بقلم: د. فهد العرابي الحارثي

ندرك الآن حقيقة لا جدال فيها، وهي أن التقدم والتخلف لم يعودا، ولاسيما في عصر العلم والتكنولوجيا، متوقفين على ما يتوفر لدى البلاد من ثروات طبيعية أو من عدمها (فقط)، ولكنهما يتوقفان (أيضاً) على ما يتوفر لديها من ثروات بشرية مؤهلة وفاعلة أو العكس، بل ربما كانت الثروات البشرية هي عنصر الحسم الأول في مسألة التقدم والتخلف. وكما يقول أحد الباحثين: فإن التخلف الواضح في بعض البلدان يعود، رغم توفر مصادر الثروة الطبيعية، إلى إهمالها نظم التعليم(1).

إن تكوين مجتمع العلم يعدّ مهمة وطنية وقومية، تاريخية ومصيرية، ملحَّة لكل العرب، ولا شك أن الأكثر إلحاحاً هو بناء جيل تكنولوجي رائد. إذْ لا يمكن أن يتحقق تطور أي مجتمع، اليوم، بالمعنى الصادق للكلمة، إلا عندما يكون المجتمع عازماً قولاً وعملاً، على التفاعل مع فرص وخيارات العلم والتكنولوجيا عبر مؤسساته القومية. ويعدّ هذا الموقف من تأهيل، أو إعادة تأهيل، القوة البشرية والمؤسسات القومية شرطاً مسبقاً لظهور المجتمع العلمي وبالتالي الانخراط في مضمار السباق.(2) والتعليم التكنولوجي، الذي لم نعطه بعد الاهتمام اللازم، إذ يعيش، في مستوياته الوسطى، على فتات الجامعات والأكاديميات النظرية، هو هدف أساسي وقطعي لدى المجتمعات المتقدمة، أو تلك التي تروم اليوم التقدم وتسعى إلى التفوق، فهي ماضية في صعودها نحو هذا الهدف، فغايتها أن تهيئ القوة البشرية “المختارة” وأن تنقل إليها “البراعة المهنية” اللازمة.

إن سباق اليوم هو سباق التكنولوجيا واقتصادات المعرفة، ولا سبيل إلى الدخول في هذا المضمار، وبالتالي الإنعتاق من ربقة التخلف إلاّ بأن يدرك العرب الشروط اللازمة لذلك، وأهمها بطبيعة الحال إعادة النظر في نظم التعليم ومناهجه، أي بمعنى آخر إعداد الأجيال الجديدة وتهيئتها لقرن جديد مختلف عن كل القرون الأخرى، وهو قرن لا سيطرة للعرب عليه كما هو حالهم في القرون الأخرى القريبة السابقة. ولم يكن من السهل على الغرب أن يصنع تفوقه الحضاري، وأن يحكم قبضته على مستقبل الكون، وأن يبسط هيمنته على كل شعوب الأرض، لو لم يتسلح بالعلم ومن ثم يستأثر بأعمق أسراره.

يسجل بعض الباحثين على المسيرة العربية هذه الملاحظة: “إذا كنا قد تمكنا أخيراً من الوقوف في وجه التحدي الغربي، وانتزاع بعض حقوقنا المشروعة منه، فإننا لا نزال على الصعيد النفسي والحضاري تحت سيطرته” ثم يضيف: “وهنا يكمن، في نظري، العامل الحاسم في مجابهتنا للتحدي الغربي”.(3)

والعامل الحاسم في معالجة المشكل النفسي تجاه الغرب، والتخفيف من حدة سيطرته يمكن أن نفهمه على أنه ضرورة أن يتحقق النجاح المطلوب في الخروج عن هيمنة “الآخر” ولاسيما الهيمنة الحضارية. كما يمكن أن نفهم ذلك العامل الحاسم، في نطاق أقل اتساعاً، على أنه الرفض من قبلنا بأن نبقي مستهلكين، ومشترين (فقط) للتكنولوجيا.

ولعل مآل سيطرة الغرب علينا أننا نكتفي بموقعنا البارد من معادلة التقدم، فنحن أصحاب ثروات طبيعية فقط (ليس البترول وحده)، وعلاقتنا بتلك الثروات هي أن “نستهلك” منها، وبفضلها، ما تجود به نفس الذين يديرونها من غيرنا في معظم الأحيان، فهم أصحاب “الخبرة” والعلم، وهم الذين يستطيعون، بعلمهم وخبرتهم، أن يحولوها إلى شيء له قيمة، وبدونهم نحن عاجزون عن فعل أي شيء، لأننا أشبه بالعُزَّل في ساحة المعركة، فما لنا إلاّ نصبر على ما يلحق بنا من البطش، أو أننا في أحسن الأحوال نكتفي بالفرجة، وبالتهليل والتكبير فحسب.

وما الفرق بين هذا الواقع والحالة الاستعمارية؟! كلاهما ينتميان إلى ثقافة واحدة، هي ثقافة الاستغلال والاستغفال والنهب. فالاستعمار يقوم على القسر والقهر من خلال الوجود العسكري، والواقع الذي يعيشه العرب اليوم هو واقع يتسم بالقسر والقهر أيضاً، ولكن هذه المرة من حيث ضعفهم، وقلة حيلتهم، وارتماؤهم في أحضان أهل القوة والعلم، بل إنهم هم تحت أرجلهم، الذين يمدونهم بالغذاء والدواء والهواء وكل أسباب الحياة.

إن عجزنا وضعفنا وهواننا، هي نفسها مبرراتنا للشعور بالسعادة عندما ينعم علينا الغرب بخدماته وسلعه في مقابل الاستحواذ على ثرواتنا، ما ظهر منها وما بطن، بطرق مشروعة أو غير مشروعة، معقولة أو غير معقولة، منصفة أو متسمة بالمبالغة والشطط.

