ورقة عمل
قدمت في الندوة التي نظمتها جمعية ” الإعلام والاتصال ” تحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير/
نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية ورئيس المجلس الأعلى للإعلام.

بقلم: د. فهد العرابي الحارثي

ألغى عالم اليوم، كما نعرف جميعاً، ضوابط الجغرافيا، وهو أوهن تقاليد السيادات الوطنية أو القومية، وأضعف قيمها.
لقد خلق عالم اليوم فرصاً أوسع لتمازج الثقافات بين الشعوب والأمم المختلفة، ومن ثم هيأ لتداخلها وتقاطعها، وذلك بفعل الثورة التقانية المتواصلة، ولا سيما في مجال الاتصالات، وبفعل تأكيد المفهومات الجديدة للعلاقات الاقتصادية والسياسية بين دول الكوكب، وكل ذلك إنما يعبر عنه الآن بمصطلح  ” العولمة ” . والعولمة شبكة معقدة من تداخل، معقد أيضاً، لفعاليات إنسانية كثيرة، الإعلام واحد منها.

ولاشك أن هناك انحيازاً شديداً في إنجازات العولمة، وذلك طبعاً باتجاه الغرب، وباتجاه الولايات المتحدة تحديداً ، وهذا ما يسمى أحياناً بـ ” الأمركة ” التي لا تعني سوى فرض النموذج الثقافي، و( مؤخراً على وجه الخصوص) النموذج السياسي والحضاري الأمريكيين على كل ما سواهما. وهذا ما يحدد بعض ملامح التطلعات الأمريكية نحو تدشدين النية الصريحة، بل إطلاقها قوية، باتجاه تحقيق طريقتها في “الهيمنة” ، وهذا وذلك يتأكد اليوم، بما لا يشبه أي وقت مضى، من خلال التصرفات العسكرية البحتة التي بدأت في أفغانستان، تحت غطاء الحرب على الإرهاب، وهي مرّت على العراق، بدعوى تجريده من أسلحة الدمار الشامل، ودفعه إلى الأخذ بالديمقراطية، وإلى إعادة بناء علاقاته مع جيرانه والعالم، وذلك بعد تغيير نظامه.

وما يهمنا الآن – أي في هذه المرحلة من البحث – هو أن منطقتنا العربية، تحت ضغوط 11 سبتمبر، وتذرعاً بنشوء مفهوم جديد للعلاقات بين الشعوب والثقافات، أحسبها ستقع لا محالة فيما ظللنا في أشد حالات القلق حياله، وأشير هنا إلى البحوث والدراسات المتعددة التي حذرت دائماً من محاولات مسخ الثقافات الخاصة ، أو إلغائها، أو تدميرها ، بحجة الاستجابة لدواعي العولمة، أو رضوخاً لضغوطها، أو هي بالأحرى دواعي ” الأمركة ” التي أضحت تهدد اليوم الكثير من الشعوب والثقافات، بما في ذلك الشعوب الغربية الأخرى، في أوربا ذاتها، مثل فرنسا والمانيا وغيرهما. ولم تخف تلك الشعوب الأوربية قلقها الشديد تجاه اجتياحات الثقافة الأمريكية، فهي تعدها من المخاطر المحدقة التي لا مناص من مقاومتها، حفاظاً على ” الخاص ” الأوربي في تنوعه، وفي ما يسوده، في داخله، من تعددية واختلاف. ولم تعد دواعي الأمركه تقتصر اليوم على غوايات الثقافة الشعبية في أمريكا، مثل الموسيقى والسينما والكوكاكولا والجنز وخلافه، بل هي أضحت تمتد إلى مستوى هزّ الذراع العسكرية ، أو التلويح بأنواع العقوبات الأخرى، بغرض فرض الاذعان والرضوخ، وبغرض تحقيق الامتثال لمزاج القوة الجديدة.

لا نظن أنه قد تبلور اليوم، عند العرب، خطاب ثقافي، صلب ومتماسك، يستطيع أن يدفع، بمنطقهة ومنهجهة، إلى تحقيق التوازن المطلوب بين ” الخاص ” وغير الخاص في الشأن الثقافي في عمومهة ، أي ذلك التوازن الذي يحمي الثقافات المحلية، في الوقت الذي يخلق لها بالمقابل ما هو ضروري من فرص الانسجام والمقاربة والاحتكاك والتلاقح مع ثقافات العالم الأخرى . ونحسب أن الأمم التي ستقاوم إغراءات العولمة ، أو بالأحرى تحدياتها ، هي أمم قليلة، ليس فقط لأن غوايات النظام العالمي الجديد هي من السحر بحيث تضطر الأمم الهشة إلى التنازل عن ثقافتها، ولكن أيضاً لأن الإصرار لدى الطرف المتفوق الذي يروم الهيمنة يبدو من القوة بحيث لن يتورع في استخدام كل ما لديه من وسائل الضغط، بل الإكراه، من أجل أن تتم له الغلبة، فيعمم نموذجه، ويجعل منه ” الموديل ” الذي ينبغي أن يقتدى به الآخرون، وأن ينسجوا على منواله. وبالتالي لا يقتصر حضور الطرف المتفوق على الحضور العسكري أو على مدى النفوذ السياسي، بل أكثر من ذلك يمتد إلى الحضور الملحوظ في المخيال الإجتماعي، وفي ثنايا الوجدان الجمعي، والمعاش اليومي للجمهور.

وهكذا فإننا نحسب أن الخطاب الإعلامي العربي، من جهته، لم يستطيع بعد، هو الآخر، أن يرسم لنفسه طريقاً واضحةاً من أسلوب التعامل مع القادم الجديد : (االعولمة، ) وبالتالي من التحديات الثقافية والنفسية التي أوجدتها أحداث 11 سبتمبر. وهو – أي ذلك الخطاب – ظل مرتبكاً ومتنازعاً  بين الرغبة في تعزيز فكرة التعايش مع الثقافات الأخرى، والخوف من تفاقم الهجمة على التراث الخاص، مما قد يمس الثوابت، ويمسخ الهوية، ويشوه الوجدان الجمعي ، وهو ما يسبب له من الخلل ما يفقده توازنه، وما يقتضي، من غير ذلك، من تأثيرات أخرى عكسية، قد يكون العنف نفسه أحد وسائلها في تعبيرها عن ذاتها، وربما يكون هذا العنف أكثر ضراوة مما شاهدناه في أحداث 11 سبتمبر نفسها.

