن جميع المشاركين وهم يزيد عددهم على الألفين يؤكدون جميعهم على ضرورة احترام الخصوصيات الثقافية للشعوب ولعل هذا الموضوع كان من بين الأسباب الرئيسية لانعقاد المؤتمر المذكور، ولا شك أن هذا الحدث كان مصدر ابتهاج شديد لي شخصياً. فمن شأن مثل هذه اللقاءات الدولية أن تعزز المواقف تجاه احترام تنوع المجتمعات والحفاظ على ذلك التنوع. ترى هل يمكن اعتبار مؤتمر ستوكهولم إعلاناً لعهد جديد في عالمنا اليوم؟ عهد يتميز بتفاهم حقيقي بين الشعوب، تفاهم يقوم على الاحترام المتبادل ويؤدي للتعاون في سبيل الرفاه والسلام والحرية.

 سيداتي وسادتي:

انطلاقاً من هذه الأساسات الفكرية والنفسانية، واغتباطاً بهذا المناخ السوي الذي يبشر عالمنا هذا بقيام حوار جيد بين ثقافاته، كنت سعيداً وأنا أتهيأ لعرض تجربة نظام الشورى في بلدي.

ففي الفكر السياسي الذي ينتمي إلى قيم الإسلام ومبادئه تأخذ الشورى معنى المشاركة في الحكم وإدارة الدولة ويأتي ذلك وفق أحكام يحددها الشرع، وهذه الأحكام تعكس المكانة السامية لنصوص الوحي وهي النصوص المتمثلة في القرآن والسنة. والتي لابد للحاكم أن يؤسس عليها تصوره لإدارة مصالح الشعب والأمة. ففي النظام السياسي، وفق التصور الإسلامي، تراتبية هرمية ثابتة تظهر على النحو التالي: الوحيد الذي هو فوق الجميع ثم الحاكم وهو القيم على تطبيقه، ثم مجلس الشورى الذي من شأنه أن يساعد الحاكم على أداء مهمته. إن نظام الحكم هذا وهو من خصوصيات المجتمع الإسلامي، ونلفت النظر هنا إلى أن الشورى لم تكن لدينا ولن تكون أبداً مجرد خيار يترك القرار بشأنه للحاكم إما أن يتجاهله أو يأخذ به. الشورى واجبه وعلى الحاكم أن يعتمد عليها، لضمان حسن إدارة المصلحة العامة، فالحاكم – إذن – ملزم بممارسة الشورى وتأمين سيرورتها.

فهي جزء لا يتجزأ من نظام الحكم في الإسلام، حثت عليه آيات لا غموض فيها في القرآن الكريم كقوله تعالى: “وشاورهم في الأمر” وأيضاً “وأمرهم شورى بينهم” وتسمح هذه النصوص للشورى بإعداد القواعد والأنظمة التي تواكب احتياجات المجتمع المستجدة. إن الطبيعة المقدسة للنصوص القرآنية التي تعني هيمنة القرآن الكريم على الحاكم لا يترك له من خيار غير تطبيق الأحكام المبينة فيه. وكان الأمر كذلك ولاسيما بالنسبة للحكومات الإسلامية التي تعاقبت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

وإن كانت هناك بعض الحكومات التي عطلت العمل بالشورى أو هي مارستها بصورة أو صور غير مكتملة فاللوم هنا يقع على تلك الحكومات وليس على الشورى ذاتها. وهي قوام النظام السياسي في الإسلام.

والمملكة العربية السعودية منذ تأسيسها أخذت بمبدأ الشورى وعملت به منذ قيام أول مجلس أنشأه الملك عبدالعزيز حال دخوله مكة.

ونصل الآن فيما يتعلق بمصادر السلطة وأسسها إلى مرحلة ذكر الاختلافات العميقة الموجودة بين النظام الإسلامي وغيره من الأنظمة الأخرى، والموضوع يستحق تركيزاً كبيراً حيث هنا تكمن خصوصية نظامنا. وإن من الأهمية بمكان بيان أن الصفة الإلزامية لرضوخ الحاكم للكتاب والسنة لا تعني جمود الشريعة وعجزها عن حل المشاكل الجديدة التي قد تنشأ تبعاً لظروف الزمان والمكان، فالقه الإسلامي سلك بحزم سبيل الاجتهاد، بغية سد كافة احتياجات المجتمع الجديدة، وحل جميع المسائل التي لم يرد بشأنها نص دقيق، ونحن نعرف الشروط الدقيقة التي تم بموجبها الاجتهاد، وليس في نيتنا الرجوع إليها في إطار هذا الموضوع.