 وليس بجديد أن يقال بأننا نعتمد على الغرب في كل شيء، وأننا بالنسبة إليه سوق واسعة ورحبة لاستهلاك منتجاته، ولابتياع سلعه. فنحن مضطرون إلى أن نأكل على موائده لأننا لا نضيع شيئاً. بل إن الفائض من أموالنا ومدخراتنا تزخر بها بنوكه ومصارفه ومؤسساته المالية المختلفة. ونحن مدفوعون إلى تسليمه ثرواتنا لأننا لا نحسن إداراتها، أو تنميتها والمحافظة عليها. وهو يستطيع أن يجمع تلك الثروات أو الاستثمارات أو يلغيها أو يصادرها متى شاء، فهو قادر على خلق الأزمات أو افتعالها من أجل ذلك وقد حدث هذا بالفعل، وهو ما سيتكرر في كل مرة يجد فيها وليّ الأيتام الفاجر نفسه ومضطراً لتأديب المارقين والحمقى وإعادتهم إلى جادة الصواب!

بل إن هذا الغرب يجعلنا، بتصرفاته وبرسائله التي يوجهها نحونا، نعتقد بأن ثرواتنا هي في الحقيقة ثرواته، وهو تركها عندنا “وديعة” يستطيع أن يأخذها أو يستردها متى شاء، وما علينا إلاّ أن نحمد الله على هذه النعمة، وأن نتبتل إليه بألاّ تزول.

أما فيما يتصل بمشروعات التنمية وبرامجها فنحن، في الغالب، لا نزيد على إيكالها له ولشركاته، إيماناً بمواهبه وقدراته وهذا حق، وعدم ثقة فيما عندنا، لضعف في العقل وضعف في التأهيل، وهذا حق كذلك!

ويلاحظ مثلاً أن الدول العربية تعتمد، بالكامل تقريباً، على الدول الأجنبية في إنجاز المشروعات الكبرى التي تقوم بها. وتشير بعض الدراسات إلى المشاريع التي قامت الدول العربية في السنين الثلاثين الأخيرة بتلزيمها إلى الشركات الأجنبية، فهي تتكرر في القطر العربي نفسه، أو في بعض من الأقطار العربية الأخرى، دون أن يحاول أحد إيقاف هذا الهدر الكبير، ودون أن يطلب، في الغالب، إلى المنفذ الأجنبي مشاركة بعض الخبراء من أبناء البلد، ليتحقق هدف تيسير وتسهيل هدف الخبرة إليهم.(4) ولقد عملت أكثرية الأقطار العربية على أن تداهم نفسها بتنميات قطرية انعزالية، مرتبطة بالخارج إرتباطاً عضوياً وثيقاً، ما جعل عمليات التنمية رهينة للقوى الأجنبية، وعرضه لأي اضطراب في “أنواء” الأحوال الاقتصادية للدول الصناعية”(5) ففي مجال الإنشاءات، على سبيل المثال، وهو من أكثر مجالات التقنية تطوراً نسبياً في البلاد العربية، تبين دراسة مهمة أن عدد شركات الاستشارات والمقاولات قد زاد في الأقطار العربية خلال العقدين الأخيرين، ولكن كان يقابل ذلك القيود الهيكلية في الأسواق، وهي القيود التي عملت على الحد من نمو الخبرة في الأعمال الهندسية واسعة النطاق. ولقد ظلت الكفاءة العربية محدودة في مجالات مثل هندسة النظم، وبناء الموانئ الكبيرة، والسدود الضخمة. أما بناء المساكن وإنشاء الطرق والمطارات فتقع في مجالات التقنية التي تتوافر لها الكفاءة بشكل واسع. وترى الدراسة ذاتها، أن الأقطار العربية سوف تظل، لعدة سنوات مقبلة، في حاجة إلى خدمات الشركات العالمية؛ فلا سبيل إلى حلّ لهذه المعضلة إلاّ من خلال أنماط جديدة من الخطط والأفكار والبرامج، بحيث تشدد تلك الأنماط على أهمية المشروعات العربية المشتركة، ونقل التقنية، وتأهيل العمالة العربية وتشغيلها. كما أن على شركات الاستشارات والمقاولات العربية أن تكون، في المستقبل القريب، قادرة على تصدير خدماتها إلى أجزاء أخرى من العالم الثالث. ومما يوحي بالأمل بداية ظهور قوى عاملة شابة ومتعلمة تحاول أن تفرض تغييرات هامة داخل الشركات، وعلى السياسات العامة.(6)

وإذا شئنا أن نمضي في السياق ذاته، فإن مما يزيد الوضع تعقيداً، أن النظام الاقتصادي العربي يعد نظاماً تابعاً، بل إن تبعيته للسوق العالمية وللقوى الكبرى تزداد كل يوم، نتيجة للنظام الاقتصادي الجديد الذي ساد العالم، أي نظام الاقتصاد الدولي الشامل، الذي تقوده الشركات المتعددة الجنسية، من خلال “اقتصاد السوق” وما يدعى بالاقتصاد الحر. هذا فضلاً عن أن الاقتصاد العربي ما تزال الصناعات فيه ضامرة، ولاسيما الصناعات التحويلية، والإنتاجية، وعلى وجه الخصوص في قطاع الزراعة. فالسيطرة في الاقتصاد في معظم الأحوال، لقطاع الخدمات، ولقطاع العمل “الوظيفي” المكتبي، وهو قطاع أصبح في كثير من البلدان العربية بمثابة مستودع فسيح للقوى العاطلة الكسولة وغير المنتجة.(7)  ويذكرنا هذا بما يجري في قطاع الأعمال والصناعات والمقاولات، في الدول التي تكثف البرامج والضغوط من أجل “توطين” العمالة، فيلجأ قطاع الأعمال إلى توطين بعض الوظائف ليس بهدف تأهيل تلك العمالة والارتقاء بها، ولكن، بالأحرى، من أجل إدراك النسبة المطلوبة من العمالة المحلية التي تتقي بها العقوبة أو الملاحقة الإدارية، فتحقق البطالة المستورة أو “المقنعة” التي أضحت من أشد آفات التنمية العربية المشوهة، إذ يتكدس الموظفون في الشركات والإدارات والمصالح (الحكومية خصوصاً) بلا أي مبرر عملي أو تخطيطي يستوجب ذلك، وتتحول هكذا تلك الشركات والدوائر والمصالح إلى “تكايا” أو ملاجئ للباحثين عن الوظائف، بغض النظر عن حجم أو أهمية ما سيقدمون من إسهام في التنمية الاقتصادية للبلاد. وهكذا انخرط مفهوم التنمية نفسه في إداءات أو دلالات ليست من صميمه، فتأمين “الوظائف” للشعب هو، عند البعض، التنمية بعينها، وهنا يحدث دائماً الخلط بين تحقيق مبدأ “الرفاه” للمواطنين بصفته هدفاً تنموياً متفقاً عليه وتوفير “الوظائف” للناس بغض النظر عن الحاجة إلى تلك الوظائف، حتى لو تحولت إلى عبء على الاقتصاد الوطني.