إن ما قرأناه مؤخراً عن الأحداث التي جرت في نيجيريا ( نوفمبر 2002م )( التاريخ .. ) على إثر إحدى مسابقات الجمال، يؤكد إمكانية الوصول إلى مثل هذه تلك النتائج المأساوية الشنيعة، أي التعبير بالعنف عن بعض الاحتقانات الضغينيه تجاه الاجتياح أو التسلط أو الإذلال أو التحقير، فلمجرد أن كاتباً تجرأ أو تواقح وذكر النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما يليق بمكانته من وجدان المؤمنين به فقد فاق عدد القتلى المائة قتيل، فضلاً عن العشرات من الجرحى، . أما مسابقة الجمال نفسها فقد انتقلت إلى عاصمة أخرى، إذْ لم يكن من الممكن متابعتها في بيئة ثقافية أصبحت، بعد الحادثة، متوترة، ومستنفرة. وهي أصبحت كذلك لأن الخطاب الذي رافق المسابقة كان خطاباً استفـز  ” الخاص ” عند النيجيريين، فضلاً عما تشي به فكرة المسابقة في ذاتها من تحديات أخرى ثقافية، صارت عبئاًأثقلت على وجدان الناس، وصارت بالأحرى عبئاً عليه، ولا سيما بعد أن تفجر الموقف على النحو الذي ذكرنا أعلاه، فكانت النتيجة، بعبارة أخرى، المواجهة، أو المصادمة، بين هو يتين مختلفتين، أو ثقافتين متعارضتين. وكل شيء اليوم أصبح يغري بمثل هذه المواجهات أو المصادمات، ولا سيما في الحالات التي تظهر المزيد من التشوف أو الغطرسة، وهما اللذان قد يعبر عنهما أحياناً بتحقير هوية الآخر، أو التعرض لها بالاستهجان أو الإهانة، وهو الوضع الذي تواجهه اليوم ثقافة العرب ودينهم من لدن المتجبر الأمريكي على وجه الخصوص، يقابل ذلك مروق فاضح واضح على كل ما يرمز إلى ” المتجبر ” أو المستبد المثقل بالعاهات النفسية، والأوزار الأخلاقية في التفكير وفي السلوك.

ولاستكمال الصورة فإن هناك وجهاً أخر للخلل في التصورات المتبادلة التي يكتنزها كل طرف عن الطرف الآخر.

ولقد أضحى ذلك الخلل في التصورات  يطال الآن المثقفين أنفسهم، فهو لم يعد مقتصراً على إنسان الشارع العادي ( في كلا الجانبين الشرق الإسلامي وأمريكا ) فالصورة السلبية التي رسمت في الرأي العام الإسلامي والرأي العام الأمريكي عن الثقافة والمجتمع في كلا الجانبيـن ( بالتقابل )  أدت إلى تضاؤل فرص التفهم للخصوصيات الثقافية في الجانبين عند الطرفين، فالصورة التي رسمناها في الثقافة الجماهيرية عن المجتمع الأمريكي، والغربي عموماً، لا ترى إلا الفساد الأخلاقي، ومجتمع الشواذ، والمنظمات التي يسيطر عليها اليهود، وتلك التي لا شأن لها سوى حياكة المؤامرات ضد المسلمين . أما صورة العالم الإسلامي ( السعودي خصوصاً ) عند الغرب فهي قهر المرأة وغمطها حقوقها الفردية والمدنية، وهي المجتمع القبلي بكل تناقضاته واخفاقاته الحضارية، وهي أيضاً البترودولار والنفط، وفق ما عبر عنه صراحة توماس فريد مان عندما قال: ” السعودية لم تمثل قط للأمريكان أكثر من كونها محطة وقود كبيـرة “. ثم فوق هذا كله فإن الثقافة الإسلامية هي ثقافة إرهاب وعنف وكراهية.
ولابد أن نؤكد هنا إن الخطاب الإعلامي عند العرب، فيما يتعلق بالشأن الثقافي، هو حتى الآن ليس أكثر من ” ردة فعل ” يغلب عليها الانفعال وبعض نوازع الشوفينية، وغرضها ليس أكثر من المصادمة الوقتية الفقاعية لمواجهة الانقضاض المكثف القادم من الخارج باتجـاه   ” الخاص ” الضارب باطنابه العميقة في الداخل. ولم ينشأ بعد الخطاب المنهجي الموضوعي الذي يسهم بالفعل في إعادة ترتيب تصوراتنا حول ” الخاص ” وحول فرص نموه ، والذي في الوقت ذاته يدعم الأفكار التي تعزز علاقات متوازنة مع الآخر ، ومع ثقافاته ، ومع مقترحاته  من أجل المستقبل. ، وربما لهذا السبب نشعر بأن العولمة ذاتها صارت عنصراً جديداً من عناصر الخلاف بين الشرق الإسلامي والغرب .

ونذكر من جهة ثانية أن ذلك الشرق ظل دائماً يحتفظ للغرب بذكريات تاريخية مريرة : حربية و استعمارية، ليس من شأنها غير إذكاء كوامن الخصومة التقليدية بين الطرفين . فالحروب الصليبية، والوجود الإستعماري للغرب، مازالت ذكرياتها حية في الأذهان، فإذا ما تمّ فحص أغراض العولمة وأهدافها فإن ذلك يعني أن المواجهة القادمة ستكون أكثر شراسة من المواجهات السابقة. فماذا يمكن أن تفعل ثقافات تتصف، في أدواتها ووسائلها على الأقل، بالبدائية أمام ثقافة ممتلئة بالغوايات التي ليس من أهونها الغواية التقانية التي جلبت معها ما يسمى اليوم بعصر المعلوماتية الذي يأخذ بمجامعه الغرب ذاته.

وهكذا فإن فرص الإرتياب في علاقة الطرفين تصبح أكثر بكثير من فرص الاطمئنان . ويصعب على الغرب نفسه أن ينسى التطلعات الكامنة عند أهل الرسالة لإعادة نشر رسالتهم ، فتعد لتعود بذلك الإمبراطورية التي، لسعتها ورخائها، حيثما تمطر سحاباتها فإن الخراج سيكون للخزينة الواحدة. هذا فضلاً عما يتخلل دائماً الخطاب الديني، على وجه الخصوص، عند أصحاب الرسالة، من الحاح على التناقضات، والخلافقات، وفرص التربص، وفكرة ” المؤامرة ” والغزو الحضاري والفكري، وغير ذلك مما يصاحب في الغالب بالدعوة إلى المقاومة، ورفض كل ما يقدمه الآخر، والحذر الشديد في الحوار معه، بل إعلان الجهاد عليه باعتباره ” الكفر ” الذي لا يمكن أن ينسجم أو يلتقي مع ” الإيمان ” .