إن القرآن والسنة هما دستور المسلمين كما نعرف جميعاً، وهما يمثلان الوحي، لأن القرآن كلام الله، والسنة هي أقوال وأفعال رسول الله الذي لا ينطق عن الهوى. وبالتالي فإن يخص الدستور، فإن جماعة المسلمين غير مسموح لها بذلك بأي شكل من الأشكال، ومهما كانت الظروف، وهذا هو الرفيع الذي يتبوأه الكتاب والسنة فوق الحاكم وفوق أي جهة سياسية أو غير سياسية، إن سمو الكتاب والسنة يضفي على المشروع الإسلامي بعداً لا يحظى به أي مشروع وضعي آخر، وهكذا يتحقق للمشروع الإسلامي ما لا يتحقق لغيره في كثير من الأمور منها مثلاً مسألة الفصل بين السلطات: التشريعية والتنفيذية، والقضائية، حيث تقوم السلطات التشريعية في الإسلامي على الوحي المنزل، وعلى أقوال وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم، فالشرع أعلى من كل ما يمكن وضعه بطريقة الشورى، وكل ما يمكن قوله أو فعله من قبل الحكام أو أي جهاز تنفيذي، فلا يمكن لأحد معارضة أحكام القرآن أو السنة أو تعديلهما أو استبدالهما بغيرهما، وهذا، كما سبق أن ذكرت، غير موجود في أي نظام آخر حيث نرى تداخل السلطتين التشريعية والتنفيذية بصورة يخلص فيها حزب الأغلبية في البرلمان إلى القيام بذاته بممارستهما معاً تشريعاً وتنفياً أي أنه يصبح الحاكم والمشرع في آن واحد، وله سن القوانين، وتعديل النصوص او استبدالهما أو إلغاؤها كلما أراد. والخصوصية الأخرى للمشروع الإسلامي تتعلق بتنصيب الحاكم، فهو ينصب بالبيعة التي ترمز إلى إجماع المؤمنين، وهي تعني الولاء له، وتفرض على المسلمين طاعته لضمان استقرار الجماعة والدولة، ومع ذلك فإن هذه البيعة لا تمنح للحاكم سلطة مطلقة، بل هي تخضع لشرط التزام الحاكم بالكتاب والسنة (مصادر الشرع الإسلامي) اللذين في كل الأحوال يناهضان الاستبداد، والطغيان، ويأمران بالعدل والمساواة والحرية.

ينبغي على الحاكم لكي تبقى البيعة له هنا في رقاب العباد أن يبقى مخلصاً لتعاليم الكتاب والسنة، فإن أنكرهما أو أمر بمعصية تخالفهما فيحل للمؤمنين عندئذ التحلل من التزامهم بطاعته، ويجوز لهم عصيانه والخروج عليه. ولقد كان النبي يقول: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق “، وقال الخليفة الأول أبو بكر الصديق: “أطيعوني ما أطعت الله فيكم”.

وإن البيعة تخضع هكذا لشر التزام الحاكم بالكتاب والسنة، وإن مجلس الشورى لا يستطيع سن قوانين أو إصدار أنظمة جديدة إلا في المجالات والنقاط التي لم تتعرض لها النصوص الكريمة، وبشرط عدم مخالفتها لأ؛كام هذه النصوص، وبما أن الشورى ينبغي أن تتم وفق هذه المستلزمات الدستورية والتشريعية، فإنه يتعين أن يكون أهل الشور من أهل الحل والعقد، أي من يتوافر فيهم العلم والخبرة والاختصاص، ولذا فإن الشورى ليست متاحة لأي أحد كان، بل تبقى على العكس من ذلك مهمة أشخاص تثبت ما لديهم الصفات الآنفة الذكر.

إن البيعة لا تفوض الحاكم بالقيام بمفرده بإدارة شئون الدولة، بل ينبغي عليه خلافاً لذلك الاستعانة بمن تتوافر لديهم شروط العلم والخبرة والاختصاص وهي الشروط التي تؤهلهم لممارسة الشورى، فوجود هؤلاء إلى جانبه لا يأتي استجابة لمجرد شرط سياسي، أو إجراء إداري يفرضه تطور ما، وإنما أتي لزوم الشورى تنفيذاً لتعاليم الدين وواجباته.