وهكذا تظهر أنواع الخلل الفادح في مشروع التنمية العربية، فهي تنميات عرجاء عمياء انعزالية، صممت للاستهلاك وليس للإبداع والشراكة الحقيقة في المنجز البشري. وهي خلقت ثقافة مجتمعية مصابة بأنواع من العلل المستعصية، أظهرها وأبرزها ثقافة البطالات المتنوعة التي اكتسبت شرعيتها من نظام اقتصادي واجتماعي يحتاج إلى هيكلة جديدة تضع نصب عينها الإرتقاء بالمواطن وتفجير طاقاته وإمكاناته. فالرفاه الذي يدخل إلينا من باب “الإنتاج” وتنمية القيم المفضية إليه هو شيء آخر مختلف تماماً عن الرفاه الذي يدلف إلينا من أبواب “الاستهلاك” والكسل، أو من باب الفهم الخاطئ للمستقبل وشروطه وظروفه وتحدياته.

 إن هيمنة الغرب على الكوكب لم تتحقق بمثل هذه النظرة الضيقة للتنمية والتطور، بل لقد تحققت هيمنة الغرب وتكونت سلطته، وقامت سيادته، على دعائم راسخة أخذ بها بلا أي تردد، ومنها الديمقراطية والحرية، وقبل ذلك وبعده العلم المتجدد، فهو يعطي لهذه الدعائم حقها من الاحترام الذي يبلغ عنده مستوى التقديس ؛ فالديمقراطية عند هذا الغرب هي منهج متكامل للحكم والإدارة، وهي سلوك ونمط واضح للعيش والتفكير، فالمواطنون شركاء فاعلون في التخطيط والبناء، وفي اتخاذ القرار، وفي تحديد ملامح المستقبل والديمقراطية هناك لم توجد للمزايدات، أو لتغطية السوءات، أو لتزيين الفترينات، كما يجري في معظم دول الجزء المتخلف من هذا الكوكب، بل إنها وجدت من أجل الارتقاء بالإنسان، ومن أجل الكشف عن طاقاته، ومن أجل دفعه ليكون عضواً فاعلاً ومؤثراً في تنمية مجتمعه.

أما الحرية فهي أساس بناء المواطن المبدع، المواطن الذي من دونه تفقد التنمية معناها، وتضيع منها أهدافها، وتفرغ تماماً من محتواها. فالحرية وجدت من أجل تأكيد إنسانية الإنسان، وهو بدونها لا معنى له هو الآخر، فهو مشغول التفكير، مسلوب الإرادة ويصعب، بناء عليه، أن يكون له أي أثر في الحاضر أو أي تأثير على المستقبل. الحرية في الغرب لم توجد للفوضى، أو لتسهيل العبث بالقوانين، لتعطيل الحراك التنموي والاجتماعي وإصابته بالشلل أو فقدان التوازن كما هو الحال في معظم الدول النايمة التي أخذت بالقشور وأهملت الجوهر، والتي اعتسفت المفهومات، وشوهتها، وحورتها، وأخافت بها الناس، وابتزتهم، وصنعت منها سعيرهم أو جحيمهم بدل أن تجعل منها جنتهم وفردوسهم وباعث إلهاماتهم.

وإذا جاء ذكر العلم فلابد أن نقول بأن المتفوقين فوق هذا الكوكب قد أولوه كل عنايتهم الفائقة، فكان دائماً الهدف الأساس لخلق الأجيال التي اجترحت المعجزات، وهو دائماً يتجدد، بل من اللازم أن يتجدد، لكي يواصل مهماته في اختراق المجهول، والعمل على ابتداع حيوات أكثر ذكاءً وثراءاً، وأكثر سعادة ورفاه، فالعلم لم يوجد لمجرد فك الحرف، أو لمجرد الحصول على “وظيفة”بليدة باردة لا تنجز أي شيء في ميزان التنمية الصادقة الطموحة. لقد ترك الغرب هذا المستوى من مستويات فهم المستقبل لشعوب خاملة مثل شعوبنا.

إن عجزنا الواضح تجاه الغرب، وإن سلطته النفسية علينا، لا تظهران فقط في الوجه المتعلق بالجانب المادي أو التنموي، الصناعي والإداري، بل تظهران كذلك في سلطة الفكر الذي ينتجه ذلك الغرب، فالفكر الغربي “يبقى دائماً المحك الأخير للقيم التي نعجز عن تحقيقها” ونحن لا نشير هنا لهذه السلطة من منطلق شرعية قبول “الآخر” أو رفضه، أو من منطلق التثاقف والتلاقح والاستعارة وتوسيع نطاقات المشترك العام في حضارات البشر، فهذه مسألة أخرى لا ينتظمها سياق حديثنا هنا، بل نشير إلى تلك السلطة من منطلق قياس حجمها، وسعتها، وانتشارها، وتفشيها، ونزعاتها نحو الهيمنة، وبالذات من حيث علاقتها بتخاذل العرب المعاصرين، وتخلفهم، وإهمالهم لقيم الإبداع، إذْ في العموم “تنخفض نوعية إنتاج مثقفينا إلى درجة الإسفاف”.(8)

ونود أن نشير هنا إلى حقيقتين ألمحنا إليهما في مكان سابق، الأولى: وهي أنه إذا خلت الساحة منا أمام “الأجنبي” فإن معنى ذلك أننا “فقدنا زمام التاريخ، وأننا رضخنا لإرادة خارجة عن إرادتنا”.(9)

أما الثانية: فهي أن العرب، فعلاً وواقعاً، لا يزالون على الصعيد النفسي والحضاري تحت سيطرة ذلك الأجنبي، والمقصود بالأجنبي هنا “الآخر” المتفوق في فكره وحضارته.