ولا يبتعد خطاب الليبراليين، في توجهه العام، عن مثل هذه المرتكزات في هجاء الغرب والتنديد به، ولا سيما عندما يتعمد ذلك الغرب المساس بالوطنية، أو الاستقلال القومي. فالغرب، عند هؤلاء، هو الاستعمار، والاستعباد، ونهب الخيرات، وتبديد المقدرات. وأمريكا، من جهتها، هي السيطرة والهيمنة والإذلال والظلم والقهر والاحتلال والحروب المعلنة، فضلاً عن دعم العدو ومساندته.

. وهكذا فإن فرص الارتياب، بل العداء، في علاقة الطرفين تصبح أكثر من فرص التفاهم والاطمئنان .

ومن قبل أن يقال بأن الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا ، ومن بعد ذلك ، فقد ظل يتنازع العلاقة بين الطرفين توجهان : واحد يقول بالمواجهة ، لأنه يفترض التناقض وبالتالي حتمية الصدام ( هذا من جهة الغرب ) أو لأنه يؤمن بواجب ” الجهاد ” ويعتقد في ضروراته التاريخيـة ( من جهة العرب أو المسلمين ) أما التوجه الآخر فيرى أن المصلحة تقتضي مدّ جسور التفاهم والحوار على أساس الاحترام المتبادل . ونحسب أنه ينبغي على العقلاء من الطرفين أن يأخذوا، اليوم بالذات ،بهذا التوجه الأخير، ونحن المسلمين يلزمنا أن نؤكد على هذا الموقف أكثر ممن سوانا ، لأن خسارتنا ، في حالة الأخذ بما هو غير ذلك ، ستكون نهائية، و لاسيما في ظل الموبقات الكثيرة التي تغرق فيها منطقتنا بأكملها.

إنه لا يجب أن نخفي ، إذن، أن العلاقة بين الشرق الإسلامي  والغرب كانت دائماًَ علاقة حذر ، وأحياناً كثيرة تميل إلى العداء . فالخطوة الأولى للشرق الإسلامي باتجاه الغرب كانت في الأندلس، وكانت خطوة تحمل ” فكرة ” هي الإسلام ، لكن يبدو أن هناك من ظل يعد تلك الخطوة نوعاً من أنواع ” الاحتلال ” الذي يسميه المسلمون من طرفهم ” فتحاً “. أما خطوة الغرب الأولى باتجاه الشرق الإسلامي فكانت أكثر وضوحاً ومباشرة في التعبير عن نفسها ، ونعني هنا الحروب الصليبية. وحسب تعبير بعض المفكرين ، فالمسلمون هكذا – في نظر أنفسهم – حملوا إلى أوربا ” الدين ” أما الغرب فلم يحمل إلى بلاد الإسلام سوى “الحرب” ،  وقد استمرت تلك الحرب ” يوم كانت أوربا معنية بصحة الرجل المريض، فلما شفي صارت معنية بتمدين البلدان المنتزعة من الدولة المريضة عن طريق الإنتداب. واقتطعت فرنسا واحدة من أغلى البلاد السورية هدية وترضية للمريض التركي الذي تعافى ، بينما قطعت بريطانيا وعداً لتقديم وطن لليهود فـي فلـسطيـن ” ( الوطـن 11/9/1423هـ ) .

على هذا النحو ظلت تتشكل بعض ملامح علاقة الغرب بالشرق، فهي علاقة لم تتصف قط بالنقاء في نظر المؤرخين المنصفين. فاذا اعتبر المسلمون (العرب خصوصاً) أن الوجود الإسرائيلي مناط أصلاً بإرادة غربية محضة ، وأن الغطرسة والقهر والظلم الذي تمارسهة الدولة العبرية على الفلسطينيين والعرب جميعاً لا يحرك ساكناً في وجدان هذا الغرب الذي يهدف دائماً إلى كسر شوكة الإسلام ، فأي الصفات المحتملة يمكن أن نختارها لعلاقة الطرفين اللذين يقفان على شفير العداء من جهة، أو الحذر الشديد من الجهة الأخرى . وكأن القراءة المتفحصة، غير المتفائلة،  للتاريخ تقول: إنه مهما قدر للمصالح أن تدوم لتغطي هذا الجمر المتوقد من العداء أو الحذر، فإنه سيأتي اليوم الذي تبهت فيه تلك المصالح أو تتعدد بدائلها، أو يحل محلها سواها، أو تتواري، لتتيح الفرصة لجمر التاريخ أن يعاود الظهور والتوقد وفي أساليب وأشكال مغايرة أو مختلفة، لعل منها ما يهيأ له اليوم في المنطقة من قبل القوى التي ترى أن من مصلحتها التعجيل بجني الثمار، ولا سيما إذا ما عززت تلك الرغبة بثقة شديدة وغير منازعة في التفوق، بل في القوة المطلقة اللازمة لتحقيق الأهداف، مع الحفاظ على حجم المصالح، بل ربما الزيادة فيها، أو إعطاؤها ما يتوجب لها من الضمانات، حتى لو جاء ذلك عن طريق رعاية تلك المصالح مباشرة، أي بوضع اليد عليها، كما يجري الآن التحضير له على مشارف خليجنا العربي من قبل أمريكا الجديدة، ذات الأطماع الأكثر سعة، والأكثر رحابة مقارنة بأمريكا السابقة. .

نضيف إلى ما تقدم موضوع انتهاء ما كان يشغل الرأسمالية والليبرالية من صراع حاد مع الاشتراكية، وأنواع الحكم الشمولية، ممثلة في حصنها الحصين: الاتحاد السوفياتي الذي انهار ، ومن ثم انهيارت  أيضاً نظريته، وبالتالي ثم انهار كذلك حلفاؤه في كل مكان ، وهذا ما أتاح  للغرب الالتفات بكل الجوارح إلى الخصم التقليدي التاريخي .. أي الشرق الإسلامي ، وقد بشر بالمواجهات الجديدة عدد من المثقفين في الغرب، مثل صامويل هنتنجتون صاحب ” صدام الحضارات ” وفوكوياما صاحب. ” ونهاية التاريخ “، وهي النهاية التي كانت آخر نقطة فيها هي انهيار الاتحاد السوفياتي، كما يرى مفكر غربي آخر هو فوكوياماوهي نقطة، تحتاج إلى أخرى للاستئناف، وتكون هي الطريق الجديدة إلى فرض هيمنة قطعية للنموذج الغربي، ثقافياً وحضارياً، ليس هنا فحسب بل في العالم كله ، و المثال الأوحد للنموذج الذي يروم الهيمنة هو المثال الأمريكي مرة أخرى، بصرف النظر عما يقربه أو يبعده من النماذج الصغيرة الأخرى في الغرب نفسه.

