ملاحظات مواطن عربي محبط
ربيع العرب على مذبح التجاذبات الدولية

 

تتالت التجربتان التونسية والمصرية دون أن تصطدما بأي عوائق داخلية أو خارجية، ربما لأنهما هبطتا فجأة، ومن ثم أنجزتا فجأة، فلم يكن العالم قد استعد لهما سلبا أو إيجاباً. لا أحد كان يتوقع أن يكون الانفجار بتلك الضخامة، أو أن يكون الغضب بتلك النجاعة، ولاسيما في أوساط الحاكمين أنفسهم الذين سقطوا وتهاوت عروشهم، وكذلك في أوساط حاشيتهم ومنافقيهم وجحافل المستفيدين من حولهم.

أما نحن فقد ظننا في حينه أن “العالم الحر الديموقراطي” كان ينتظر تلك اللحظة المشعة من تاريخ العرب بفارغ الصبر، ليتخذ موقف الداعم لها خصوصاً عندما تأكد من شجاعتها وتصميمها وفدائيتها (إذ تخلي الأمريكان عن صديقهم الكبير في الشرق الأوسط: حسني مبارك، كما تخلوا، هم والفرنسيون، عن زين العابدين بن علي) وفي الحالتين التونسية والمصرية بدا المشهد واضحاً، أو شبه واضح: لم يعد العالم اليوم في حاجة الى زعماء من صنف مبارك وبن علي، أو أنه لم يعد يحتملهم في تصرفاتهم المقيتة الكالحة، وفي سلوكاتهم الفجة .

وزاد من تأكيد هذا الاعتقاد عندنا ما جرى في التجربة الليبية، إذ سلطت الولايات المتحدة الأمريكية حلفاءها في النايتو على حصون القذافي ومعاقله لتدكها وتدكه معها بالطائرات والصواريخ والقنابل التي لا تبقي ولا تذر، حتى استوت الثورة في الأرجاء الليبية، وغاب بالتالي الى الأبد الديكتاتور ” الملهم ” الذي أرهق ليبيا والليبيين بأكثر من أربعين سنة خرقاء من المغامرات والمجازفات والتهورات التي عطلت التنمية وعزلت الناس عن التاريخ والمستقبل.

أما اليمن فقد أسندت مهمته إلى دول مجلس التعاون الخليجية لمعالجتها، ودائما بما يكفل رحيل “الديكتاتور” فيكون مصيره مثل مصير أقرانه الآخرين في تونس ومصر وليبيا. ومن شدة تفاؤلنا بالربيع لم نكن راضين كل الرضا عن مآلات ثورة اليمن، فقد بالغ الخليجيون، ومعهم القوى الدولية الأخرى، في نظرنا، في تدليل علي صالح، وفي الرضوخ لشروطه ومماطلاته قياسا على ما جرى في تونس ومصر وليبيا. نعم ! لم تكن التجربة السورية قد ولدت بعد لنترحم على علي عبدالله صالح وبطانته

ولنقول بملء الفم ليت ما حدث في اليمن يحدث الآن في سوريا!

ما حدث في بداية الربيع بدا فجراً جديداً مشرقاً واعداً أطل على العرب والعالم: شباب يرسم مستقبل بلاده وأمته فيطيح بالدكتاتوريات البشعة الجاثمة على صدره منذ سنين. وهذا هو العالم الحر، المنتصر للديموقراطية والعدل يدعمه ويدفعه إلى مزيد من التقدم نحو المغامرة الأمثل باتجاه الكرامة والتنمية.

“ربيع عربي” جميل بدا يعيد إلى الأمة رونقها الذي افتقدته منذ دهور، وهو جعلنا نسلم للجيل الجديد بأنه أنجز ما عجزت أو تخاذلت عن إنجازه أجيال عربية كثيرة سبقته على مر التاريخ، مسنودا دائماً بعالم حر ديموقراطي مسؤول لم يكن ينتظر إلا أن يعلق شباب العرب جرسهم لينطلق معهم في مشروعهم المنصب على تحطيم الأصنام وتنصيب أعلام الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

كثيرون من الرومانسيين أمثالي تملكتهم مثل هذه الاعتقادات الوردية، وهي اعتقادات لم تكن ساذجة بالكلية مهما قيل، فقد كانت تدعمها القرائن والأحداث التي وضعت العالم الحر الديموقراطي في موضع الشريك .. شريك الحلم وشريك الإنجاز.

أما البلدان التي لم تبلغها رياح “الربيع” فقد بلغتها على الأقل أنفاسه الحارة، فلمسنا أن النوافذ التي كانت مغلقة قد فتحت، وأن الطرق التي كانت مسدودة قد شرعت بالفعل في الانفراج: لمعت بعض الحريات المعتبرة: في التعبير، في حقوق الإنسان، في استقلال القضاء الخ…، أجل! فقد أضحى من المتاح الحديث بأصوات عالية عن العدالة والحرية والكرامة والمشاركة السياسية وحقوق المرأة وأهمية تمكينها الخ..