إن الأشخاص المخولين بممارسة الشورى، ممن تتوافر فيهم الشروط السابقة هم، في الإسلام، الحريون بإبداء الرأي في شؤون الدولة والمصالح العامة، وعلى الحاكم أن يستشيرهم في اتخاذ قراره، ولا يمكن للحاكم أن يتجاوز هذه الشروط في أهل الشورى، ومن هنا تأتي فكرة قيامه مباشرة بتعيين أعضاء الشورى من بين من يتمتعون بتلك الصفات فهو يختارهم من بين مختلف الفئات المجتمعية والمهنية.

إن شرط الشورى الإسلامية قد لا يتحقق عن طريق الانتخابات المعروفة، كما تطرحها التجربة الغربية المعاصرة؛ لأن المشاهد، في الكثير من التجارب الديمقراطية وفق النموذج الغربي، أنها قد تأتي بمن لا يتوافر فيهم شرط الشورى.

إن الاعتراض، كما نرى، لا يستهدف مبدأ الانتخابات ذاته، وإنما نتائجها التي لا يمكن ضمان مطابقتها لمتطلبات النصوص الشرعية، ولا شيء يمنع من اللجوء إلى الانتخابات في حال تمخضها ذات يوم عن مجالس مكونة من شخصيات لديها الشروط المطلوبة لممارسة الشورى.

فمن الجائز تماماً النظر في إمكانية تحسين آليات اختيار أعضاء المجلس. فإذا وجدت أي وسائل كفيلة بتحقيق الشروط المطلوبة في الأعضاء فإن هذا من شأنه تسهيل مهمة الحاكم الشرعية وليس لأحد أن يعترض على ذلك.

ومهما كان الأمر، فإنه ينبغي التسليم في النهاية بالاختلاف الجذري بين أنظمتنا، أي النظام الإسلامي الذي تتمسك به المملكة العربية السعودية، والقائم على النصوص المنزلة، والنظام الغربي المبني على تجارب تاريخية خاصة تكونت عبر آلاف السنين والنظامان يسعيان كل بطريقته نحو إشراك الناس في السلطة عن طريق الأشخاص المختارين لممارستها نيابة عنه: مجلس الشورى من ناحية، والمجلس المنتخب بالاقتراع الشعبي العام من ناحية أخرى. والنتيجة هي أن المجلس، يرميان دائماً لتحقيق مزيد من الرفاه والحرية والكرامة والعدالة، وهو ما يضفي في النهاية على السلطة شرعيتها الحقيقية، الناجمة لدينا عن الإلتزام بالشريعة أيضاً. إننا هنا أمام ثقافتين متمايزتين ومختلفتين ولاسيما من حيث مصادرهما وأسسهما العقائدية والاجتماعية وتصوراتهما لبناء المستقبل، ونحن نرى أن لكل جماعة الحق في الحفاظ على خصوصياتها الثقافية بكل ما لديها من قوة فللغرب الحق في اختيار الصيغة التي يراها كفيلة بتأمين الوفاق والعدالة لشعوبه فنحن ندرك أن التجربة الديمقراطية ما هي إلا نتيجة إرث ثقافي واجتماعي، ونتاج منهج عقائدي مذهبي خاص بالنظام الحضاري الذي تمخض عنها، كما أنها تتفق بالضرورة مع تطلعات من يشكل هذا الفكر وهذا التراث عناصر أساسية في تكوينهم النفساني والعقلي والفكري، ولا يسعنا إلا احترام هذا الواقع وتقديره، نحن بالمقابل نرى أن من حقنا أن نختار بأنفسنا المنهج الذي يحقق الوفاق والعدالة لمجتمعنا، والشورى التي اخترناها هي من جهتها، نتاج إرث ثقافي وعقائدي عميقين، وتطبيقها إلزامي، لأنها ناتجة عن وحي منزل كما أسلفنا ولا تجوز مخالفته، ولا التهاون في تطبيقه وبذلك فإن الشورى ليست خصوصية ثقافية وحسب، بل هي أكثر من ذلك عقيدة يؤمن بها المسلمون، والسعوديون هم، قبل كل من سواهم حرس الإسلام، وحماة قيمه، وأنصار مبادئه وتعاليمه، وهو اختار نبيه من بينهم، ولا يجوز لأحد أن يطلب من السعوديين التنصل من هذه الأمور ومن الذي يستطيع أن يطالب الشعوب بالتخلي عن عقائدها.