وبهذه المناسبة فإن مصطلح الغرب يزداد غموضاً ، كلما تقدم بنا الوقت، وكلما زاد النموذج الأمريكي تضخماً ، فهل الغرب يعني أمريكا بداهة ، أو أنه يعني أمريكا وغيرها (( في أوربا مثلاً ) ومن هي أوربا بالتحديد؟ هل هي أوربا القديمة التي، بانتفاضتها الأخيرة في وجه مشروع الهيمنة الأمريكية، أزعجت رامسفيلد وزير الدفاع ، وأزعجت من هم وراءه من صقور السياسات الجديدة في البيت الأبيض؟ أم أنها أوربا الأخرى التي مابرحت حتى الآن تنفض عنها غبار الاشتراكية، وغبار بعض المواجهات الداخلية، استعداداً للانتقال إلى عالم جديد؟.

أجل! فمصطلح الغرب يزداد غموضاً، في  ) هذا في الوقت الذي تريد فيه الولايات المتحدة أن تكون هي الأحرى بالتفوق  و”غيرها ” هو الأجدر بالتضاؤل، ومن ثم الدخول تحت عباءتها وطلب السلامة، حتى لوكان هذا ” الغير ” هو الشق الآخر من الغرب : سواء الاتحاد الأوربي، أو أوربا الأخرى ” الجديدة ” التي لم تصبح بعد أوربية ،، وهذا ما يظهر معنى التململ، أو  عدم الارتياح، أو أحياناً التمرد لدى بعض الأوربيين القدماء ( ولا سيما فرنسا وألمانيا ) حيال التصرفات الأمريكية التي تعتمد سياسات الاستئثار بالمغانم، وإلغاء حتى ” الشركاء ” التقليديين وإقصائهم.

إن أوربا القديمة تريد أن تكون الحليف الأول لأمريكا، ليس فقط للتوافق الأيدلوجي والسياسي والاقتصادي، ولكن أيضاً استجابة لدواعي القوة، في مظاهرها المختلفة، التي تمثلها الولايات المتحدة. إن أمريكا بالنسبة إلى دول الاتحاد الأوربي هي الصديق الذي ” ليس من صداقته بـدّ ” فهي نموذج الحليف القوي الذي يربط أوربا به مصالح كثيرة، واستراتيجيات قريبة وبعيدة، ولكنه، في الوقت ذاته، حليف ” مستبد ” أناني في تفكيره،ة متغطرس في سلوكه، وهذا ما يسبب الانزعاج الشديد منه، وما يكون في أصل الدوافع إلى التمرد، أحياناً، عليه، كما حدث في مرحلة متقدمة من مراحل التحضير للحرب الأخيرة على العراق . فلا نظن أن وراء ذلك التمرد ( من فرنسا وألمانيا خصوصاً ) دوافع كلها إنسانية أو قانونية، بل إن الأرجح هو الخوف من تضخم الأنا الأمريكية، والخوف أيضاً من أن يصبح اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية هو الأسلوب الأقرب والأمثل لبسط الهيمنة السريعة في أي مكان، والخوف أخيراً من أن تستأثر أمريكا بكامل الكعكة من المغانم ( البترول وغيره ) فلا تعطي شركاءها إلا الفتات. هذا إن لم يصل الأمر إلى مستوى أن يكون مفتاح ” الصنبور ” بيد السيد الأمريكي مباشرة، فهو الذي يهب من يشاء، وهو الذي يمنع من يشاء. وهذه النتيجة هي، في واقع الأمر، إحدى التصورات المطروحة بكامل الجدية لمستقبل الهيمنة الأمريكية التي تجعل من مستقبل منطقة الشرق الأوسط والخليج مرحلة مفصلية فيها، وليس المقصود أوربا وحدها بل إن الهدف أيضاً هو الصين واليابان وكل نمور آسيا.

أن تفوق النموذج الغربي في مثاله الأمريكي، قد حدد ، بحسب الأطروحات الغربية ذاتها، طريقه إلى فرض هيمنته القطعية، وهذه الطريق هي: الإسلام والمسلمين، الخصم الجديد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر لتقدم أجمل هدية كانت يتنتظرها مخططوا السياسات الأمريكية الذين لا يحيدون عن هدفهم الاستراتيجي، وهو هيمنة أمريكا على الكوكب باجمعه. وبغض النظر عن الأضرار البليغة التي نتجت عنها تلك الأحداث الأليمة في حينه فكانت فقد كانت تلك الأحداث ذاتها هي المسوغ الأكثر منطقاً،  والأظهر عدالة، للانقضاض على الخصم الجديد : الإسلام والمسلمين، وذلك أمر يظهر للملاحظ بوضوح شديد على الرغم من كل ما قد يبديه الساسة من خلاف ذلك، سواء في خطبهم أو تصريحاتهم، مما يُظن بأنه يبعد الصراع عن حومة صدام الهويات، أو المواجهة بين الحضارات والثقافات. لا بل إن هذا النوع من الصراع قد وجد نموه، بل فرص تفاقمه،عند صناع القرار أنفسهم في الولايات المتحدة، فهم كلهم من الذين لا يخفون انتماءاتهم الدينية المتعصبة، وهم يعزون تصرفاتهم إلى إلهامات الهية، بمن في ذلك الرئيس جورج دبليو بوش نفسه. ولا شك أن تأكيد مثل هذه المرجعيات في تحديد نوع العلاقات مع شعوب أخرى تنتمي إلى تراثات مختلفة هو منهج يفترض من بداياته تعارضاً في الهويات، وهو يشي بإمكانية المواجهة في حالة المقاومة، بل أنه يضفي حتى إلى المصادمة عندما يتحول إلى خطر يهدف إلى الإلغاء أو الإقصاء..

ربما لم يكن صدام الهويات، في مرحلة ما، واضحاً بكل هذا المستوى من الوضوح في أذهان الإداريين في المحيط السياسي ، على الأقل مقارنة بالأغلبية التي وقعت في فخ الأيدلوجيات الجديدة: الهيمنة الليبرالية مطلقاً! أو بناءً الإمبراطورية الأوحد، التي هي أمريكا بطبيعة الحال . لكن تفاعل الأحداث ، وتطوراتها المفاجئة ، في خضم الحرب على الإرهاب، أعطت مجالاً أرحب لتنمية أبعاد موضوع الخصومة الجديدة ، وهي الخصومة التي وضعت المسلمين وجهاً لوجه أمام فوهات المدافع الغربيـة ( الأمريكية على وجه الخصوص ) .