فتاريخنا الحديث، ابتداء مما يسمى عصر النهضة، هو، في صميمه، حلقات من ردود أفعال متتالية على التحدي الغربي، وذلك على كافة المستويات، من سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وثقافية. “ولا يمكننا أن نفهم طبيعة التطور الذي طرأ على مجتمعاتنا على كافة هذه المستويات إلا إذا فهمنا، من جهة، حقيقة التحدي المستمر الذي يشكله الغرب بالنسبة إلى مجتمعنا، ومن جهة أخرى، ردود أفعالنا في وجه هذا التحدي.(10)

ونضيف إلى ما ذكر أعلاه أن “جيلنا المسخ” ليس ملتصقاً بآمال أمته وطموحاتها “وليس لديه إيمان بقابلية حضارته العربية الإسلامية للنمو والصعود” وهو ليس له أثر حاسم في صراع أمته مع الجهل والفقر والمرض والتخلف.(11)

  وما يقال عن الجيل المسخ يمكن أن يقال عن المثقفين أنفسهم، فهم منصرفون إلى شئونهم، ولا يهمهم إلا ما يمس مصالحهم المباشرة، “فالمثقف ينتظر من أصدقائه المديح، ومن أعدائه الذم والقدح، وبهذا فإنه لا يشعر بمسؤولية ثابتة، ولا يخضع لمقاييس موضوعية ملزمة، والعكس هو الواقع، فهو شعر بأنه حر طليق من أي التزام، وإن الأمور سواء”(12) إن الأكثرية العالية من مثقفينا لا يعبرون عن إرادة المجتمع وأهدافه، ولا يعكسون واقعه أو طموحاته وتطلعاته. وإن الأجواء التي يعيشها المثقف في مجتمعنا، تنعدم فيها المسؤولية، وتغلب فيها المقاييس الكمية على المقاييس النوعية. فإذا أنتج المثقف شيئاً ما كان إنتاجه حصيلة “سلق” سريع، فهدفه إتمام الشيء، في أسرع وقت ممكن، وبأقل جهد ممكن، ومن هنا كان إنتاج مثقفينا، في أكثر الحقول، نتاجاً مبتسراً سطحياً لا يعبر عن قدرتهم الحقيقية. فهذه القدرة تحتاج إلى الجد والتعب والتمسك بالمقاييس العليا كي تعبر تعبيراً صادقاً عن نفسها.(13) وقد يكون من أسباب “سلق” المثقفين العرب لإنتاجهم ما يكابدون في بلدانهم من الإحباطات والإخفاقات التي تبدأ عند المستويات المتدنية للعيش وتنتهي عند الحدود الضيقة الملتبسة للحريات المتوخاه، وهي فعلاً حدود غامضة، وخاضعة دائماً للمد والجزر في مجتمعات تختلط بها دائماً سيادة القانون وسلطة الديكتاتور. فالمثقف العربي مأخوذ، في معظم الأحيان، بهموم توفير الحياة الكريمة له ولمن يعول، الحياة التي تنأى عن الفاقة والعوز والاستعطاء. كما أن ذلك المثقف نفسه مأخوذ كذلك بهواجس القمع ومخاوفه. ومشروع القمع، عند العرب، هو “مشروع قومي” بامتياز، تشترك في رعايتة منظومة السُلط المتعددة في المجتمع: السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو مشروع محفوف بــ”تشريعات” وتعاليم بينة الخلل، فضلاً عن أنها لا منطق لها من الأصل. ومن خللها البين أنها، بخلاف شريعة الرب، تذكر أو تشير صراحة إلى “الحلال” لكنها غالباً ما تغفل “الحرام” لكي تدفعه إلى الفضاءات الغامضة أو الملتبسة، فيكون فيه مجال المناورة والمراوغة والمباغتة أكثر رحابة، فيتم بيسر التنكيل بالخصوم والأعداء و”الخونة”.

وفي بعد آخر لأزمة المثقف العربي، فقد ظلت صفة المثقف، عند معظم العرب، محصورة في “مجرد العلم” أو هي، أحياناً، تنوع المخزون المعرفي، البسيط منه أو العميق المعقد، مع أن ذلك لا يضفي على الفرد بالضرورة، أو بصورة آلية، صفة المثقف في مفهومه الحي والفاعل المتفاعل، “فالعلم ما هو إلا اكتساب موضوعي، ولا يشكل ثقافة في حد ذاته” والمثقف يصبح مثقفاً إذا توفر لديه “الوعي الاجتماعي الذي يعني الانحياز إلى فكرة أو مشروع يؤمن به، وينشره، ويصونه، ويدافع عنه، فيكون له “موقف” مما يجري في ساحته ومجتمعه، فهو البشير والنذير في وسطه، وهو الرائد والقائد في جماعته. أي لا بد أن يتوفر فيه ذلك العامل الذاتي الذي من خلاله فقط يصبح الفرد مثقفاً، حتى لو لم يعرف القراءة والكتابة، ومن دونه يبقى أمياً حتى ولو كان طبيباً أو أستاذاً جامعياً”.(14)

إن الوعي الاجتماعي، الذي هو شرط المثقف، يعني الالتصاق الشديد بالحراك السياسي والتنموي في محيطه، ويعني الوعي الكامل بآمال الأمة وبطموحاتها، وبمشكلاتها وهمومها، بل إنه أيضاً الدور الواضح الذي لابد أن يلعبه المثقف في مراحل انتقال أمته من طور أقل تقدماً إلى طور متقدم. وكيف يمكن للمثقف العربي أن يلعب هذا الدور بكفاءة واقتدار إذا ما تذكرنا مسألة الإخفاقات والإحباطات والمضايقات التي تحدثنا عنها قبل قليل.

