د. فهد العرابي الحارثي

  تمهيد

حدد صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز المنطلق الاستراتيجي لجولته العالمية التي استمرت من 13/9/1998م إلى 27/10/1998م، وشملت كل من: المملكة المتحدة، فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكية، جمهورية الصين الشعبية، اليابان، جمهورية كوريا الجنوبية، جمهورية باكستان، إذ قال – وقفة الله – بأن الجولة هي “للتعارف والتفاهم” فكانت هذه العبارة بمثابة المفتاح الأصيل لفكرة الجولة ولهدفها العام.

فالأمير عبدالله غادر بلاده للإلتقاء بالقيادات العالمية، من أجل مزيد من التعارف، ومزيد من التفاهم، حول القضايا الأساسية التي تهم المملكة العربية السعودية بصفتها السيادية، من حيث كونها دولة رئيسية في العالم العربي والإسلامي.

وقد جاء توقيت الزيارة في مرحلة من أشد المراحل حساسية وشفافية بالنسبة إلى الأوضاع الإقليمية والدولية على حد سواء: فعملية السلام في الشرق الأوسط جامعة تماماً، أو هي بالأحرى على وشك الإنهيار. والجبهة الإيرانية الأفغانية في طريقها إلى الاشتعال، وهناك مشكلة العراق، ومسألة الأمن في الخليج، والحصار المفروض على ليبيا نتيجة قضية لوكوربي. وهناك أضاع المسلمين في البلقان، وأوضاع المسلمين في دول شرق آسيا (الأزمات الاقتصادية وأزمة ماليزيا السياسية) وهناك المشكلة الباكستانية الهندية، وغيرها من المشكلات والقضايا التي تنذر بأخطار كثيرة.

الزيارات جاءت أيضاً في مفترق اقتصادي ملفت ومثير للاهتمام: انخفاض أسعار البتول، الإضطراب الشديد في أوضاع النمور الآسيوية، الأزمة الكبرى في الاقتصاد الروسي.

مخاطر وتوترات متعددة يتعرض لها الكوكب الذي نعيش فيه. والعالم العربي أو الإسلامي، الذي يشغل مساحة فسيحة في جغرافية المعمورة، وهو، بإمكاناته وبتطلعاته المتنوعة، لابد أن يكون له صوت في كل هذا الضجيج المحتدم.

ونشير إلى أنه بقدر ما في عالم اليوم من تحديات، ونذر خطرن فإن فيه بالمقابل فرصاً واضحة لإشادة صيغ جديدة للمستقبل: سياسية واقتصادية وغيرها، وليس أقلها أو أهونها تيار العولمة الذي شرع في الأخذ بتلابيب أمم الأرض نحن مصير تحيط به أكثر من علامة استفهام كبيرة.

لقد هدفت جولة سمو ولي العهد العالمية إلى تقديم تصورات المملكة العربية السعودية حول مجمل المشكلات الدولية العالقة، وبالمقابل حول مستقبل “التعاون” مع الأمم الأخرى، من أجل مزيد من الرفاهية والرخاء والسلام. والتصورات التي تقدمها المملكة حول القضايا التي تشغل بال العالم وذهنه تكتسب أهمية خاصة بحكم موقع بلادنا الإستراتيجي والجغرافي بين الشرق والغرب، وبحكم ثقلها الاقتصادي المميز، كونها أبرز الدول المعاصرة المنتجة للطاقة، وبحكم مكانتها التاريخية والروحية من محيطها العربي، ومحيطها الإسلامي، كونها مهد العروبة وموطن المقدسات الشريفة.

التفاهم والتعارف:

إن فكرة “التفاهم والتعارف “التي جعلها سمو ولي العهد هدفاً أولياً من أهداف جولته ترسي بوضوح القاعدة التي يجب أن يستند إليها أي مشروع مخلص لــ “التعاون”. وهذا التعاون، إذا أريد له أن يكون منصفاً، فهو الذي سيقود العالم إلى الرفاه وإلى السلام المطلوبين.

والتعاون يتطلب أن “يعرف” كل طرف إمكانات الآخر ونواياه وتصوراته، وهذا هو المستوى المتقدم من مستويات “التفاهم” الذي بدوره يجب أن يهتدي بقيم “الحوار” الصريح الذي يكفل لجميع الأطراف الاستقلال في الرأي وفي طرق المعالجة!

إن هذا الأساس الفلسفي الاستراتيجي لجولة سمو ولي العهد كان من الأمور التي أكسبت الجولة صدقية جلية، وهي لذلك وجدت اهتماماً ملحوظاً لدى القيادات والفعاليات السياسية والاقتصادية التي إلتقاها سموه وتحاور معها.

لقد وصفت بعض المصادر الغربية زيارة الأمير عبدالله إلى الدول الرئيسية في العالم بأنها فرصة جيدة كي يعرف حكام تلك الدول الأمير عبدالله، وهو ولي العهد، ونائب رئيس مجلس الوزراء، في دولة على ذلك القدر من الأهمية والتأثير.. أي المملكة العربية السعودية.

إن للغرب في بلاد الأمير عبدالله مصالح عديدة بينة، وهو يريد أن يطمئن دائماً بأنها لن تضار.

وإن للأمير عبدالله، القائد العربي، عند الغرب مطالب يريد، هو من جهته، أن يعرف مدى شعور الغرب بعدالتها.

بالنسبة إلى الغرب أكدت مصادر غربية بأن الانطباع الذي تركه الأمير عبدالله لدى محاوريه يمكن إيجازه في جملتين: الأولى: أن القائد السعودي جدير بالثقة. والثانية: أنه رجل “يمكن التعاون معه” وهذا يعني أن أحد الأغراض الرئيسية للزيارة قد تحقق فعلاً: فــ “التعارف” والثقة هما الأساس الذي سيقوم عليه التفاهم والتعاون. وسمو ولي العهد من موقعه في بلاده، ومن موقع بلاده في محيطها العربي والإسلامي، الأجدر والأكثر أهلية – كما ذكرت صحيفة السفير اللبنانية – “للحديث عن سوريا وربما باسمها، وعن مصر وباسمها، وعن الخليج وباسمه، وحتى عن ليبيا وباسمها. بل إنه الأكثر اتزاناً في الحديث عن العراق برغم كل ما يثيره حديث النظام العراقي من تحفظات” وقد أشار وزير الخارجية المصري إلى ما يؤيد هذا المعنى إذ قال: “لقد كانت جولة سمو الأمير عبدالله مهمة جداً لأن المملكة لاعب رئيسي في المنطقة، ولاشك أن سموه عندما يعبر عن موقف المملكة من عملية السلام والظروف القائمة في المنطقة فهو يعبر عن شعور عربي عام”.

واعتبرت صحيفة السفير – في مقال افتتاحي – سمو ولي العهد موفداً للعرب والمسلمين، واعتبرت زيارة سمه محاولة جادة لتصحيح العلاقة المختلة بين العرب والمسلمين من جهة والولايات المتحدة الأمريكية – خصوصاً – من جهة أخرى.

الدوائر الرسمية في العالم اعتبرت أن جولة سمو ولي العهد هي بالفعل على قدر كبير من الأهمية، لما للمملكة من ثقل أساسي في محيطها العربي والإسلامي وفي المحيط الدولي كله. فالمملكة كما تؤكد الدوائر نفسها – تمتاز في سياستها بالحصافة والاعتدال، وبالتالي فإن الخطاب السياسي السعودي يكتسب بجدارة كل المقومات الضرورية للخطاب الموضوعي المؤثر.

إن حوار المملكة مع العالم هو حوار دولة راسخة تحتفل هذا العام بالذكرى المئوية لتأسيسها. وهو في ذات الوقت حوار دولة تتمكن من عناصر القوة في ثرواتها وفي موقعها العربي والإسلامي. هذا فضلاً عن أنها صاحبة مكانة دولية محترمة فوق هذا الكوكب من أقصاه إلى أقصاه.