فالخلايا النائمة لـ ” القاعدة ” ولأسامة بن لادن – بعد أحداث 11 سبتمبر وبعد أفغانستان – هي في نظر الغرب  تعبير صريح عما يضمره الإسلام والمسلمون من عدائية للغرب، ولحضارته، ولقيمة، ولمفهوماته، ولطرق تفكيره في إنتاج المستقبل، وبالتالي فإن تلك العدائية هي عدائية للمغاير مطلقاً في الثقافات الأخرى. وفي التأويل الغربي فإن الفرصة لم تسنح من قبل ، مثلما سنحت اليوم  للتعبير كي يعبر الإسلام عن تلك العدائية، أو كي يحولها أو يترجمها إلى أفعال يكون ضحاياها هؤلاء القتلى من الأبرياء في كل مكان يوجد فيه أناس ينتمون إلى المغاير الحضاري والثقافي. وهذا المغاير هو، اليوم  في حالتنا هذه، أمريكا التي يضعها يعزز وضعها في هذا الموقع أنها، إلى جانب كونها القائد المستبد، فهي أنها لا تماري مطلقاً في الإسهام في قهر العرب، وإذلالهم، وامتهان كرامتهم، وتسفيه تاريخهم، وغمط حقوقهم، وإهدار دمائهم، وذلك كما هو الأظهر الأعم عن طريق دعمها اللامحدود لإسرائيل.

وإن أسامة بن لادن، أو جميع المنتمين إلى القاعدة، في أفغانستان أو خارجها، هم – في نظر الغرب – نتاج ثقافة جامدة، آسنة، منغلقة على نفسها، ترفض، بل تحارب، كل ماهو منتمٍ إلى بيئات حضارية أخرى، فوهي لا تبدي أي رغبة، أاو ليست على استعداد، لإظهار أي نية للتعايش مع الثقافات المغايرة، لأنها تؤمن بأن     ” الحقيقة ” هي حقيقتها وحدها، وأن ماهو خلاف ذلك لا يستحق – في نظرها – سوى التدمير، أثراً كان أو بشراً. وهذا هو مفهوم ” الجهاد ” عند المسلمين كما يتأوله الغرب ذاته . وما أسامة بن لادن ، أو القاعدة كلها ، بناءً عليه، الا الذراع العسكرية المسلحة لثقافة الإسلام ، أو لموقف الإسلام من المغاير الحضاري والثقافي.

وهكذا ، وبفعل الضغط الشديد، كثافة ونوعاً، هجوماً على الإسلام، ، فقد أمست الجماهير في الغرب تعيش حالة تعبئة عامة لمواجهة كل ما هو عربي أو إسلامي، واعتبرت أن البلدان الأكثر إسلاماً – إن صح التعبير– مثل السعودية هي الأكثر عداء لها، والأشد اضطغاناً عليها، فإذا أضيف إلى الحالة السعودية أن (15) من (19) شاباً الذين شاركوا في أحداث 11سبتمبر هم سعوديون، يكون الحس في هذه الحالة أكثر استعداداً لقبول فكرة جهنمية مثل فكرة وضع بلاد الحرمين، بتراثها وأهلها، موضع العدو الحضاري رقم ( 1 ) في مستقبل العلاقة مع الغرب، بل ربما مستقبل العلاقة مع العالم كله، أو أن هذا الهدف هـو  – على الأقل – هدف خصوم السعودية، والمستفيدين من تدهور علاقتها بالغرب، وبأمريكا تحديداً . ويأتي في مقدمة هؤلاء الصهاينة في أمريكا، وحلفاؤهم من المسيحيين المحافظين وغيرهم.

لقد أدت أحداث 11 سبتمبر إلى أن فتح الرأي العام الغربي عموماً، والأمريكي خصوصياً، عينيه واسعتين على كل حركة أو سكنه عند العرب، فهو يظهر نفسه وكأنه يواصل اكتشاف عالم لم يكن معروفاً لديه كما ينبغي أن تكون المعرفة، فهي كانت إما سطحية غير مكترثه، أو هي مخادعة مخاتلة، وفي كلا الحالين فهي غير حقيقيه، والدليل هو ما كشفت عنه إحداث نيويورك وواشنطن من عداء دفين وخصومة سوداء حاقدة ضده، بل ضد كل موروثاته ومنجزاته ومكتسباته.

ولتأجيج مثل هذه المشاعر، وللمساعدة في تنمية معرفة المجتمع الأمريكي بالإسلام، ثم بالعرب، وبطريقة تفكيرهم، وبمنهجهم في التعامل مع غيرهم، وبموقفهم من السلام في منطقتهم وفي العالم،  فإن هناك من المنظمات والمعاهد ( مثل معهد أبحاث إعلام الشرق الأوسط : ممري ) من أخذ على عاتقه أن يتكفّل بترجمة كل ما يقال وكل ما يكتب عن العرب عموماً وفي السعودية خصوصاً، من مشاعر العداء تجاه أمريكا، وتجاه الغرب، وتجاه حضاراتهما، بل حتى تجاه المشترك العام في ثقافتنا وثقافتهم .

والثقافة الغربية اليوم ، بهذا العقل الواقع تحت هذا النوع من المؤثرات ، تحولت ، كما يصفها أحد المفكرين، إلى ثقافة أمنية، لا ترى في الآخر المسلم إلاّ الإرهاب والعنف فتعمل على نبذه واقصائة ، وتعلن بالتالي حقها في تأديبه، وتمدينه، وأخذه إلى الطريق الصحيح ، أو السبيل النيرّ المستقيم. وهذا ما تبرر به أمريكا تدخلها العسكري في المنطقـة    ( العراق نموذجاً ) وهو ما ستبرر به تصرفاتها القادمة التي ستطال دولاً أخرى، بغض النظر عن نوعية الوسائل واختلاف الأساليب.

و الحملات الأمريكية تتركز في مجملها على الإسلام من جهة، وعلى معقلهة الأول، تاريخاً وواقعاً، وهو السعودية من الجهة الأخرى.