ثم إننا من جهة أخرى، لا نعتقد أن الأوطان يتوجب أن تدار، أو تعالج مصالح شعوبها، بأسلوب واحد يدعي، بدوافع الرغبة في الهيمنة، أنه وحده الذي يمتلك الحقيقة، فلا حقيقة أخرى غير حقيقته.

هذا هو المستوى الحقيقي، والواضح، لعلاقتنا بالشورى، سواء من حيث موقعها في المشروع الإسلامي في الحكم، أم من حيث نظرتنا إليها بوصفها تجربة أخرى مغايرة، لابد أن يزيد في تمسكنا بها، حق “الاختلاف” بين الشعوب، ولابد أن يبيح إصرارنا عليها قانون “التنوع” في التجارب بين الأمم، وهو ما يعني إفساح المجال لتعدد الخصوصيات، بقدر تعدد الثقافات.

وبالفعل فإن تنوع تجارب الأمم يفضي بشكل طبيعي إلى فيض وفير في الخصائص المعبرة عن ثقافات مختلفة، تتجلى بقوانين ومفاهيم سياسية وأنظمة حكم متعددة بقدر ما يوجد من أمم وحضارات مختلفة. ولقد نشأت العلاقات بين المؤمنين والشورى منذ فجر الإسلام في عهد الخلفاء الأوائل، لا بل بالأحرى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ذاته، وبعد الإهمال، أعيدت من جديد كنظام للحكم من قبل الملك عبدالعزيز (يرحمه الله) منذ اللحظات الأولى لتأسيسه للمملكة العربية السعودية، في أعقاب فتحه للحجاز ودخوله مكة بعد قيامه بمآثر بطولية عظيمة، مجدها بشكل خاص في فرنسا المؤرخ الفرنسي المشهور بنوا ميشان. وقد كون الملك حال دخوله مكة مجلساً مكوناً من أربعة عشر عضواً من التجار والأعيان وكان لذلك المجلس حق النظر في الأمور الإدارية والتنظيمية في البلاد، وبعد مضي أقل من عام على بدء نشاطاته، أصبح عدد أعضائه ستة عشر، وبعد سنة أخرى (عام 1926م) صدر المرسوم الملكي الأول بتأسيس مجلس الشورى وإعلان نظامه، وهو، كما ينص هذا النظام على ذلك يضع السياسات العامة الداخلية والخارجية، ويعتمد الميزانيات، ويقوم بتوجيه نشاطات الدولة، بل إن ذلك المجلس الذي وصل عدد أعضائه بعد بضع سنوات خمسة وعشرين، وبلغ به الأمر إلى أن عالج المسائل المفروض بها في أيامنا هذه أن تكون تابعة للسلطة التنفيذية مثل: دراسة مشاريع الدولة، وتنظيم الوظائف العامة، وترفيع الموظفين الحكوميين. وكان تشكيله يتجدد سنوياً بانتظام حتى عام (1373هـ/1953م) حيث صدر المرسوم الملكي بتحديد نشاطات مجلس الوزراء، فأعطيت إليه بعض الصلاحيات التي كانت من قبل لمجلس الشورى، وفي عام (1377هـ/1957م) صدر المرسوم الملكي الذي يعطي لمجلس الوزراء مهما مماثلة للتي يقوم بها مجلس الشورى، ولكنه لم يضع حداً لنشاطاته مع ذلك، فكان يجتمع كالسابق، ويناقش المواضيع، ويدرس مشاريع الأنظمة ثم يرفعها للحكومة.

يضم مجلس الشورى سبع لجان متخصصة هي: اللجنة المالية، واللجنة الإدارية، ولجنة تمييز الصكوك التجارية، ولجنة التأديب، ولجنة الأنظمة ولجنة المقترحات، ولجنة الثقافة العامة. وهذه اللجان لا تختلف كثيراً عن عدد لجان المجلس الحالي، بعد أن جدد نظامه في عام (1412هـ/1992م)، ورفع عدد أعضائه إلى ستين بناء على طلب خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز الذي قام من جديد في عام (1418هـ/1997م) برفع عدد الأعضاء هذه المرة إلى تسعين عضواً.