 الإسلام والإرهاب:

لشرعية الخطاب السعودي حول الإسلام ركائز أساسية، تستمد قوتها من جانب تاريخي بعيد، وجانب تاريخي آخر قريب. فبالنسبة إلى الجانب التاريخي البعيد، لا يغيب عن الذهن أن المملكة العربية السعودية هي بلد الوحي، وهي الأرض التي ترتفع فوقها مقدسات المسلمين. أما فيما يتعلق بالجانب التاريخي القريب: فالدولة السعودية، في مراحلها الثلاث، إنما قامت على صفاء العقيدة ونقائها، فهي ما فتئت تعمل بدأب شديد على ذب الشوائب والبدع عنها. وقد ظل هناك دائماً هدف استراتيجي واضح في الإدارة السعودية وفي سياساتها الداخلية والخارجية، وهذا الهدف هو المحافظة على عقيدة الإسلام، والدفاع عنها، والتفاني في خدمتها.

ومن الركائز القريبة والبعيدة ظلت القيادة السعدية هي الأحرى، أو هي الأجدر، بالحديث عن الإسلام، وعن مبادئه، وعما يكتنفه من تحديات، أو ما يتعرض له من إساءات مشينة أو اتهامات ظالمة ومجحفة.

إن هذا الأساس التاريخي والحضاري أعطى القوة الدافعة لطروحات سمو ولي العهد، في جولته العالمية، حول الإسلام، وحول ما يتعرض له في  عالم اليوم من غبن.

لم يكن لسمو ولي العهد بد – إذن – من طرح مسألة ما يعانيه الإسلام من أذى في هذا العصر الذي تكتنفه الكثير من التحديات النفسية والأخلاقية والسياسة التي نجمت وتنجم عنها ممارسات إرهابية من قبل بعض الأفراد أو بعض الجماعات سواءً في داخل العالم الإسلامي نفسه أو في خارجه لدى أمم أخرى، مما أتاح الفرصة للمغرضين، أو للجهات التي تخلط، بلا عدل ولا موضوعية، بين الإسلام كدين وكفكرة وبين تصرفات بعض المسلمين.

إن الإرهاب – كما يعلم الرغب نفسه – لا دين له، ولا هوية. وهو مزروع في كل مكان من هذه الأرض دون استثناء. ولا ضرورة هنا للإشارة إلى الممارسات الإرهابية التي يكون وراءها أقوام غير مسلمة وغير عربية. وحيال هذه المعضلة العالمية العامة نجد أنه من الظلم إلصاقها بدين بعينه، أو بعرق بشري بذاته.

نحن في المملكة العربية السعودية نعتقد أن الإرهاب ظاهرة بشرية مغرقة في القدم، فهو قائم وموجود في مختلف العصور، ولدى كل الأمم. ولعل مما جعله أكثر وضوحاً في عصرنا هذا الإعلام الذي أضحى لا يخفي شيئاً – أي شيء – مما يتحرك فوق هذا الكوكب. وهذا الإعلام نفسه هو الذي – بلا حياد أو موضوعية – جعل همه الأول والأخير ما يقترفه بعض أبناء المسلمين، في داخل بلادهم أو خارجها، من ممارسات غير مشروعة، مما كون لدى الناي تلك الصورة الذهنية المجحفة والظالمة عن الإسلام، من حيث هو دين، ومن حيث هو فكر ومنهج. وقد وصف سمو ولي العهد هذا الإعلام بــ “القاصر” فهو، حسب رأيه، يراعي دائماً إلصاقاً الممارسات الخاطئة بالإسلام عن جهل أو عن قصد، والإسلام بريئ من ذلك.

لقد ذهب هذا الإعلام المعادي للعرب والمسلمين إلى أكثر من ذلك، فعمد إلى التنقيب في التراث الإسلامي عن نصوص انتقائية مجتزأة أو مقطوعة عن سياقاتها الموضوعية والتاريخية الصحيحة، بهدف أن تخدم الفكرة السوداء التي ما ينفك يدعمها ويروج لها.

لقد كان من أهداف زيارة سمو ولي العهد أن يطرح على زعماء الغرب ومفكريه، وعلى القوى المؤثرة في واقعة الاقتصادي والاجتماعي، فكرة الإرهاب الملصقة ظلماً وعدواناً بالإسلام.

والواضح أن الطرح الموضوعي من قبل سموه لهذه القضية الشائكة كان له بالغ التأثير، فقد استمعنا إلى ردود فعل عاقلة استطاعت أن تتفهم رسالة سمو ولي العهد، وتمكنت من أن تفصح ‘ن آراء منصفة في حق الإسلام، وفي حق ثقافته الصحيحة، ولاسيما فيما يتعلق بالعلاقات التي يفترضها هذا الدين الحنيف بين المسلمين بعضهم البعض، أو بين المسلمين وغيرهم من شعوب الأرض الأخرى.

إن هناك من المفكرين والمثقفين الغربيين المنصفين من يعلم هذه الحقائق عن الإسلام ويدركها على الرغم من الضباب الإعلامي الكثيف المسموم الذي لا يهدف إلا إلى التضليل وطمس الحق أو تشويهه.

لقد أكد سمو ولي العهد على حقيقة ما يعرفه أولئك المثقفون والمفكرون من أن حضارة الإسلام هي “حضارة بناء”. فالإسلام نفسه كان أساساً في العمليات الحثيثة التي أدت إلى إشادة الحضارة الغربية الحديثة نفسها. فحضارة البناء هذه كيف يمكن لها أن تتحول اليوم، بفعل الأهواء المنحرفة، والأغراض غير النزيهة، إلى حضارة هدم.. أو حضارة إرهاب؟!.

قد كانت رسالة الأمير عبدالله إلى الغرب تدور حول فكرة محورية، وهي إعطاء الإسلام مكانه العادل الذي يليق به في تاريخ البشرية وحضارتها المتعددة.

فإلى البيئة الثقافية الذي أنتجت فوكوياماو “نهاية التاريخ” وأفرزت صامويل هنتجتون و”صراع الحضارات” ذهب ولي العهد السعودي يدعو إلى حوار الأديان، أو فلنسمه “حوار الحضارات”. إن موقف الأمير عبدالله ها، وهو الموقف المستمد من عقيدته، يظهر بوضوح الموقف الصحيح للعرب وللمسلمين من الحضارة البشرية، ومن السلام ومن الرفاه الإنساني، وهو موقف لاشك بناء، وعلى قدر من الإيجابية التي لا تتحقق لغيره من المشروعات أو الأفكار التي ما تبرح تدعي احتكار خير هذا الكوكب، وما تفتأ تنسب إلى نفسها وحدها رعاية السلام وعناصر الخير فيه. فليس عندنا – نحن المسلمين – نهاية للتاريخ. ونحن في الوقت نفسه لا نبشر أبداً بصراع مرير ومدمر للحضارات.

لقد دعا الأمر عبدالله إلى بداية جديدة للتاريخ بداية تستند إلى التعارف والتفاهم والتعاون من أجل مستقبل أفضل لهذا الكوكب، ومن أجل رخاء أعم لسكانه، كل هذا يتم في موجهة صراع الحضارات المتوهم أو المفترض من جانب بعض رموز الجيل الجديد في مثقفي الغرب.

هذا هو الإسلام على يد قائد من قواده.

هذا القائد الذي يعيد إلى الأذهان فكرة “البناء” التي يقوم عليها منهج الإسلام، فيقدمها بديلاً عن دعاوي “الهدم” والتقويض وتحطيم الجسور. أي تلك الأفكار التي يروج لها ويعمل من أجلها الجاهلون بحقيقة الإسلام أو هم على الأصح خصومه والمتربصون به.