وكان الهجوم في على السعودية لا يبتعد في مقوماته الأساسية عن علاقة النظام، والناس أنفسهم، بالإسلام. فالمؤسسات التي يصدر عنها الهجوم على السعودية تعمل بكل ما في وسعها على تطوير فكرة غاية في السوء والخطورة، وهي أن السعودية بيئة ” ثقافية ” منتجة للإرهاب . فإلى جانب البيئة الطبيعية الصحراوية المتسمة بالجلافة والقسوة فـإن   ” الوهابيين ” تبنوا شكلاً متجهماً من أشكال الإسلام، انعكس بالتالي على توجه علاقات الناس بأدوات الحضارة الجديدة، أو بالأحرى علاقاتهم بالثقافات المغايرة . فإذا أضيف إلى ذلك الحديث عن غياب الديمقراطية، أو ضعف المشاركة السياسية، وغمط حقوق المرأة ، وسوء توزيع الثروات،ة وعدم تطوير سبل الإفادة منها، فإن النتيجة التي يراد إلى الوصول إليها هي أن السعودية بكل المقاييس – وفق هذا التصور – تعد بيئة خصبة لتوالد الإرهاب، ولنموه ولتكاثره. وهذا يعني أن من يقوم بهذا الهجوم، أو من يسانده ويغذيه يهدف بوضوح إلى خلق أوضاع جديدة، قلقة ، متشككة، في هذه الدولة التي عرفت باستقرارها، وبتسارع عجلة التنمية في تجربتها المعاصرة مع التطوير والتحديث. وهي لو كانت على شيء مما يروج له خصومها لما استطاعت أن تحقق ما حققته في معدلات التنمية، ولما استطاعت أن تصل إلى ما وصلت إليه من انخفاض لمستوى الجريمة في الداخل، ومن تشييد لهذا البناء المتين لأقوى وأرسخ العلاقات مع أصدقائها في الخارج، ولعل في طليعة هؤلاء المجتمع الأمريكي نفسه، بكل ما فيه من اختلاف، وبكل ماهو عليه من تقاليد حضارية وقيم ثقافية مغايرة، فالسعوديون آووا الأمريكيين في ديارهم سنوات طويلة ( أرامكوا مثلاً ) والمجتمع الأمريكي استقبل أبناء السعودية، وعلمهم، وأعطاهم الخبرة، دون أن يشوب ذلك النوع من التعاون أي شائبة مشينة وكان ذلك لأكثر من سبعين سنة.

وكان من أقسى وأغبىصى ما وصلت إليه الحملات ضد السعودية الأطروحة التي قدمها لوران موراوديك ( الباحث في مؤسسة راند )  إلى مجلس استشاري في وزارة الدفاع الأمريكية، ودعا فيها إلى اعتبار السعودية، التي طالما عوملت كأوثق الحلفاء لواشنطن في العالم الإسلامي، العدود رقم ( 1 ) ثم نادى بتقسيمها، وفصل منطقة مكة المكرمة عنها، وكذلك المنطقة الشرقية الغنية بالبترول، وذلك لأضعافها معنوياً ومادياً ، من أجل التخفيف من خطرها المحدرق ليس فقط على أمريكا والغرب، بل على العالم كله . وعندما اتهم بالمبالغة في تصوراته عن السعودية، وفي الأطروحة التي بنيت على تلك التصورات، قال: الجميع يعرف الدور المركزي للسعودية في شبكة الإرهاب الإسلامية العالمية، ثم ذكر أن 15 من أصل 19 من انتحاريي 11 سبتمبر كانوا سعوديين، وأن عقلهم المدبر مليونير سعودي … (يعني بن لادن) ، وأن الأموال التي يحصلون عليها هي أموال سعودية، فالسعودية ( يلمح إلى الجمعيات الخيرية أو أعمال البرّ الفردية ) فالسعودية – في نظره – شجعت الأصولية المتطرفة في مختلف أنحاء العالم، وهي المسؤولة ، بمعنى ما ، عن الكثير من التصرفات الإرهابية فوق الكوكب، وهي استغلت عائداتها النفطية الهائلة لتمويل الهيمنة العالميةهيمنتها على الكثير من المؤسسات الإسلامية والجوامع في مختلف أنحاء  العالم، وتحويلها إلى معاقل للأصولية. والسعوديون – في نظر موراوديك –  أهم أحد اثنين: أما شخص مستعد للقيام بمغامرات كبيرة من أجل فرض نموذجه على سائر العالم مثل أسامة بن لادن، أو أنهم شخص أخر قد يرفض أساليب بن لادن، ولكلنه، في الأقل، متعاطف مع رسالته. وقد لاقت دعاوى موراوديك وأفكاره استهجاناً في الأوساط الأمريكية ذاتها، لما اتسمت به من حقد وتطرف ومغالاة، وقد أدى ذلك إلى ما سمي بـ ” الطرد المهذب ” لموراوديك من مؤسسة ” راند كوربوريشن” التي تعتبر أحخد أرفع مؤسسات البحث في واشنطن. وكان في مقدمة من أعلن رفضه أفكار موراوديك الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش نفسه، كما رفضها مسؤولون أمريكيون كبار، وقالوا أنها لا تعبر عن رأي الإدارة الأمريكية. وكان لمن ممن أنتقد أفكار موراوديك هذه هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق، و بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأسبق، وريتشارد هاس مدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريكية.

والباحث الموضوعي مضطر للنظر إلى مثل هذه الأطروحات بكثير من الحذر، فموراويك هو نتاج بيئة ثقافية لها مفهوماتها، ولها تصوراتها عن علاقتها بالبيئات الثقافية الأخرى، وهو إنما تأوَّل التصرفات السعودية منطلقاً من تلك المفهومات والتصورات. كما أن موراويك يتحرك في مناح سياسي له أطيافه، وله بدائله في التحليل والاستقراء، وهو إنما خلص إلى موقفه ذاك لأنه يدرك أن البيئة التي أقام عليها أطروحته لها منطقها في شكل ما من أشكال التحليل، وإن ذلك المنطق لينتمي فعلاً إلى ذهنية عدائية، ولكنها ذهنية موجودة وقائمة على كل حال، فلا ينبغي إذن أن نعزل موراويك عن محيطه، وعن مقومات تفكيره، فنعتبره صوتاً مفرداً ينطلق من فضاء غير معلوم أو غير معروف، فهو، بناء عليه، فضاء شاذ، طفيلي، غير قابل بالتالي للنمو. إن من الخطأ أن ننساق وراء مثل هذه الفكرة، ثم نغرق في ما قد تشي به من أوهام أو خيالات مريحة. بل لعل من اللائق بنا موضوعياً أن ننظر إلى مثل هذه الأطروحات بعين الجدّ، فنتوقف عندها، ونفحصها، وننقدها، ونقوضها، ونحتاط لها، وللبيئة التي انطلقت منها.