إن من الملاحظ أن السلطة الأخرى في المجتمع تحتكر لنفسها مسؤولية المستقبل، وهي، في الغالب، لا ترى فرقاً بين المثقفين، في نظرهم، والمهرجين، أو في أفضل الحالات فإن المثقفين غير قادرين على الفعل والإنجاز بالمستوى الذي هم عليه من حيث القدرة على العنعنة وصناعة الكلام. فمن الأفضل لهؤلاء أن يدخروا أنفسهم للمنابر الخطب والقصائد والاحتفالات والمناسبات، ولا حاجة لهم فيما يتصل ببناء صورة القادم والآتي.

في ظل غياب أو، على الأقل، ضعف تلك الشروط الموضوعية مجتمعة (نعني شروط الكينونة الثقافية) كان لابد أن تتسم علاقتنا بالآخر المتفوق بسمة قاتلة وهي “الشعور بالنقص” تجاهه، وهو شعور “يعكس نفسه، بأشكال مختلفة، إلا أنها كلها محقرة لنا، ولقيمتنا تجاه أنفسنا كأفراد وجماعات” فالمثقف العربي يلاحظ ويشاهد ويقرأ ويسمع عن الموقع الذي يحتلّه المثقف الغربي في مشروعه الحضاري بوجهيه الخاص والعام، فهو موجود على مستوى الإبداع وعلى مستوى الإنجاز، وهو يستطيع أن يقول “لا” متى ما شاء، وأن يقول “نعم” متى ما أراد، وهو لا يعرف زوار الفجر، ولا زوار الظهر أو بعد العصر، وهو لا يعرف المضايقات في رزقه أو مصدر عيشه.

ولا نلوم المثقف العربي إذا ما ضمن بعض مواقفه شيئاً من الانبهار بالغرب. فالغرب هو “الحرية” وهو حقوق الإنسان، وهو العدل والمساواة، والغرب هو سيادة القانون وليس سيادة مخفر الشرطة.

والمثقفون العرب يلتفون أحياناً على هذا “الانبهار”، ولعل من أوضح حالات هذا الالتفاف  محاولات كتابنا ومفكرينا، منذ بداية القرن العشرين، أن يبرهنوا على عظمة التراث العربي والإسلامي، ومدى تأثيره في الحضارة الأوربية وتطورها. “وما هذه المحاولات، من الوجهة السيكولوجية، غير تعبير عن الشعور بالنقص، ومحاولة التعويض عنه بإيجاد صلة مشرفة تربطنا بالغرب، وتجعلنا جزءاً منه، ولو من زاوية تاريخية مجردة”(15) أننا في تفاخرنا على الغرب، وفي تذكيرنا الدائم له بعطائنا الحضاري الذي يتدخل في أساس نهضته، إنما نؤكد رغبتنا الخفية، أحياناً، في أن نوجد لنا صلة به، فنحن شركاء في ما أنجز، بل قد يذهب البعض إلى القول بأنه صنيعتنا وأننا وهو مقتطعون من جلدة واحدة، وأننا وهو ننهل من ينابيع واحدة كذلك، إنه تلميذنا الذي بهرنا، ومن ثم دفعنا إلى خارج الحلبة ليأخذ مكاننا.  فموقف كهذا إنما هو محاولة لإخفاء بعض من حقيقة الإعجاب به أو بعض من صفات الانبهار بمنجزاته. فنحن نلتمس القربى إليه، وإن كنا نظهر غير ذلك في معظم الأحيان، ونحن نروم مشاركته في ما انجز افتتانا بقيمة المنجز وأهميته، وتعويضاً عن عما يدركنا اليوم من العجز والفشل، فنحن لم نعد نحقق شيئاً، ولكن لا بأس في أن ندعي بعض “الحقوق” في ما يحققه غيرنا من المتفوقين.

وفي مقابل ذلك فإن من حق أي أحد أن ينظر إلى مسألة تفاخر العرب على الغرب على أنها ناتجة عن عقدة “الاضطهاد” الذي عانينا ومازلنا نعاني منه، فنحن غالباً ما نكابر ونعاند في وجه من “يضطهدنا” فنرمي إلى تذكيره المستمر بقيمتنا الحضارية، وبأهميتنا التاريخية، متغافلين عن إدراك أن الوجه الناصع للتحدي والمواجهة ليس هذا، بل هو، بالأحرى، استلهام قيمتنا الحضارية وأهميتنا التاريخية لتكونا وقودنا للسباق والمنافسة اللذين لا مضمار لهما غير مضمار العلم والإنجاز والإبداع.

إن من يقول بهذه الأفكار حول تخلفنا، وحول محاولاتنا  لعقد صلة القربى مع المنجز الغربي، وحول موضوع الشعور بالاضطهاد، هم في الغالب، العرب الذين عاشوا أو يعيشون في الغرب نفسه، فهم يقعون ضحية مباشرة لعقدة الاضطهاد تلك، ولكل مظاهرها وأساليبها. وهم، في الوقت نفسه، وبحكم موقعهم خارجنا، يتمكنون من قدرة أفضل على رؤيتنا في كامل حجمنا، وكامل شكلنا، وهو حجم، في واقع الأمر، لا يغتبط به، وشكل لا يسر. كما أننا، نحن في الداخل، لا مفر لنا من أن نكرس سلطة الغرب بكل أشكال التكريس ووسائله، فالغرب، في أعماقنا، هو نموذجنا، وهو تطلعنا، وهو حلمنا في الحريات، وفي الحقوق، وفي تفوق المنجز الحضاري، مادياً وثقافياً، وهذا واقع صحيح، ولا سبيل إلى نكرانه إلا إذا وقعنا في فخ الظلم والبهتان.