إن من ركائز “التعاون” الاحترام المتبادل، وهذا هو ما يدعو إليه سمو الأمير عبدالله. فعلى الغرب أن يدرك أن من واجبه أن يحترمنا ويحترم ديننا وثقافتنا وخصوصياتنا. وقد قدم سمه المثال على على ما يجب أن يكون عليه المحاور القوي من أخلاق وقيم، فهو دافع عن الإسلام ولكنه بالمقابل لم يهاجم ديناً آخر. وهو دافع عن الحضارة العربية في الوقت الذي لم ينتقص فيه من الحضارات الأخرى. وهو عرض التجربة السعودية في الكثير من المجالات السياسية والاقتصادية في حين لم يبخس تجارب الآخرين حقها. إنه يؤمن بأن لكل أمة تراثها الثقافي والحضاري الذي لابد أن تستلهمه في تجاربها ومنجزاتها، وهو تراث يختلف، ويتعدد، ويتنوع، بالضرورة.

لقد أكد الأمير عبدالله وهو ضيف على الغرب نفسه: بأننا نقبل الحوار، ونهيئ المناخ الملائم للتعاون، ولكن دون أن يمس ذلك قناعتنا الأساسية فيما يتعلق بمصالحنا، أو مصالح ديننا وأمتنا.

وفيما يخص علاقة الإسلام بالإرهاب أكد سموه “أن الإسلام هو أكثر الأديان والعقائد والأنظمة صيانة لدم الإنسان وحماية لحقوقه”.

وقد وضع سموه بلاده – بكل إعزاز – في خندق واحد مع دول العالم الأخرى التي يجب أن تتكاتف لمحاصرة داء الإرهاب العضال. ودعاء الجميع إلى التخلص من المتناقضات التي تفضي دائماً إليه.

وهو يعترض بوضوح على الدول التي تتظاهر بمحاربة الإرهاب وهي لا تتردد في إيواء بعض عناصره.

ثم لاحظ الجميع بأن سموه يردد كثيراً بأن الأعمال الإرهابية التي تنفذها بعض الجماعات الصغيرة في العالم الإسلامي هي أعمال معزولة ولا ينبغي أن تكون ذريعة لشن الحملات الدعائية المعادية للإسلام.

إن الإسلام – كما ذكر سمو ولي العهد للقيادات وللفعاليات السياسية والثقافية التي التقاها في جولته – يحرم الإرهاب بكل أشكاله ومسمياته، وبكل أهدافه الشيطانية المختلفة فالإسلام يحرم القتل أو سفك الدماء. والإرهابي يحكم عليه في الشريعة الإسلامية وفق ما ارتكب من إرهاب. وكثير من الإرهابيين يدعون الإسلام وهم، في سلوكهم وتصرفاتهم الشنيعة، لا يمتون للإسلام بصلة. فالإسلام يرفض أعمال الشر. وما نقيض الإسلام إلا الإرهاب الذي يفضي إلى زعزعة أمن الناس واستقرار الشعوب.

وقد ألمح سموه في هذا الصدد إلى ما يؤخذ على المملكة العربية السعودية في شأن مساعداتها للجمعيات الإسلامية، فذكر أن تلك المساعدات على خلاف ما يروج له البعض لا توجه إلا إلى أغراض سامية: إنسانية ودينية، كبناء المساجد والمدارس والمشافي، فهذا هو واجب السعودية تجاه الإسلام والمسلمين. والموقف يختلف تماماً عندما يحس السعوديون بأن تلك المساعدات إنما تسخر لغير ما وجدت من أجله.

وقد تكرر على لسان القائد السعودي بأن الإرهاب قد عصف بكثير من المناطق، وهو يحتاج إلى وقفه من كل الشرفاء في كل العالم.

لقد شكل الإرهاب، إذن، محوراً أساسياً في المباحثات السعودية في جميع البلدان التي شملتها جلة سموه، وفي مقدمتها أمريكا، بريطانياً، وفرنسا، والصين. فقد اتفق الجانب السعودي مع جميع الأطراف الأخرى في هذه الجولة على ضرورة التعاون في مجال مكافحة الإرهاب وتعزيز التدابير المشتركة لدرئه.

ولاشك أن الجلة الموفقة قد أسهمت إلى الحد البعيد في تصحيح الصورة الخاطئة عن الإسلام، وفي تصحيح الأفكار المغلوطة عنه.

 السلام في الشرق الأوسط:

هناك أمور ثلاثة تتعلق بعملية السلام في الشرق الأوسط لابد – بدءاً – من الإشارة إليها:

أولاً: أن المملكة العربية السعودية لم تتردد في أي يوم حول إظهار موقفها الإيجابي تجاه عملية السلام من حيث كونا مشروعاً من شأنه أن يضمن للمنطقة الأمن والاستقرار المطلوبين. ولكن يجب أن يكون السلام المقصود هو السلام المنصف الذي يكفل للفلسطينيين العرب حقوقهم الكاملة، بما في ذلك حقهم في القدس الشريف، وحقهم في قيام الدولة الفلسطينية. وقد ظل هذا الموقف مبدأ ثابتاً في السياسة السعودية، في جميع تحركاتها الخارجية، على الرغم من كل أنواع العنت، بل أنواع الإيذاء، التي تكفلت بها بعض أجهزة الإعلام المتربصة وفي مقدمتها بعض أجهزة الإعلام في أمريكا بالذات.

ثانياً: إن عملية السلام، أثناء جولة سمو ولي العهد، كانت تمر بأسوأ ظروفها، فهي كانت جامدة تاماً إن لم نقل إنها كانت على حافة الإنهيار، نتيجة التعنت الصهيوني الذي يجسده بلا مواربة رئيس  الوزراء الإسرائيلي الحالي نتنياهو.

ثالثاً: إن الراعي الرئيس لعملية السلام، وهو أمريكا، ظل يبدي انحيازاً واضحاً وصريحاً للجانب الإسرائيلي على حساب الجانب العربي، صاحب الحق، على الرغم مما ظل يبديه هذا الجانب من تجاوب، ومن حماس، نحو كل ما من شأنه تفعيل عملية السلام في كل أفكارها وآلياتها التي تم الاتفاق عليها في عدد من اللقاءات والاحتفالات، ابتداءً من مدريد وانتهاءً بأوسلو وما بينهما وما بعدهما.

لهذا كله فقد كانت الظروف المحيطة بعملية السلام أثناء جولة سمو ولي العهد ظروفاً في غاية الصعوبة والتعقيد، ومن أجل ذلك كانت الجولة ضرورية ولازمة بكل المقاييس لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروع السلام الآخذ، كما قلنا، في التداعي بل في الانهيار.

لقد انطلق سمو ولي العهد من بلاده لخوض التحدي الصعب، مؤكداً على أن المملكة العربية السعودية ستظل تضطلع بدورها الكامل في دعم السلام، ليس في إقليمها فقط وإنما في العالم كله.

وهو أكد على المبادئ التي تحكم الموقف السعودي من مشروع السلام في المنطقة، ومن تلك المبادئ أن تعود الحقوق المشروعة إلى أصحابها الشرعيين. وهذا ما سيحدث فعلأً طال الزمان أم قصر – كما عبر سموه – فيجب أن لا تفوت إسرائيل فرصتها السانحة فتغتر بقوة أمريكا المساندة لها الآن، وبالمعونات التي تأتيها من كل مكان. إن المستقبل فيما بعد لن يكون في صالحها، ما لم تعد الحقوق المسلوبة إلى أهلها، فترتب أوضاعها بطريقة منصفة وعادلة في منطقتها.

ولم يتردد سموه في وصف نتنياهو بــ “المتعجرف” فيحمله مسؤولية أي انهيارات تتعرض لها مساعي السلام. فالأسلوب الذي يتعامل به رئيس الوزراء الإسرائيلي، في سياق مفاوضات السلام، لن يؤدي في القريب وفي البعيد إلى مصلحة إسرائيل.