ومعظم أعضائه هم ممن يحملون أرقى الدرجات العلمية من أرقى الجامعات في العالم، وتخصصاتهم تشمل مختلف الحقول في الشريعة والقانون والإدارة والاقتصاد والتربية والإعلام والطب والهندسة والزراعة والسياسة والشئون الأمنية والمال والأعمال ويبلغ عدد من يحمل الدكتوراه من أعضاء المجلس 59 أي ما نسبته 65%، ومن صلاحيات المجلس الحالي، كما ينص على ذلك نظامه، أن يبدي الرأي في السياسات العامة للدولة الداخلية والخارجية، وله مناقشة الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وإبداء الرأي حولها. وله أيضاً دراسة الأنظمة واللوائح وتفسيرها ومناقشة المعاهدات والاتفاقيات الدولية والامتيازات وأن يقترح ما يراه بشأنها. للمجلس كذلك مناقشة التقارير السنوية التي تقدمها الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى.

وللجان المجلس أن تستعين بمن تراه من غير أعضاء المجلس للدراسة أو لإبداء الرأي حول الموضوعات المطلوب مناقشتها.

إن صلاحيات المجلس الحالي، كما هي محددة في نظامه، كبيرة جداً حيث يطلب من إبداء الرأي في الخطوط العريضة لسياسة البلد الداخلية والخارجية، ومناقشة الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ودراسة النصوص والأنظمة المعدة من قبل السلطات التنفيذية والتعليق عليها، ومناقشة المعاهدات والاتفاقات الدولية، والامتيازات، وتقديم الاقتراحات بشأنها، والقيام أخيراً بدراسة التقارير السنوية المقدمة من قبل الوزارات والمنظمات الحكومية الأخرى، وينص نظام المجلس على إمكانية قيام عشرة من أعضائه باقتراح نظام جديد، أو تعديل النظام الجاري، كما يمكنهم في كل مجال اقتراح وضع نظام جديد، أو إدخال تعديلات على أنظمة قائمة، وينص النظام فضلاً عن ذلك على تقديم القرارات المعتمدة من قبل مجلس الشورى إلى رئيس مجلس الوزراء الذي يعرضها بدوره على مجلس الوزراء للدراسة، وفي حال اتفاق المجلسين، توضع هذه القرارات موضع التنفيذ بعد موافقة الملك عليها وفي حال الخلاف بينما يكون القرار للملك: فإما أن يعيد النص للمداولة من جديد، أو يطلب من الوزير المعني أو مجلس الوزراء بأكمله الاجتماع مع مجلس الشورى للتداول معه في ذلك. وتستطيع لجان المجلس أن تطلب من خارجه الكفاءات التي تراها لازمة لدراسة المواضيع المدرجة ي جدول الأعمال أو مناقشته ومجموع هذه الأعمال المرتبطة بممارسة الشورى تستلزم بالتعريف التشاور في سياق إعداد القرارات عن طريق الدراسات، وإبداء الآراء، وتقدم النصائح، حيث توكل السلطة الشرعية في الإسلام لمجلس الشورى المهام التالية: طرح الأفكار، وتقييم الأعمال، وإبداء الآراء في قضايا المصلحة الوطنية المعروضة عليه، وكل هذا، كما سبق لنا ذكره، بغية تحقيق مزيد من الرفاه والعدل والحرية. ومجلس الشورى بشكله الأخير يعمل منذ خمس سنوات ويمكنني أن أشهد بقيامه، في فترة زمنية وجيزة، بإصدار عدد كبير من الأنظمة واللوائح والعديد من القرارات، وتتعلق هذه النصوص جميعها بالدولة، وبتنظيم أعمال ونشاطات الناس، ومختلف قطاعات النشاط الاجتماعي – الاقتصادي، وتحدد واجباتهم وتضمن حقوقهم تجاه المجتمع.

إن المملكة العربية السعودية دولة شابه نسبياً أحرزت منذ تأسيسها تقدما هائلاً، مع بقائها في الوقت ذاته مخلصة لإيمانها بشريعة الله.

وسيتواصل في المستقبل الاهتداء بهذه الشريعة في جهود التنمية على جميع المستويات، فهي النور المضيء لطريقنا في الأرض، وبها تكتسب الحياة قوتها ومعناها.

شكراً لكم أيها السيدات والسادة على إصغائكم الكريم