ويندرج في السياق الذي نحن فيه محاولاتنا أن نتصيد أو نتلقف من أقوال الغربيين أنفسهم ما نحاول أن نجعل منه شهادات تزكي ديننا، أو حضارتنا، أو رموزنا التاريخية الكبرى، حتى وإن قدمنا لتلك الشهادات أو ختمناها بعبارات لا معنى لها مثل: “والقول ما قالت به الأعداء” أو “من أفواههم ندينهم” ولم نقرأ أو نسمع أن المثقفين أو المفكرين في الغرب قد استدعوا، في أي يوم، أي أقوال، لنا أو لغيرنا، تزكي “منجزهم” الفكري أو الحضاري.  وهذا هو طبعاً الفرق بين الثقة بالنفس وعكسها، أو بين الشعور بالنقص والبقاء في عالم الأسوياء. “فالغرب، بالنسبة إلينا،  أصبح مصدر كل شيء قيم ومتفوق ورفيع. وصرنا ننظر إلى الإنسان الغربي على أنه من جبلة أخرى غير التي جبل منها سائر البشر، وأصبحنا ننظر إلى أنفسنا وإلى مجتمعنا وإلى تاريخنا من خلال نظرة الغربي إلينا”.(16)

إننا ما ننفك نستمد من الغرب، أنماطاً ونماذج للعمل والفكر والسلوك، ونحن نقبل عليها بلا تردد وبلا سؤال، وذلك لمجرد أنها أوربية أو أمريكية المصدر. وهناك فرق كبير بين أن نعتنق بعض قيم الغرب لأنها مفيدة وناجحة في ذاتها، وبين أن نفعل ذلك لمجرد أنها تنتسب إلى الآخر الغالب الذي سلب عقولنا بذكائه وبعلمه وبتفوقه. نحن في الحالة الأولى أحرار في القرار وفي الاختيار بينما نكون في الحالة الثانية أسرى وعبيداً للانبهار.

إن مشكلة علاقة العرب مع الغرب هي مشكلة متفشية، وأساسها “ثقافي” في المستوى الأول، وهي تتعلق بموضوع التنمية في المستوى الثاني، بصرف النظر عن تداخل المصالح الآنيّة والمستجدة، أو تعارضها.

فعلى المستوى الثقافي هناك مفهومات وقيم حضارية وأخلاقية يختلف حولها الطرفان، ومن الضروري أن يختلفا! أما على المستوى التنموي فالأمر يتعلق بمتطلبات أساسية تحتاجها الشعوب النامية النامية، كي تخرج من مأزق الفقر، ومأزق الجهل، ومأزق الذكاء الناقص، والغنى الناقص، والقوة الناقصة.

بعض هذه المتطلبات هي من مسئولية العرب أنفسهم، وبعضها من مسئولية الغرب المهيمن والمستحوذ على كل شيء، والضنين بكل شيء.

مسؤوليات العرب أمام متطلبات التنمية، ومسؤوليات الغرب أمام تلك المتطلبات، يمكن أن ينظر إليها على النحو الآتي:

العرب يجب أن يغيروا من بنائهم العقلي، وأن يختاروا نمطاً آخر للتفكير، وأسلوباً آخر لتصور المستقبل! والغرب، من جهته، يجب أن يؤكد “ريادته” للحضارة البشرية المعاصرة، وليس “هيمنته” عليها، فلا يجعل مقياس “تفوقه” هو “وهن” الآخرين، ولا يجعل معيار عزته ورفعته هو “هوان” غيره. إن مواصلة بناء القوة وتأكيدها لا تعني إذلال الغير، أو امتهانه أو استغلاله. فالريادة إنما تعني تأكيد “القيم” التي نهض عليها البناء، ومن القيم التي نهض عليها بناء الغرب: العدل والحرية والديموقراطية، ولكن الغرب ظل يربط هذه القيم بكل ماله علاقة مباشرة بمصالحه في العالم، فهو مع الحرية وهو ضدها، وهو مع العدل وهو ضده، وهو يساعد على بناء الديمقراطيات وهو يعمل ما في وسعه لهدمها، وكل ذلك بحسب ما تقتضيه مصالحه أو أهدافه الإستراتيجية. وليس بالغريب، إذن، أن يكون للغرب مفهوماته المتعددة للحرية، فيكون عنده أكثر من نوع للحريات.. أي أنها حريات “على المقاس” كل بحسب حجمه،  وبحسب أهميته، وبحسب تداخله أو تقاطعه مع فكرة المصالح والمنافع، أو بمقتضى تماهيه مع الأهداف العامة والخاصة للمشروع الذي يقترحه الغرب للمستقبل. فهناك الحرية المتعلقة بشعوبه هو (الغرب)، وهي حرية غير ملتبسة، بل واضحة، شديدة الوضوح.  والغرب لا يقبل حولها أي مساومات، ولا يقدم حيالها أي تنازلات، فعلى جوانبها أريقت الكثير من الدماء،  وفوق هامتها ارتفعت حضارة تبزّ اليوم كل ما سواها من الحضارات. وهناك الحريات الأخرى المتعلقة بالآخرين في أي مكان من هذه الأرض، وهي حريات ملونة، مبهرجة، فارغة المحتوى، شديدة الترهل، بينة الزيف، فلا تستر عورة، ولا تمنع بأي حال من السقوط على الأرض. والغرب نفسه يريدها كذلك وإن زعم دائماً خلاف ذلك. ولا يحتاج البحث في الأسباب إلى عناءٍ كبير، فهي مرتهنة لمنافعه وهي لابد أن تستجيب لمصالحة أو، في الأقل، لا تتعارض معها أو تناقضها.