وقد قال سموه أيضاً بأن العرب “يلحون على السلام لأن شعوبهم مهيأة الآن لقبوله” ووصف سموه هذا الواقع الجديد بأنه هو فرصة مواتية لإسرائيل، وهو يصب في مصلحتها أكثر من غيرها. وإذا استمرت إسرائيل في تعنتها فإن هذا سيقود الشعوب العربية حتماً إلى الوقوف في وجهها، بل رفض أي مشروع للسلام معها، فليس هناك من حاجة إلى التأكيد بأن كل ما تفعله إسرائيل الآن هو تعطيل لعلية السلام وعرقلة لكل خطواتها. وهذا إنما يعني اضطلاع الدولة العبرية بمهمة شحن التوتر في أجواء المنطقة، وبالتالي تهديد الأمن والسلام الدوليين.

ثم أكد سمو ولي العهد لمحاوريه – في جولته العالمية – بأن قضايانا العربية والإسلامية ليست للمساومة، فنحن نستطيع الدفاع عن وجودنا وعن حقوقنا بنفس المستوى الذي نسعى فيه إلى السلام. والسلام، حسب رأي القيادة السعودية المعروف للجميع، هو أن لا يكون جزئياً أو ناقصاً، بل هو سلام شامل وعادل.

لقد ذهب سمو ولي العهد إلى أمريك وهو يعرف كما أشار وليام كوانت – أن “الخلاف بين السعودية وأمريكا ليس حول الهدف الذي يجب أن يتحقق من عملية السلام، فكلاهما يتطلع إلى رؤية السلام يسود منطقة الشرق الأوسط، لكن الخلاف إنما يدور حول التقييم لما يحدث الآن، وما قد يؤدي إليه في المستقبل أي أن الخلاف ينصب على الطريقة التي تعالج بها قضية الشرق الأوسط، وعلى المواقف الإسرائيلية التي يرفضها العرب في حين لا تجد المقاومة اللازمة من الأمريكيين.

ونستطيع أن نقول بأن مباحثات الأمير عبدالله، ولا سيما في أمريكا نفسها، قد اسهمت في تكثيف الأضواء على مواقف السعودية الثابتة من القضية العربية، ومن عملية السلام التي لا أقل من أن تأخذ بتطبيق كل ما تضمنته اتفاقيات أوسلو وواشنطن.

وقد كان سمو ولي العهد واضحاً وصريحاً مع القادة الأمريكان في هذا الخصوص. وقد ظهر نموذج تلك الصراحة القوية، المملوءة بالثقة، فيما روته جريدة السفير اللبنانية عن جانب من مباحثات الأمير عبدالله مع الرئيس كلينتون، فقد ذكرت الصحيفة: أن كلينتون طلب إلى سمو الأمير استغلال نفوذ المملكة الكبير لدى رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات لإقناعه نفوذ المملكة الكبير لدى رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات لإقناعه بإظهار مرونة إضافية، والقبول ببعض الأفكار والتعديلات الأمريكية والإسرائيلية على المقترحات الأمريكية الهادفة إلى استئناف المفاوضات. فرد الأمير عبدالله، بسرعة واستغراب واضحين، قائلاً للرئيس الأمريكي، وفقاً لمصادر الجريدة: “لقد جئتكم لأطلب منكم التدخل لدى نتنياهو، والضغط على إسرائيل لتعديل موقفها، وأنت تطلب مني الآن الضغط على عرفات “وفي رواية أخرى أن الأمير عبدالله قال لكلينتون: “أنا أطالبكم بأن تمارس ضغطك على نتنياهو للإنصياع للقرارات التي اتخذتها الأمم المتحدة، واحترام ما صدر عن هذه المؤسسة العالمية، واعتماد الأرض مقابل السلام، ووقف الاعتداء على لبنان”.

وما من شك في أن مباحثات سمو ولي العهد مع الإدارة الأمريكية قد أفضت إلى تحريك الساكن، فقد استطاع سموه أن يبلغ رسالة بلاده، ورسالة العرب، إلى راعي السلام الذي كان السلام يحتضر بين يديه. فأكد البيان المشترك الذي أصدره الجانبان على التعهد بالتعاون في البحث عن سلام شامل وعادل ودائم مبني على قراري مجلس الأمن (242) و(338)، وعلى الاتفاقيات الأخرى التي تلت ذلك من مدريد وأوسلو وواشنطن. ولم ينس الأمير عبدالله أن يؤكد للإدارة الأمريكية بأن السعودية توافق على ما يوافق عليه الفلسطينيين، إلا إن قدم هؤلاء تحت الضغوط أكثر مما ينبغي فإن المملكة العربية السعودية لن توافق على ذلك، وهي ستعلن للعالم كله عن موقفها المعارض.

لقد كان مشروع السلام في المنطقة، هو بدوره، محوراً أساسياً في جولة سمو ولي العهد. فهو حفظه الله لم يقتصر في بحثه ومناقشته على الولايات المتحدة وحدها، بل لقد طرحه قوة وثقة مع كل الزعماء والقيادات السياسية والفعاليات الاقتصادية والثقافية التي التقاها في جولته في غير أمريكا أيضاً.

وهو سبق أن أعلن رأيه صراحة بشأن المبادرة الفرنسية المصرية فيما يتعلق بعملية السلام مؤكداً ضرورة أن يكون لأوربا دور فاعل. وهو قال في تصريحات صحفية بأن أوربا تعد تجمعهً اقتصادياً وسياسياً هائلاً، وله نفوذ سياسي كبير لا يستهان به، وبوسع أوربا أن تقوم بدور أكثر فاعلية في عملية السلام “ونحن نأمل أن تقوم بهذا الدور”.

أما قادة دول جنوب شرق آسيا فقد ناقش معهم سموه ما يلاقيه شعب فلسطين من ظلم وجور، وأبدى لهم جميعاً قلقه المستمر حيال عرقلة عملية السلام على يد نتنياهو “المتعجرف” وحكومته ودق أطلعهم على كل ما دار حول هذه المسألة مع القادة الغربيين في فرنسا وبريطانيا وأمريكا.

لقد تضمن البيان السعودي الصيني قلق الدولتين حيال عملية السلام، وأكد على ضرورة تمسك الأطراف المعنية بنصوص الإتفاقيات المعروفة، ووضع إسرائيل أمام الالتزامات الدولية بدون مماطلة.

وكما أكد الكثير من المراقبين، فإنه نظراً للمشكلات الخارجية والداخلية التي كانت تشغل أمريكا، وبالتالي الغرب كله، فإن عملية السلام في الشرق الأوسط لم تكن – قبل زيارة الأمير عبدالله – تشكل أولوية رئيسية، لكن الجولة الميمونة أعادت التأكيد على أهمية قضية الشرق الأوسط، وعلى ضرورة أن تعود عملية السلام إلى صدر جدول الأعمال الغربي.

 مدينة القدس:

وحين يتحدث السعوديون عن مشروع سلام في الشرق الأوسط فهم لاي يستطيعون أن يتجاهلوا مدينة القدس. لأن المدينة المقدسة شرط أصيل في السلام الذي تريده السعودية في المنطقة، فهذا ثلاث الحرمين الشريفين، وهي تعرف موقعه من قلوب المسلمين ووجدانهم. ونتيجة لمحادثات سمون مع القادة الصينيين فقد وافق هؤلاء أخيراً على تغيير موقفهم م القدس فهم لم يريدا في البداية – حسب مصادر مطلعة – التطرق لموضوع القدس باعتباره قضية متروكه لمرحلة المفاوضات، إلا أن الجانب السعودي تمسك بضرورة مناقشة موضوع القدس معهم، فأكد البيان الختامي على أهمية قضية القدس، وضرورة الامتناع عن اتخاذ أي إجراءات من شأنها التأثير على مفاوضات الوضع النهائي.