شكرا أيها الربيع! لقد انتظرتك شعوب العرب طويلاً طويلاً! فلتواصل مسيرتك المظفرة، ولينتشر عبيرك الفواح في كل الإرجاء التي ظل يكسوها الظلام. فلتنتشر أيها الربيع في كل بلد من بلدان العرب بالقدر الذي يحتاجه، وعليك أن تجتاح البعض لتقتلعه من جذوره كما فعلت في تونس ومصر وليبيا، وقد تكتفي، بالنسبة الى البعض الآخر، بأن تتدخل في تعديل قامته، وفي تحسين مشيته، وفي ترشيد مسيرته.

مرحباً أيها الربيع كررناها ألف مليون مرة إلى أن تقطعت بنا الأنفاس، وفي كل يوم جديد يتصاعد إيماننا بالربيع، ولاسيما أننا لم نر بعد رأي العين من يعرقله، أو يقف في طريقه من أصحاب المصالح أو الأجندات الخاصة ممن يسمون أنفسهم أصدقاء الحرية وأربابها في الغرب، ذلك الغرب الذي ماينفك يدهشنا بمقولاته وشعاراته الخلابة المتصلة بالمستقبل، لا بل أنه ظهر دائماً وكأنه يدعم “ربيعنا” بل لقد كان لا يكاد يتوقف عن إلقاء الخطب الرنانة في تعظيمه وتبجيله.

أما عندما أشرقت شمس ذلك الربيع على سوريا فقد بدت تلك الشمس منذ اليوم الأول كالحة ومكتئبة، لم تعد بذلك الوهج الذي عرفناه وشهدناه في تونس ومصر وليبيا، وهي ليست بتلك الحيوية التي عهدناها فيها من قبل. لعل العالم والتاريخ والربيع نفسه لا تحتمل، كلها، سقوط خمس ديكتاتوريات في عام واحد، قد يعني ذلك انهيار كامل لكل منظومات الحكم في هذا الجزء التعيس من العالم، ومن يضمن العواقب ؟! وقد يعني ذلك كذلك تأكيد ما كان غير متوقع: فالإسلاميون قفزوا، من الرصيف المقابل، إلى القطار المنطلق ليحتلوا المقاعد الأمامية فيه، لقد تولوا مقود القيادة “بشرعية واقتدار!” في كل الأقطار التي زارها الربيع، وهم ربما ظهروا مؤخراً أكثر براغماتية، ولاشك أنهم مهتمون بصداقتهم مع أمريكا والغرب، ولكن من يدري ففتوى واحدة في الوقت المناسب قد تنسف تلك الصداقة عن آخرها، والبراغماتية ليست عقيدة، بل هي بالأحرى أقرب إلى التكتيك، ولاسيما في حضور الأيديولوجيات العميقة، مثل عقيدة الإخوان، وليس هناك، تاريخيا، ما يشفع للغرب من نيران ” الجهاد “، ثم ان إخوة العقيدة من الجماعات الإسلامية الأخرى، في الغرب وخارج الغرب، مقدمون على كل من سواهم من ” الكفار ” والطامعين في ديار المسلمين وثرواتهم ! والظاهر أو المتواتر في نتائج الربيع العربي هو أن سوريا ستنضم إلى قائمة ممالك الإسلاميين هي الأخرى، فلا بديل للعلويين في بلاد الشام سواهم، فإذا أضيف إلى ذلك حساسية علاقة ” سوريا الثورة ” بإسرائيل أصبح الوضع أكثر تعقيداً، فالحاكمون الجدد لا مفر لهم، في دعم شرعيتهم في الحكم، من المواجهة مع إسرائيل، أياً كان مستوى تلك المواجهة. فسوريا، إذن، لابد أن تنتقل إلى الربيع محطمة مهشمة فلا تسترد أنفاسها إلا بعد عشرات السنين. ثم إن إيران وحزب الله سيغرقان في المستنقع السوري مهما كلف الأمر، وسيضعفان، وستتفاقم مشاكلهما في المنطقة، ما يسهل في وقت لاحق وضعهما في الخانة التي تليق بحجمهما وبدورهما المنتظر الذي سيرسمه الغرب نفسه، وليس من الضروري أن يتخلص الغرب منهما بالكلية، فذلك سيمهد لشعور دول الخليج بالراحة، ما قد يدفع إلى شعورها الخاطئ بالاستقلال النسبي، وهذا وضع من شأنه أن يسهم في تجفيف شيء من ينابيع الوفاء التقليدي المنعش للغرب نفسه !

روسيا ذاتها تعتقد أن سوريا هي بوابتها الحقيقية للعودة الى التاريخ، والعودة إلى مرحلة الحرب الباردة التي ستطلقها من عزلتها القاتلة .