ومثل ذلك يمكن أن يقال عن العدل، فنظرة الغرب إلى العدل في مجتمعاته، هي غيرها داخل المجتمعات الأخرى، وهي غيرها كذلك على مستوى علاقته هو نفسه بتلك المجتمعات، فما هو وجه العدل لدى الكثير من الأنظمة التي تدعمها أمريكا وتوطّد عروشها في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وبعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي المنهار؟! ثم ما هو وجه العدل أيضاً في مواقف أمريكا ذاتها من قضايا دول أمريكا اللاتينية أو تجاه الفلسطينيين الذين يواصل الإسرائيليون ذبحهم وتشريدهم منذ حوالي سبعين عاماً؟!

ومثل ذلك يمكن أن يقال كذلك عن مشروع الديمقراطية التي تدعي أمريكا أنها واحدة من قيمها الأساسية، وأنها الوصية على نشرها في هذا العالم، فلا شك أن شعوب العالم أجمع تتطلع إلى مزيد من الديمقراطية، وهي لا بد أن تتعلق بأي صيحة في هذا الصوب، ولكن لم يعرف العرب أو غير العرب أن أمريكا في تاريخها الطويل كانت تقيم أي وزن لموضوع الديمقراطية عندما ترى أو تتوقع أن مصالحها ستتعرض لأي أذى، مهما كان مستوى ذلك الأذى، وهي اعترضت مشاريع ديمقراطية وقوضتها لأنها كانت تهدد نفوذاتها، وهي قدمت الدعم لحكومات عسكرية في بعض دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية لأنها كانت لا تعرقل مشاريع هيمنتها.. وهي مازالت لا تتردد في فعل ذلك حتى هذا اليوم في دول مختلفة من هذا العالم.

وعندما اخترع الغرب فكرة “العولمة” قدمها للضعفاء والفقراء على أنها مزيد من الحرية في حركة رؤوس الأموال وانتقالها، ومزيد من خلق فرص العمل للأيدي العاطلة، إلى أن أدرك مساكين هذا العالم ومستضعفيه، أخيراً، أن العولمة ما هي بالدرجة الأولى إلاّ الاستنزاف لدمائهم، ولثرواتهم الهشة، وما هي إلا فتح مزيد من الأسواق لسلع الغرب، وشركات الغرب، وتخفيف الضرائب عنها من أجل أن تدمر الاقتصادات المحلية المنهكة أصلاً، والمثقلة بالجهل والديون وسوء التصرف. (17)

مشكلة العرب مع الغرب هي مشكلة الصغار مع الكبار، وهي مشكلة الفقراء مع الأغنياء، وهي مشكلة الأشقياء مع الأذكياء، وهي مشكلة الضعفاء المستكينين مع الأقوياء المهيمنين على كل شيء، والضنين بكل شيء.

مشكلة العرب مع الغرب هي مشكلة فوارق هائلة في حيازة البنى المعرفية المؤكدة، وفي الاستحواذ على المعلومات، وفي فهم المستقبل وتصوره.

وهكذا يتداخل “الثقافي” مع “التنموي” في علاقة الغرب بالعرب، فالغرب الذي يستهلك من الحريات وأنواع العدالة غير ما يصدره للغير، هو ذات الغرب الذي يحتكر المعلومات، ويتحكم في حركتها وسيرها وتدفقها والانتقاء منها. وهو ذات الغرب الذي يحجب المعرفة، ويعرقل نقل التكنولوجيا، وهو ذات الغرب الذي يخلق الأزمات، أو يفتعلها، أو يفخخ لها، لمزيد من الاستغلال، وفرض الذل، وترسيخ الانقياد.

ينقاد اليوم العالم كله للغرب، ولأمريكا تحديداً، فالغرب هو الذي يمتلك الأموال والسلاح، وهو الذي يستحوذ على التكنولوجيا ومفاتيح المعرفة وخزائن المعلومات. لم يعد لأمريكا من ينافسها اليوم في “القوة”، ونقصد القوة من حيث هي مجملات حسنة وغير حسنة!! ثم نتساءل هل المرارات التي يستمع إليها الغرب، من وقت لآخر، تنطلق من حناجر الشعوب الضعيفة، تقلقه فعلاً حول الجانب الإنساني لحضارته المعاصرة؟! وهل يعتقد الغرب أن احتكار تدفق المعلومات، وحجب المعرفة، وعرقلة نقل التكنولوجيا، وخلق الأزمات أو افتعالها، هي الأمور التي تؤكد سيادته مثلاً؟! لقد حققت أمريكا بالفعل “تفوقها” وبالتالي “هيمنتها”، ولكننا نحسب أنها لم تفعل شيئاً كثيراً من أجل أن تؤكد “ريادتها”، فالريادة شيء آخر مختلف غير “الهيمنة” الريادة هي التفوق بلا استبداد أو ظلم أو غطرسة أو استعلاء أو استغلال.

إن ما قيل أعلاه هو بعض من فحوى ما يكتب وما يقال وما يتردد بأصوات مرتفعة أو غير مرتفعة، في وسائل الإعلام العربية، وهو أمر قد لا يزعج الغربيين، ولكنه حتماً لا يسعدهم!! إننا نعلم أن ما يكتب وما يقال عنا وعن حضارتنا في وسائل إعلامهم هو أسوأ بكثير مما يقال عنهم في وسائل إعلامنا. هم يقولون عنا، ضمن ما يقولون، بأننا “متخلفون” وهذا صحيح، ولكنهم لا يساعدوننا أبداً على الخروج من هذا التخلف، بل إنهم يعملون كل ما في وسعهم، وبوسائل مختلفة، على تعميق تخلفنا، وتكريسه وتأكيده وتأصيله. وهم يقولون عنا بأننا ضعفاء وحمقى وسفهاء، وربما يكون هذا صحيحاً، ولكن ماذا قدموا لنا كي نخرج بسلام من ضعفنا وسفهنا ومن مآزقنا الكثيرة المتعددة؟! إنهم في الغالب يطلبون ما لا قبل لنا به.. يطلبون أن لا نكون “نحن”، وهم، في الوقت ذاته، لا يريدون، أو لا يقبلون، أن نكون “هم”، فعندما نكون “نحن” فهذا يعني “نقيضهم” المخاصم لهم، المتصادم مع حضارتهم، ولو افترضنا أننا نطمح إلى أن نكون “هم” فذلك يقود إلى مستوى غير مرغوب فيه من “المنافسة” أو على الأقل “المماثلة” أو “المشابهة” وهذا يستدعي بالتالي أن نكون على مزيد من اليقظة، فنطالبهم بمزيد من العدالة في الحقوق والواجبات، وبمزيد من المساواة في درجة الإدراك، ودرجة الفهم، ودرجة الغنى والرفاة، وهذا غير مقبول به عندهم.