وذكرت مصادر أمريكية أن قضية القدس نفسها هي التي أخرت إصدار البيان النهائي عن الزيارة لعدة ساعات. فقد أبدت الولايات المتحدة في البداية رغبة بتجاهل القدس في البيان، غير أن الأمير عبدالله أصر على أن يشملها البيان.

لقد دخل سمو الأمير عبدالله في حوار ملح مع القيادات الأمريكية حول موضوع القدس وما تمثله بالنسبة للعرب والمسلمين. فالعلاقة الخاصة بالولايات المتحدة الأمريكية، وكذا أهمية مساندة مشروع السلام في المنطقة، كل ذلك لا يعني التنازل عن المسائل الأساسية، وفي مقدمتها القدس. لا بل إن تسوية موضوع القدس يعتبر حجر الزاوية في إشادة السلام العادل الشامل المتوخي، وذلك من وجهة نظر السعوديين على الأقل.

لقد قال سمو الأمير عبدالله في تصريحات في شأن القدس “لقد استطعنا إيجاد تفهم من قبل الزعماء الذين التقيناهم حول أهمية المدينة المقدسة”.

إن المتابعين لمواقف المملكة من قضية الشرق الأوسط يلتقون دائماً بموقف السعودية الواضح تجاه القدس عربياً وإسلامياً، وهم لا يتوقعون بأي حال موقف مغاير من الدولة التي تضم بين جنباتها مقدسات المسلمين وحرميهم الشريفين (مكة المكرمة والمدينة المنورة).

 أمن الخليج ومشكلات أخرى:

لقد احتشدت الملفات التي حملها سمو ولي العهد معه في جولته العالمية بمشكلات عديدة متفجرة، أو هي تتهيأ للإنفجار. وهو طرحها مع القيادات والفعاليات السياسية التي التقاها – وفقه الله – لأن مثل هذا الدور هو الدور الموائم لمكانة المملكة ولثقلها ولموقعها المتميز في منطقتها وفي العالم بأسره. إن مشكلة الهند وباكستان تقلق السعودية لما يمكن أن تجره من ويلات على المنطقة برمتها. وأن مشكلة كوسفو هي الأخرى تقلق السعودية لما يعانيه المسلمون هناك من عنت عنصري مقيت، وهي حاولت أن تعيد هذا المشكلة إلى مكانها الطبيعي في سلم أولويات الحكومات الغربية ولاسيما وهي تدرك أن الناتو لم يقم بأي عمل حاسم لاحتواء المشكلة أو حلها.

أما إذا اقتربنا من منطقة الخليج نفسها فإن أمن الخليج واستقراره مسألة تهم السعوديين بالدرجة الأولى، فهي تتحسس باستمرار الخطر العراقي، وما يمكن أن يفعله صدام حسين لإعادة المنطقة إلى مزيد من الاضطراب والتوتر. وظهور الصراع الأفغاني – الإيراني بعد تفجيرات الهند وباكستان لقنابلهما النووية، وتخلخل الأمن في آسيا الوسطى .. هي كلها أزمات تؤثر على أمن الخليج.

لقد سمي ولي العهد السعودي بأمير الانفتاح السعودي – الخليجي على إيران، وقد قال سموه في تصريحات صحفية: “لقد بدأنا مع إيران صفحة جديدة في العلاقات، تقوم على الحوار والمصارحة والتشاور، والتجربة تبشر بالخير، خاصة إذا استمرت إيران في انتهاج الاعتدال الذي بدأت في انتهاجه” وكأن سموه يشير في هذا إلى التغييرات في المواقف والتصرفات الإيرانية بعد انتخاب الدكتور محمد خاتم رئيساً للبلاد، وبعد تبنه سياسات معتدلة تجاه الخليج الدول الغربية.

ولا شك أن هذه الصورة الجديدة لإيران تهم المملكة خصوصاً، وتهم العواصم الغربية كلها بشكل عام.

لقد شهدت الساحة الدبلوماسية تحركات وجهود كبيرة يقودها سموه، ومهمتها الأساسية تحسين العلاقات بين السعدية وإيران، فهما دولتان مسلمتان متجاورتان، يحتم عليهما هذا الوضع استغلال الفرص الإيجابية، وتجنب المخاطر التي قد تلحق الضرر بالطرفين معاً.

كل هذه الملفات الساخنة كانت في حقائب سمو ولي العهد أثناء جولته العالمية. وقد قال ميرفي – مشيراً إلى الوضع في إيران والوضع في العراق أن الرئيس كلينتون والمسؤولين في إدارته مهتمون بسماع وجهة نظرهم في القضايا المتعلقة بالعراق وإيران، خاصة أنها هو من بدأ العمل لتطبيع العلاقات بين لاسعودية وإيران في لقائه مع الرئيس الإيراني هاشمي رفنسجاني في المؤتمر الإسلامي الذي عقد في الباكستان” وقال ميرفي أنه متأكد “من أن الرئيس كلينتون سيعبر عن أمل الولايات المتحدة في تطبيع علاقاتها مع إيران، وأن تبدأ حواراً رسمياً معها، لا عبر قنوات غير رسمية، أو عبر وفود ثقافية ورياضية. وأن الرئيس كلينتون سيؤكد للأمير عبدالله أنه لابد من حل الخلافات التي لا تزال قائمة بين واشنطن وطهران.

وطبقاً لمصادر أمريكية، فإن الأمير عبدالله أكد على ضرورة استخدام لغة أكثر تشجيعاً مع إيران.

إن ترتيب العلاقة مع إيران أمر مهم جداً لأمن الخليج واستقرار وتعاونه. وبقدر ما تكون إيران مهمة في هذه المعادلة فإن السعودية هي الرقم الأساسي فيها. فقد طلت، بكل ما أوتيت من قوة ونفوذ تدرأ عن منطقتها المخاطر والتوترات. وهي بذات العقيدة تقوم بالمهمة نفسها في المواقع البعيدة عن الخليج إلى حد ما، فهذه المواقع مهما افترضنا بعهدها الجغرافي عن منطقة الخليج فهي حتماً ستؤثر على الأمن والسلام فيه. لقد أقلق السعودية كثيراً التوتر المتصاعد بين إيران نفسها من جهة وبين حركة طالبان في أفغانستان من جهة أخرى، وهو التوتر الذي شب إثر مقتل تسعة دبلوماسيين إيرانيين في مزار شريف، وكان ينذر بعواقب وخيمة للطرفين، ومخاطر قد تطال المنطقة كلها. وقد حاولت المملكة التدخل في تهدئة الطرفين منذ بوادر الأزمة. إذ دعا خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز الطرفين إلى ضبط النفس، فيما نشط سمو ولي العهد في محاولة لمنع الانفجار. وهو حمل معه هذا الهم أثناء جولته العالمية. فالأمريكيون قالوا للسعوديين إن حدوث حرب بين الطرفين من شأنه أن يهدد التيار الإصلاحي في إيران، وهو التيار الذي يقوده الرئيس الجديد محمد خاتمي. والفرنسيون علقوا أهمية خاصة على دور الأمير عبدالله في إطفاء الفتنة الأفغانية، الإيرانية، لأنهم يرون في تاريخ الأمير عبدالله السياسي، كما تؤكد العديد من المصادر، قدرة على مواجهة مثل هذه الأمور “فمواقفه المعروفة في قضايا مشابهة في الخطورة أدت إلى فك صواعق انفجارات إقليمية وأمنية واجتماعية.