والباحث الموضوعي أيضاً مضطر للتعامل مع تصريحات الإدارة الأمريكية والسياسيين الآخرين بما يوجبه أو يحتمه سياقها الموضوعي، وهو السياق الديبلوماسي الذي لا ينتمي بالضرورة إلى مواقف ثابتة، بل إنه بالأحرى مرتهن لمواقف متغيرة، تتبدل وتتلون بحسب تحركات أحجار المصالح، وبحسب مقتضيات أولويات الاجندات السياسية . ولابد أن نستقبل ما يصدر من إشارات في تصريحات المسؤولين الأمريكيين، فيما يتعلق بمنطقتنا كلها، بكثير من الاهتمام والتحليل والنقد، ايجابية كانت تلك الإشارات أو سلبية، إذ لا ينبغي أن نغفل من حساباتنا أيضاً الإشارات التي توحي بالتوجه الأمريكي إلى إعادة تشكيل المنطقة، وإلى إعادة ترتيب أوضاعها، وربما إلى فرض بعض التقاليد السياسية عليها، وهذا هو ما ينسب إلى مسؤولين أمريكيين تنفيذيين في الإدارة الحالية. فكل هذه الأمور يجب أن تكون خاضعة للتحليل والتقويم والاستعداد وأخذ الحيطة.

وواضح أن الحملات الموجهة إلى السعودية كان هدفها إضعاف موقفها على الساحة العالمية، من حيث كونها دولة مؤثرة في الأحداث المتعلقة بمنطقتها على الأقل، كما كان هدف تلك الحملات أيضاً التأثير على مستوى العلاقات المقوية الاستراتيجية التي تربطها بالولايات المتحدة منذ أكثر من سبعين سنه، فهي تنوي – أي تلك الحملات – قلب تلك العلاقات من علاقات صداقة إلى علاقات عداء ( ثقافي على وجه الخصوص ) بحيث يوحي الموقف النهائي بأن مقومات تلك العلاقات هي مقومات هشة لأنها تواري تحتها تناقضات موضوعية يصعب اخفاؤها لزمن طويل، ومن هنا يجيء الحديث عن البرنامج المفتوح في الإصلاحات المطلوبة من السعوديين، ابتداءً من المناهج التعليمية، وإنتهاء بالإصلاحات السياسية وفق التقاليد الغربية، إذْ المطلوب، في هذا المستوى من الرؤية، تخفيف حدة التناقضات، فلا تتضمن المقررات الدراسية ما يذكي أو يعزز تلك التناقضات ويؤكدها، ويتم التركيز على ثقافة التسامح، وعلى نقاط المشترك العام بين الشرق والغرب، وتنسحب هذه الرؤية على المنهج المتوخي لمنابر الرأي الأخرى، إعلامية وثقافية، مما له التأثير اللازم في تشكيلات وعي الناس، وفي تكوينات وجداناتهم الجمعية. هذا فضلاً عن أهمية الاقتراب ما أمكن، في نظر هؤلاء،. من التقاليد السياسية المأخوذ بها في الغرب، وقد يشمل ذلك الفلسفة والمنهج والإجراءات. وبهذا يكون من السهل تشييد فرص أسهل وأيسر للتفاهم والتعاون، وهو ما قد يدرأ إمكانية اللجوء إلى المواجهة وفرض تلك المطالب عن طريق ضغوط القوة. ومثل هذه الدعوات تشمل، من حيث المبدأ، أموراً ينبغي التفكير فيها ومعالجتها والأخذ بها مادامت ستساهم في خلق أرضية معقولة للتفاهم والتعاون من أجل خير الأطراف كلها، ولكن شرط أن يأتي ذلك عن طريق قناعة المستهدفين وليس فرضاً عليهم؛ وشرط أن لا يؤدي ذلك إلى نتائج غير محمودة على مستوى إرباك الهوية، أو تشويهها، أو مسخها. وشرط أن تتقدم بدائل “الخاص” على مقترحات أو مشروعات الآخر في كل الظروف.

نعم لقد جعلت الحملات نصب أعينها دين السعودية، وتاريخها، وكل رموزها الحضارية والثقافية. واشترك في هذه الحملات كل المستفيدين من أضعاف علاقة السعودية بأمريكا والغرب عموماً. وكان من أبرز ما قيل في تلك الحملات عن العلاقات السعودية الأمريكية: أن الولايات المتحدة تحتاج إلى النفط السعودي، ووكانت إن السعودية، من جهتها، تحتاج إلى السوق الأمريكية، كما تحتاج إلى علاقة مميزة مع الإدارات الأمريكية المتوالية على مختلف الحقب. فالسعودية هكذا لم تكن أكثر من ” محطة بنزين ” عملاقة، بل هي الأكبر في العالم، و السياسة الأمريكية بالتالي كانت تهدف إلى الارتباط بمحطة البنزين تلك، والسعودية تحتاج إلى الارتباط بصديق قوي بحجم الولايات المتحدة، يوفِّر لها، فوق كل الاعتبارات الأخرى، الحماية اللازمة، ويضمن لها الدعم الذي من خلاله تستطيع أن تدحض المتربصين بها.

إن تحجيم العلاقة بين السعودية وأمريكا إلى هذا المستوى المزايد وغير البريء مقصود به تسطيح تلك العلاقات، وبالتالي تسهيل فك الارتباط بها في أي وقت.  كما يقصد به إقصاء أي أفكار قد تذكّر بالدور الذي لعبته السعودية – مثلاً – في مواجهة التيار الشيوعي الذي كان لا يرضى بديلاً عن الاستقرار في مياه الخليج الدافئة، ابتداءً من المساهمة في مقاومة الحركات الثورية اليسارية التي ظهرت في بعض دول المنطقة، وانتهاء بالاشتراك المباشر في مهمة ( حرب ) إخراج الاتحاد السوفياتي من أافغانستان، إلى ما هنالك من أوجه التعاون والتفاهم الكبيرين بين الولايات المتحدة الأمريكية والسعودية في مواقع أحداث أخرى ليس هنا مكان التفصيل فيها. فالاستراتيجية السعودية كانت تلتقي مع الاستراتيجية الأمريكية في الأفكار التي كان يعتقد الطرفان انها تضمن مصالحهما، وتهيء للاستقرار والسلام الدوليين وفق مفهومات سياسية وثقافية راسخة عززت من فرص المشترك العام بينهما.

ولا يرى يظهر مانعاً أصحاب تلك الحملات أي مانع من أن يروا نتائج حملاتهم حرباً شاملة ضد السعودية، وهم، في هذه الحالة، سيعتبرون ذلك جزءاً من الحرب ضد الإرهاب. فهذه واحدة من أطروحاتهم التحريضية الحاقدة المشينة، فالولايات المتحدة، كما هو الطرح في صراع الهويات، لن تكون آمنة – في نظر هؤلاء – مادامت هناك مدارس وجوامع تعلم الناشئة الكراهية ضدها وضد ثقافتها وحضارتها. ولن تكون الولايات المتحدة آمنة أيضاً مادام هناك رجال ونساء أثرياء، لديهم مبالغ هائلة من أموال النفط، وهي تحت تصرفهم، ويستطيعون أن يكرسوا جزء منها للإرهاب!!