يطلبون منا أن لا نكون “نحن” ولا نكون “هم” بل أن نكون شيئاً آخر.. أي في منطقة اللا لون، واللا ملامح، واللا هوية.. أي في هامش “المسخ” الذي لا ينتمي إلى شيء.. أي في مكان”اللقيط” مجهول الأبوين، مجهول المصير.

يطلبون منا أن نكون على الحياد .. فلا نفكر في الماضي، ولا نتدخل في المستقبل.

وهكذا تبدو علاقتنا مع الغرب، على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي، علاقة مختلّة، أو هي غير سوية، أو غير متكافئة. إنها علاقة المظلوم بالظالم، والمستبد بالمستضعف، والقوي بالمغلوب على أمره.

ولا ينبغي أن تؤخذ رؤيتنا هذه لعلاقتنا بالغرب على أنها رؤية نهائية، أو على أنها تتضمن نزوعاً إلى المصادمة أو المخاصمة، فالغرب ليس شراً كله، فهو خدم البشرية بكثير من منجزاته ومنتجاته الحضارية. كما أن رؤيتنا هذه لا تعدو كونها معاينة لواقع مرير ينبغي أن يتبدل، ليكون في الأفضل والأجمل من حالاته، انطلاقاً من قيم الثقافة الغربية ذاتها في العدل والمساواة واحترام حقوق الآخرين. كما أننا لا نعفي أنفسنا من مسؤولية ما نحن فيه، فنحن الذين أهملنا أنفسنا حتى أصابنا الترهل والخمول وإلتهاب المفاصل، وجميع أمراض الشيخوخة، وكل أعراض الوهن الأخرى. إننا، واقعاً، لم نول أجيالنا ما يتوجب من الاهتمام، وظننا دائماً أن استدعاءنا الماضي يكفي لجعلنا نخترق المستقبل. وساوينا بين مشروع العلم ونزهات الصيد، وما زلنا نعتقد أن المال وشراء الجسور والبنايات الأسمنتية الطويلة هي التي ستأخذنا إلى الصفوف الأمامية بين أمم الأرض، لقد نسينا أو أننا نتناسى، أن الثروة عندما لا نعمل على تنميتها فإنها تنضب وتتلاشى، وأن الجسور سيصيبها الوهن، وأن البنايات الطويلة ستشيخ، وستصبح كلها أطلالاً، وستكون أثراً بعد عين إذا لم نخلق الأجيال التي ستعيد إنتاج المستحيل، وتحقق المعجزة التي لا نعرف نحن ما هي، ولا ندرك حجمها أو قوة فعلها. تلك الأجيال التي صنعت اليابان وهي الفقيرة في كل شيء إلاّ في ثقافتها وفي شبابها. تلك الأجيال التي تعيد اليوم صياغة الهند والصين بما يكفل للأولى حلّ مشكلة الفقر المدقع، وبما يضمن للثانية السيطرة على مستقبل مليار ونصف المليار من البشر ممن يرومون قيادة العالم في مستقبل ليس ببعيد. أجل! فتلكم هي الثروة الحقيقية التي تستطيع أن تصعد بنا إلى موقع متكافئ بالنظر إلى جيراننا القريبين وكذلك بالنظر إلى نظرائنا البعيدين على هذا الكوكب. يومها فقط سنكون الأقوياء ولن يكون لأحد من سلطه علينا.. لا في الغرب.. ولا في الشرق.. ولا في الجني الأزرق.

د. فهد العرابي الحارثي

الهوامش


(1) انظر عبود، عبدالغني (د)، الأيدلوجيا والتربية، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، ص117 نقله عمار، حامد، في اقتصاديات التعليم، ص ص 72-73، وانظر أيضاً، عبدالدائم، عبدالله (د)، بحث بعنوان، تطوير التربية العربية لمواجهة الصراع مع إسرائيل، مجلة المستقبل العربي، عدد 85.

(2) انظر زحلان، أنطوان ، مجلة المستقبل العربي، عدد86.

(3) انظر شرابي، هشام، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، ط2، الدار المتحدة للنشر، بيروت، 1975، ص121.

(4) انظر عبدالدائم، عبدالله (د)، مراجعة إستراتيجية تطوير التربية العربية. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1995م، ص56 .

(5) انظر الحمصي، محمود، خطط التنمية العربية واتجاهاتها التكاملية والتنافرية، مركز دراسات الوحدة العربية، ص ص 233-234.

(6) انظر عبدالدائم، عبدالله (د)، مراجعة إستراتيجية تطوير التربية العربية. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1995م، ص 56 .

(7)   انظر السابق، ص 68.

(8) انظر شرابي، هشام، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، ط2، الدار المتحدة للنشر، بيروت، 1975م، ص114.

(9) انظر السابق.

(10) انظر السابق.

(11) انظر د. علي فخرو، وزير التربية الأسبق في البحرين، نقله الجلال، عبدالعزيز (د)، تربية اليسر وتخلف التنمية، الكويت، عالم الفكر، ص164.

(12) انظر شرابي، هشام، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، ط2، الدار المتحدة للنشر، بيروت، 1975م، ص137.

(13) انظر السابق.

(14) انظر السابق، ص129.

(15) انظر السابق، ص122.

(16)  انظر السابق.

(17) يعاني 840 مليون نسمة من سكان الأرض من الجوع، و 2 بليون آخرين من سوء التغذية، ويتركز الضحايا في الجنوب، أما الشمال فيتضاعف فيه دخل الفرد، والمؤشر في تصاعد مستمر.