إنه في ذات الوقت من غير الممكن أن يكون هناك مباحثات تتعرض إلى أمن الخليج دون الوقوف طويلاً أمام الشأن العراقي. فمعضلة صدام حسين هي أم المعضلات. فمن جهة، يظل الرجل مصدر تهديد حقيقي لمستقبل الأمن الخليجي. ومن جهة أخرى، فإن العقوبات المفروضة على العراق تنك إلى حد بعيد المستوى المعيشي للشعب العراقي، وهي تضعه في ظروف شديدة القسوة. والموقف السعودي كان واضحاً منذ أن شرع مجلس الأمن في تطبيق العقوبات على العراق، وهو ينصب على التفريق بين صدام حسين الذي يجب أن يجرد من كل أنواع الأسلحة التي تهدد أمن المنطقة، بل تهدد السلام العالمي برمته، وبين الشعب العراقي العربي المسلم الذي رزيء بهذه القيادة الشريرة التي تأخذ بتلابيبه من كارثة إلى كارثة، ومن دمار إلى دمار. إن السعودية وغيرها من دول العالم المنصفة تحمل صدام حسين مسؤولية كل ما يتعرض له شعب العراق من ويلات، ولعل ممارساته المكشوفة، في تعطيل مهمة لجان التفتيش الدولية، هي واحدة من الممارسات الحمقاء التي يدفع الشعب العراقي كل يوم وكل لحظة ثمنها الباهظ. وقد شاهدنا ذلك بالفعل ممثلاً في القصف الجوي الذي تعرضت له مؤخراً المواقع العسكرية في العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.

لقد كانت المملكة العربية السعودية ضد التدخل العسكري ي العراق. وقد أعلن السعوديون ذلك في المحافل الرسمية والإعلامية في العالم كله، وهذه السياسة هي السياسة التي حملها سمو الأمير عبدالله معه أثناء جولته العالمية.

الرئيس العراقي لم يتعلم أبداً من أخطائه، وقد أصر على أن يبقى مصدر خطر دائم يهدد استقرار المنطقة، ولم يتردد الرئيس شيراك والأمير عبدالله في أن يعبرا عن أسفهما تجاه سلوك بغداد فيما يتعلق بالتعاون مع الأمم المتحدة حول إزالة أسلحة الدمار الشامل، وقد حذرا الرئيس العراقي من أن ذلك من شأنه أن يطيل أمد المحنة التي يعاني منها شعب العراق.

وفي الصين صدر البيان الرسمي المشترك الذي أعلن في ختام الزيارة مؤيداً للموقف السعودي، وهو الموقف الذي يطالب العراق بالتعاون مع الأمم المتحدة.

لقد كانت الصين وروسيا وفرنسا تبذل جهوداً كبيرة مع العراق كي يستأنف التعاون مع لجنة التفتيش الدولية للأمم المتحدة، لأنها كانت تقدر تماماً مخاطر التسويف العراقي الذي كان ينذر بالخطر الشديد، وهو ما حدث فعلاً فيما بعد.

إن دول العالم المؤثرة، ومعها السعودية، كانت صادقة في إحساسها بالقلق الشديد إزاء العراقيين، لكنها – كلها – كانت تتفق على أن الوحيد القادر على درء الخطر عن العراق هو صدام حسين نفسه عندما يلتزم بتنفيذ القرارات الدولية.

لقد كان الزعماء والقيادات السياسية التي التقاها سمو الأمير عبدالله في جولته تعطي أهمية خاصة للأفكار السعودية تجاه الشأن العراقي بالذات.

أولاً: لأن السعودية هي الدولة الكبرى في الخليج، وهي مقر مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وهذا الإقليم بالذات هو المتضرر الأكبر من أنواع المخاطر التي يجسدها ويهدد بها صدام حسين.

ثانياً: أن السعودية بالذات تشترك في 84 كيلو متراً في الحدود مع العراق.

ثالثاً: أن السياسات السعودية في مواجهة مثل هذه التحديات عرفت دائماً بالتعقل والحكمة وضبط النفس وتقدير العواقب ومراعاة المصالح العليا للمنطقة.

رابعاً: أن السعودية تربطها صلات طيبة بالعرب الذين اشتركوا في التحالف الدولي لخراج الجيش العراقي من الكويت، وتربطها نفس الصلات بالعرب الآخرين الذين لا يكتمون امتعاضهم الشديد، بل إحباطهم الواضح، من ازدواجية المقاييس في تعامل الغرب – وأمريكا خصوصاً – مع أنواع المخاطر التي تهدد المنطقة.

لاشك أن القيادات السياسية البارزة التي التقاها سموه في جولته، وتباحث معها حول أوضاع الخليج، يهمها، أمن الخليج، وذلك لمصالح بينة تربطها بهذه المنطقة من جهة، ولما يمكن أن يسببه أي اضطراب في هذا الجزء من الكوكب من تهديد أو زعزعة للسلام العالمي كله من جهة أخرى.

لقد كان أمن الخليج من المحاور الرئيسية في جولة سموه، وليس له إلا أن يكون كذلك. فالعالم ينظر إلى المملكة بوصفها عنصراً أساسياً للاستقرار في المنطقة كلها.

 العلاقة الخاصة مع أمريكا:

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وبعد أن أفلت شمس الحرب الباردة، فأصبحت أمريكا تتفرد بكونها القوة المتفوقة مطلقاً في العالم، رأى العديد من دول العالم أن تغير من سياستها تجاه القوة الأولى، فانتقلت من معسكر إلى معسكر آخر مختلف، وتنازلت عن أيديولوجيا وعن مواقف مبدئية كانت تدافع عنها وتموت من أجلها، فلعبة المصالح أضحت تتطلب مثل هذه الإجراءات من التغيير.

المملكة العربية السعودية لا يمكن أن يقال عنها مثل هذا الكلام، فقد ظل موقفها أكثر نقاءً من غيرها. فهي ارتبطت بعلاقات تقليدية قديمة مع الولايات المتحدة، تحكمها مصالح واضحة للطرفين، وتتسم باحترام متبادل يضمن كامل الشروط السيادية وشروط استقلال القرار. فالمملكة لم تدخل إلى هذا المستوى الجيد من العلاقة مع أمريكا عبر الأبواب الخلفية، وهي لم تأت إلى البلاط الأمريكي بعد تفرده بالقوة، كما كان حال غيرها، بحيث تكون علاقاتها بأمريكا علاقة ذيلية أو علاقة تابعة، لقد ارتبطت المملكة بعلاقات جيدة مع أمريكا وهي تملك كل فرص الخيار الآخر.. أي قبل أن يتلاشى ذلك الخيار.

ولقد قال سمو الأمير عبدالله في عقر دار الأمريكيين، وهم المتفردون بالقوة، بأننا نقبل على الحوار، ونهيئ المناخ الملائم للتعاون، دون أن يمس ذلك قناعتنا الأساسية، فيما يتعلق بمصالحنا الخاصة في دولتنا، أو فيما يتصل بإقليمنا في الخليج، أو فيما يخص منطقتنا العربية والإسلامية.

ووسائل الإعلام الأمريكية تعتبر السعودية دولة من أكثر المتشددين في شروط السلام مع إسرائيل، فهم الأكثر تشدداً حتى من الفلسطينيين أنفسهم، على الرغم من علاقاتهم الخاصة بأمريكا التي تواصل السعي لفرض السلام على المنطقة بمواصفاتها هي، وبمواصفات إسرائيل الخاصة.

ولقد تضررت جراء ذلك مصالح سعودية كثير في أمريكا نفسها، ولم تنجح الحرب الصهيونية ضد السعودية في أمريكا في أن تغير من مواقفها أي شيء. ولم تؤثر صداقة السعوديين مع القيادات الأمريكية أي تأثير من شأنه أن يزحزح تلك المواقف.