وما الذي يمنع أمريكا من الانسحاب، أو التخاذل، تجاه الإصرار الروسي على قمع ربيع سوريا ؟ فليس في الربيع السوري ما يغريها (لا بترول ولا غيره!)، بل انه، كما ذكرنا آنفاً، قد لا يلتقي ذلك الربيع مع مصالحها ومصالح إسرائيل، فأصبح الملف السوري ملفاً روسياً بامتياز، تحت ذرائع واهية، مثل عدم توحد المعارضة السورية (ومتى كانت المعارضة موحدة في أي دولة من دول الربيع العربي الأخرى؟) ومثل وجود جماعات متطرفة أو إرهابية بين الثوار (ومتى كانت الثورات في بلدان الربيع الأخرى في منأى عن المتطرفين أو الإرهابيين المحتملين؟!)

أمريكا لا تريد أن تدخل في حروب جديدة بعد تجربة أفغانستان والعراق، وليس هناك ما يمنع من أن تخفض جناح الذل لروسيا لتدير الأخيرة الملف السوري مادام أن ذلك لن يشكل أي أعباء على واشنطن أو على إسرائيل، أما موقف الولايات المتحدة الحرج من حلفائها في الخليج، الذين يساندون الثورة السورية، وينتظرون نجاحها بفارغ الصبر، فلم يجد البيت الأبيض علاجاً له أكثر من أنه ” سمح ” لهم، ولمن يريد من الحلفاء والإتباع الأوربيين، قبل أيام في مؤتمر أصدقاء سوريا في الدوحة ، بأن يسهموا في تسليح الثوار بأسلحة دفاعية لا أكثر، فقد كانت أمريكا تمنع ذلك التصرف منعا باتاً طوال عمر الثورة السورية.

هكذا سقط الربيع أخيرا في أحبولة التجاذبات الدولية، والضحية كانت سوريا والشعب السوري. وبالفعل فإن ” الحرب حول سوريا اليوم أضحت أكثر بشاعة وضيما من الحرب في سوريا نفسها “

لقد سقطت سوريا في براثن التجاذبات الدولية، وسقطت أحلام الرومانسيين أمثالي في ذات البراثن، فأي ” عالم حر ” كنا نتوهم أن لا هم له سوى الانتصار للديموقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية ؟! ياااااه ! يا للخيبة ! فهناك أكثر من مائة ألف قتيل، حتى اللحظة، في سوريا، عدا الجرحى والمفقودين والمشردين والمهجرين والجوعى والمرضى ومن ضلت بهم السبل، فإذا كان الدافع لإسقاط صدام حسين وغزو بغداد هو أسلحة الدمار الشامل وغياب الديمقراطية، وإذا كانت مسوغات التدخل في ليبيا هي ديكتاتورية العقيد، وإذا كان الإيعاز لحسين مبارك أو الضغط عليه للتخلي عن الحكم كان من أجل مزيد من الحريات للمصريين، فكيف يمكن أن ينسجم أي شيء من كل ذلك مع الموقف من الثورة السورية النبيلة ؟!

لن نحتاج إلى أي مستوى من الجدال في أن الحكم الاستبدادي في سوريا هو الأسوأ في كل المنطقة العربية. ولن نحتاج إلى التأكيد بأن الثورة السورية بدأت سلمية، وأن النظام الفاشي المستبد هو الذي حولها إلى ثورة مسلحة مثخنة بالدماء والموت. ولن نحتاج بأي حال إلى حشد الأدلة على استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية ضد شعبه لكي يتحرك العالم الحر لنصرته (وقد كان هذا خطاً أحمر) فقد أكدته فرنسا وأمريكا نفسها.

هكذا أسهمت التجاذبات الدولية في تحويل الربيع العربي (الحلم الجميل) إلى وحش كاسر بشع محبط لا يدع مجالاً للثقة في المستقبل مع عالم كذاب منافق يقول مالا يفعل، فهاهي التجاذبات الدولية تتغذى على لحوم الشعوب العربية ودمائها، و لم يعد أمام الأجيال التي آمنت بالربيع إلا أن تلعنه وتلعن القيم الكاذبة التي ما فتيء العالم الذي يسمي نفسه بالحر يروج لها بيننا .. فلعله يفعل ذلك ليزيد في سحقنا، وفي الضرب على ظهورنا ورقابنا.نعم ! نحن المسؤولون عما يجري لنا، ولكن لا نريد مزيداً من الكذب علينا وعلى المستضعفين من أمثالنا!

هامش
ــــــــــــــــــــــــ

القضية هي النص الكامل للورقة التي تقدم بها د. فهد العرابي الحارثي لموسم أصيلة الذي نظم ندوة هامة حول :” فصول الربيع العربي من منظورنا ورؤية الآخر ” في الفترة  28-29 يوليو 2013