إن مما تأخذه أمريكا ووسائل إعلامها على السعودية هو عدم تقديمها أي شيء باتجاه التطبيع مع إسرائيل. والأمير عبدالله كما هو الثابت في السياسات السعودية يرى أن الصداقة مع الولايات المتحدة يجب أن لا توضع في خانة التعارض أو التناقض مع المواجهات مع إسرائيل والتصدي لها مادامت مستمرة في سياسات الظلم والتهديد والاستيطان وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة. بل إن السعودية ترى أن عمق العلاقات التي تربط أمريكا بها، ولاسيما في الجانب الاقتصادي، تحتم – كما هو المفترض على الفعاليات السياسية في أمريكا أن تراجع جذرياً سياساتها في الشرق الأوسط.

إن هذا هو التقويم الطبيعي الموضوعي العادل لعلاقة السعودية بأمريكا. فهي علاقات ليست طارئة، ولم ترتبط بالتغيرات التي طالت موازين القوة في العالم. فعن إيمان حقيقي بمصالحها البينة حافظة المملكة على علاقتها بأمريكا حتى في ظل المواجهات مع الاتحاد السوفياتي أيام قوته. فقد عرف عن المملكة لخلافها الأيدلوجي مع الروس أنها “استخدمت وضعها الخاص في العالم الإسلامي لدر المحاولات السوفياتية الرامية إلى عزل الولايات المتحدة خلال المرحلة الأخيرة من إسدال الستار على الحرب الباردة، إذ لعبت دوراً رئيسياً في بعض الجوانب مثل تحرير أفغانستان من الهيمنة السوفياتية.

والمملكة من جهتها تدرك أن الولايات المتحدة تقوم بالدور الأساس في تشكيل النظام العالمي الجديد، وهي من مصلحتها أن توطد علاقاتها التقليدية القديمة بالقوة التي أصبحت متفردة، وأن تشارك في تغذية النشاط الجديد الذي بدا آخذاً في تشكيل التصورات الجديدة للعالم الجديد.

وفضلاً عن القضايا السياسية والإقتصادية التي تهم الجانبان، ولاسيما مشروع السلام في الشرق الأوسط، وأمن الخليج وانخفاض أسعار البترول، وفتح المجال لاستثمارات جديدة في السعودية، فهناك أمور أخرى كان لزيارة الأمير عبدالله الأثر البالغ في جلائها أو إعادة ترتيبها بما يكفل مصالح الطرفين، ومن تلك الأمور:

أولاً: أن الزيارة – وفق مصادر صحيفة متعددة أسهمت في تبديد التصور القائم التي رسخته وسائل الإعلام الأمريكية من أن السعودية “مملكة منغلقة” فقد اغتنم سمو ولي العهد الزيارة “لتذكير الأمريكان بأن المملكة تدرك تمام الإدراك أنها تعيش عصر التغيير العاصف والسريع في ميادين الحياة، ولقد وردت كلمة التغيير أكثر من ثلاثين مرة في أقوال وتعليقات ولي العهد في عدة مناسبات رسمية. وقد أكد سموه بأن المملكة عازمة على اتخاذ التغيير حليفاً لصوغ وبناء مستقبل أفضل” ويرى المراقبون أن جولة سمو ولي العهد كانت جزء من خططه الموسعة لاستقبال القرن الجديد وما يحمله من تحديات.

ثانياً: أن الزيارة أسهمت في دحض ما هو سائد في وسائل الإعلام الأمريكية أيضاً “من أن الأمير عبدالله يتزعم التيار المناهض لأمريكا في المملكة” وهذا من شأنه أن يؤكد، حسب تلك الوسائل، وجود نوازع عداء للولايات المتحدة. وهذا بطبيعته يقلق الأمريكان ويثير الكثير من فضولهم.

لقد قدم الأمير عبدالله نفسه في هذه الزيارة كصديق للغرب، وعندما سئل من قبل مجلة تايم الأمريكية عما يقال من أنه معادٍ لأمريكا، أجاب: “أؤكد لكم أنني أقدر تماماً العلاقات المتينة والعميقة التي تجمع بين بلدينا”.

إن ما تراه القيادة السعودية هو أن هناك اختلافات طبيعية في سياستي البلدين، ولكن ذلك لا يمكن له أن يهز أساس الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين. وهي شراكة صمدت زمناً طويلاً يمتد إلى أكثر من خمسين عاماً، واتسمت بالثبات والاستمرار والاحترام المتبادل. ويرى مراقبون أنها تجاوزت دائماً كل الأزمات أو الاختبارات التي مرت بها. وإذا ما أريد ترجمة ذلك إلى أمور محسوسة، ومصالح محسوبة، فإن بعض المصادر تذكر أن الولايات المتحدة هي أكبر شريك تجاري للسعودية، ولها من الاستثمارات في هذه الأخيرة ما يمثل 43 في المائة من جملة الاستثمارات الأجنبية فيها، وهناك 36 مشروعاً مشتركاً في السعودية، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين حوالي 25 بليون دولار عام 1966م مع فائض تجاري للسعودية بلغ 719 مليون دولار حتى النصف الأول من عام 1997م.

وأمريكا ذاتها تقدر تمام التقدير العلاقات مع السعودية ومستواها، وجون سنونو كبير موظفي البيت الأبيض في ولاية بوش يصف تلك العلاقة بأنها ” واحدة من أهم العلاقات لأمريكا في العالم كله”.

لقد كانت زيارة سم ولي العهد إلى أمريكا “زيارة تاريخية حقاً”.. فهذا ما قاله السيد كاسبار واينبرجر وزير الدفاع الأمريكي الأسبق في تصريحات له حول الزيارة، وقد ثني على هذا الوصف عدد من كبار الشخصيات الأمريكية.

إن العلاقة الخاصة مع أمريكا، وهي العلاقة التي زادت في صقلها زيارة سمو ولي العهد، من شأنها أن تجعل كل خطاب يوجه من المملكة إلى الولايات المتحدة خطاباً له صداه وأثره الفعال، وهو ما يفيد في النهاية قضايا العرب وقضايا المسلمين في كل مكان.

إن الزيارة هي “تأكيد على التقدير العالمي الذي تحظى به المملكة العربية السعودية” فهذا ما قاله – في تصريحات صحفية – السيد ساندي بيرغر مستشار الرئيس الأمريكي لشئون الأمن القومي، وهو قول ينسجم مع كل ما لقيه سمو ولي العهد من حفاوة وإكبار.

   العلاقات  مع عواصم القرار الأخرى:

إن الملفات التي حملها معه سمو ولي العهد في جولته العالمية.. هي كلها ملفات لقضايا تهم، بدرجة كبيرة أيضاً، عواصم القرار الأخرى في هذا العالم، مثل لندن وباريس وبكين.

فالأمير عبدالله قام من منطقة تشهد بؤراً عديدة للتوتر، وبلاده تلعب دائماً دوراً مهماً تهدئة تلك التوترات، وفي تعميم الاستقرار بشكل عام، هذا فضلاً عن أن المملكة تربطها علاقات طبيبة ومحترمة ووثيقة بتلك العواصم.

ففرنسا تولي أهمية كبرى لمنطقة الخليج للمصالح الإستراتيجية المعروفة، وهي تطمح إلى تفعيل الدور الفرنسي في مسائل الشرق الأوسط كلها، إنطلاقاً من سياستها المبنية على قيام عالم متعدد الأقطاب.

إن السعودية – تحديداً – تعتبر – وفقاً لبعض المصادر – أول زبون وأول مصدر لفرنسا من بين سبع عشرة دولة في الشرق الأوسط والأدنى. والتبادل التجاري بين فرنسا والمملكة ارتفع حجمه بصفة منتظمة “إلا أنه أبرز عجزاً هيكلياً في عام 1997م مقداره 7.6 بليون فرنك فرنسي ويعود ذلك إلى مشتريات فرنسا الهائلة من البترول”.

أما بالنسبة إلى لندن فقد أوضح سمو ولي العهد بأن العلاقات معها “تعود إلى نشأة الدولة السعودية الحديثة على يد القائد المؤسس جلالة المغفور له الملك عبدالعزيز آل سعود” وقد تميزت تلك العلاقات دائماً بالصداقة والتشاور المستمر. والعلاقات السعودية البريطانية اليوم تستند إلى دعائم متينة: سياسية، وتجارية، ودفاعية، وثقافية، والمراقبون يصفون تلك العلاقات بأنها تسير سيراً ممتازاً، وهي تشهد تطوراً مطرداً زادته زيارة سمو ولي العهد الكثير من الحيوية والديناميكية الضروريتين أو اللازمتين لمزيد من التعاون بين الطرفين.

وقد وصف اللورد غيلبرت وزير الدولة البريطاني لشئون المشتريات الدفاعية زيارة سمو ولي العهد لبريطانيا – وفق بعض المصادر الصحفية – بأنها “زيارة هامة وتاريخية، وتأتي تتويجاً لعلاقات الصداقة والتعاون القائمة بين البلدين منذ عقود طويلة. وقال: إن ثمار هذه الزيارة ستنعكس إيجابياً على كافة أوجه التعاون السياسي والاقتصادي والدفاعي والثقافي بين السعودية وبريطانيا”.

والبريطانيون يشاركون في برنامج التوازن الاقتصادي بــ 100 مشروع تبلغ استثماراتها 400 مليون جنيه إسترليني، وقد وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 1996 إلى 20 بليون ريال، وتجاوز خلال النصف الأول من هذا العام 3 بلايين دولار. وهو – وفق بعض المصادر – يمثل زيادة ملحوظة عن الفترة نفسها من العام الماضي. كما زادت الصادرات السعودية إلى بريطانيا بنسبة 5 في المائة.

أما الصين فإن زيارة سمو ولي العهد تمثل تتويجاً لنقطة التحول الكبيرة التي طرأت على علاقة البلدين في 21 يوليو 1990م وهو التاريخ الذي بدأت فيه العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وقد سبقت ذلك جهود كبيرة لرجال الأعمال السعوديين، وذلك من أجل دعم التعاون الاقتصادي بين البلدين من خلال التبادل التجاري بين الطرفين، الذي بلغ – وفق بعض المصادر – 1.86 بليون دولار في 1997م ومن المتوقع أن يصل إلى 5 بلايين دولار في السنوات المقبلة.

والاتصالات بين بكين والرياض استمرت حوالي عقدين من الزمان، وقد كشفت عن هذه الاتصالات صفة صواريخ “رياح الشرق” التي نوعت المملكة بمقتضاها مصادر التسليح فيها، وكانت تلك الصفة من الأمور المهمة التي مهدت الطريق لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين فيما بعد.

لقد أسهمت زيارة سمو ولي العهد إلى بكين في إرساء قواعد أكثر صلابة لعلاقات مطردة التطور بين الصين والمملكة، وهي أعطت دفعة قوية للنمو الملحوظ في مجالات التعاون المشترك بين البلدين. وهذا أمر يهم المملكة تخصيصاً في مجالات التعاون المشترك بين البلدين. وهذا أمر يهم المملكة تخصيصاً ويهم دول المنطقة على وجه العموم. فالصين اليوم هي القوة الآسيوية الأولى بلا منازع، وهي أخذت وتأخذ مكانها الفسيح بين القوى الدولية الكبرى المؤثرة في مستقبل هذا الكوكب، وهي بناءً عليه سيظل لها رأيها المسموع في مجمل القضايا التي تشغل عالمنا اليوم. وقد اتفقت المملكة والصين على الارتقاء بالعلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية في الميادين السياسية والاقتصادية.

وقال سمو الأمير عبدالله أثناء زيارته للصين “بأن الصين كسبت احترام العرب” داعياً بكين إلى القيام بدور أكبر في الشرق الأوسط.

وقال رئيس الوزراء الصيني “إن الزيارة بمثابة فصل جديد من الصداقة والتعاون بين البلدين”.

وعلى الرغم من أهمية الحوار السياسي مع طوكيو من أجل تعزيز فرص السلام في الشرق الأوسط إلا أن المراقبين وصفوا زيارة سمو ولي العهد للعاصمة اليابانية بأنها اقتصادية بالدرجة الأولى “خاصة وأنها تأتي بعد فترة من التوترات والأزمات الاقتصادية التي شهدتها منطقة شرق آسيا، وامتد تأثيرها ليشمل قارة آسيا من أقصاها إلى أدناها” وقد أكد البيان المشترك الذي أعقب الزيارة الوجه الاقتصادي الأكثر بروزاً في جدول الأعمال السعودي الياباني، إذ دعا إلى زيادة الحوار والتبادل الاقتصادي بين المملكة واليابان. وقد ذكرت بعض المصادر الصحفية أن اليابان تستورد 22 في المائة من احتياجاتها النفطية من السعودية، وأنها تستثمر في السعودية 5.8 بليون ريال سعودي، وهي تعتبر الشريك التجاري الثاني للسعودية، وبلغ حجم التجارة بينهما 13.660 بليون دولار في عام 1996م.

 خاتمة:

إن من أهم ما نجمت عنه جولة سمو ولي العهد العالمية تأكيد ثقل المملكة العربية السعودية السياسي والاقتصادي على مستى خريطة القوى الدولية المؤثرة، فهي جددت الشعور بهذا الثقل وصقلته وأكسبته أبعاداً إستراتيجية تمثلت في الندية والتوازن في الحوار، وفي مستقبل التعاون، سواءً على المستويات الثنائية أو على المستوى الذي يطال استقرار شعوب العالم ورخائها.

لقد تحققت – إذن – مكاسب كبرى للمملكة وللعرب والمسلمين في هذه الجولة، فهي من جانب، أعادت قضايا العرب والمسلمين إلى بؤرة اهتمام عواصم القرار في هذا العالم. وهي من جانب آخر، أبرمت للمملكة صفقات صداقة واحترام من الوزن الثقيل. إذ شهدت عواصم القرار مجدداً عراقة الدبلوماسية السعودية وثباتها ووضوحها ومدى قوتها وتأثيرها. وهذا من شأنه أن يعزز موقع المملكة في مجريات القرار الدولي ومحافله، ومن شأنه أيضاً أن يجلي الكثير من التشويش الذي قد يعلق بالموقف السعودي من قضايا عالمنا المعاصر. وهي قضايا شائكة ومعقدة في مجملها.

إن جولة سمو الأمير عبدالله تجديد للعهد بمبادئ السياسة السعودية النظيفة، وهي ترسيخ لعلاقات احترام وتعاون مع عواصم العالم، ستنعكس حتماً بالإيجاب على مستقبل الأجيال ولاسيما في منطقتنا التي لم يعد يقلقها الشأن السياسي وحده، ولكن أيضاً الشأن الاقتصادي الذي يكتنف مستقبله بعض الغموض والكثير من التساؤلات الحاسمة.

لقد هنأ خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز الأمير عبدالله بمناسبة نجاح جولته العالمية وما حققته من إنجازات مشهودة، وقد جاءت تلك التهنئة في سياق جلسة لمجلس الوزراء السعودي عقدت في نهاية الجولة، فكانت تلك التهنئة بمثابة تأكيد على جوهر السياسة السعودية الثابتة من مجمل القضايا التي بحثها وناقشها سمو ولي العهد مع القيادات والفعاليات السياسية التي إلتقاها أثناء جولته.

إن القراءة المنصفة لجولة سمو ولي العهد لابد أن تفضي إلى الكثير من المعاني والدلالات الحافلة بالأمل وبالمستقبل الأجمل للتعاون مع شعوب العالم ودوله، في عصرٍ تداخلت فيه المصالح، وتشابكت في عناصر الآتي. وهو، لاشك، عصرٌ يحتاج إلى مزيد من الحوار.. ومزيد من التفاهم.. ومزيد من التسامح والتصافح!.