وفي الوقت الذي تعرض فيه معقل الإسلام إلى كل هذا الهجوم المنظم في حملات لم نشهد لها مثيالالاًً، قوة وشراسة، كان من الطبيعي أن يكون الإسلام نفسه موضوعاً للقدح والانتقاد الشديدين . وكل ذلك كان يعطي للملاحظين لبعض الملاحظين شعوراً طريفاً مؤداه أن الغرب ” أكل مقلباً ” ساخناً في علاقته بالسعودية، فهو يكتشف الإسلام لأول مرة، وهو يكتشف : الوهابية ” لأول مرة أيضاً . وفي ظل هذا الصخب الشديد لطبول العداء ومزاميره ينسى المغرضون أن هذا الإسلام الذي يخافونه، ويحتاطون له، موجود منذ أربعة عشر قرناً من الزمان، وأن ” الوهابية ” التي تقلقهم وترعبهم موجودة هي الأخرى منذ مئات السنين أيضاً، ولم يحدث قط أن الإسلام أو الوهابية قد أقاما مناخاً للمواجهة بين الهويات بمثل ما يجري – مع الأسف – الآن على أيدي الآخرين، وهم تحديداً المسيحيون المحافظون في الولايات المتحدة نفسها الذين ينطلقون في مواقفهم وتصرفاتهم من انحيازات عقدية صرفه.

فلقد برزت ، في الهجوم على الإسلام، أسماء تمثل الزعامة الدينية لدى كثيرين من الأمريكيين. وهم يوجهون التيار الأصولي المسيحي، أو ما يسمى بالصهاينة المسيحيين . ويعرف عنهم العداء الشديد للإسلام، والدعم اللامحدود لإسرائيل، وللمشروع الصهيوني في المنطقة. ومن هؤلاء جيري فالويل ، وبات روبر تسون ، وجيري فاينز ، وراندل تاري، وفرانكلين جرا هام وغيرهم .

وهم وصفوا الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه إرهابي وأنه رجل عنف ، وأنه يدعو قومه إلى قتل المشركين ، فهو رجل متعصب ، وهو لص، وقاطع طريق ، وهو فوق هذا كله شاذ يميل للأطفال ( الريـاض 10/9/1423هـ ) .

وعلى مستوى السياسيين، نسب إلى وزير العدل الأمريكي جون اشكروفت أنه قال عن الإسلام بأنه دين يطالبك فيه الرب بأن ترسل ولدك ليموت من أجله ، بينما المسيحية هي عقيدة يرسل فيها الرب ولده ليموت من أجلك.

أما على مستوى وسائل الإعلام فقد ذكر عدد د. عادل بن على الشـدي ( الرياض 10/9/1423هـ ) بعض أمثلة مما يقال من هجوم، ومما يعبر عنه من نوايا شيطانية خبيثة تجاه الإسلام ، وتجاه أهله ، وتجاه رموزه ومقدساته.
ومن تلك الأمثلة :

• ما قاله أحد محرري مجلة  ناشيونال ريفيو ، على موقع المجلة الإليكتروني ، قال : أنني أقترح أن تضرب مكة بقنبلة نووية، ويكون ذلك بمثابة إشارة إلى المسلمين . ثم أضاف : أن بغداد وطهران هما الأقرب لتلقي الضربة النووية الأولى ، وأنه لو كان لدينا قنابل نظيفة، تضمن حصر الدمار في نقطة الهجوم، لوضعنا غزة ورام الله على القائمة أيضاً. ويجب أن نحذر دمشق والقاهرة والجزائر وطرابلس والرياض من خطر الإبادة الفورية إذا أظهروا أي علامة اعتراض.

• ما قاله جوزيف فرح، اليميني المتشدد، فيما هو متعلق بتهديد الإرهابيين بمهاجمة أمريكا وبقية العالم الحر: أنا أعتقد أنه ينبغي على أمريكا أن تعلن أنه لو ضربها الإرهابيون المسلمون مرة أخرى فيمكنهم تقبيل مكة قبلة الوداع . نحن نستطيع أن نعطيهم يوماً لاخلاء المدينة ثم ندمرها بما فيها .

• ما كتبته ما رجرت وينت في الصحيفة الكندية جلوب اند ميل من أن هؤلاء الذين فعلوها ( تقصد الهجوم على نيويورك وواشنطن ) هم أبناء الصحراء النائية، الذين يحملون معهم ثقافة القبيلة القديمة، التي تمتزج بالدم والثأر ، وهم المتمسكون بالمعتقدات الجامدة ، والكراهية اللدودة، الذين لا يقيمون وزناً للحياة البشرية ، ويرتكبون جرائمهم باسم الله، ويبدون استعداداً مذهلاً للتضحية بأنفسهم وهم يقتلون الآخرين.

• ما كتبته بابرا آميل في صحيفة التلجراف، وهي يهودية، وزوجة كونراد بلاك، صاحب الجريدة البريطانية، تقول: المسلمون المتطرفون يملكون أسلحة عصرية في أيديهم ، والدول الإسلامية إما أنها تدعمهم ، أو هي على الأقل تؤيدهم فيما يقومون به، وهؤلاء لهم هدف واحد هو تدمير الحضارة الغربية ، إزاء ذلك يجب أن نضعهم في مربع الأعداء، وأن يطردوا من الأمم المتحدة ، فإذا تقاعست الأمم المتحدة عن ذلك فينبغي أن تلجأ الولايات المتحدة إلى طردها هي ذاتها من أراضيها. وفي الوقت ذاته ينبغي أن يمنع الجهاد ، ويجب أن نطالب المجالس الإسلامية ، بإدانته ، وكذلك إدانة هذا التعظيم لموضوع الجهاد في الكتب الدراسية، وفي المساجد .

إن منطلقات هذه الأفكار، في الحملة على السعودية وعلى الإسلام، هي منطلقات تنتمي إلى تناقضات ثقافية طبعاً، بل، أكثر وضوحاً، تنتمي ، إلى  ” عقيدة ” أو عقائد أخرى تفترض، هي ذاتها، المصادمة مع ” عقيدة ” الإسلام المنافسة، السلسة الانتشار، والشديدة المقاومة للحفاظ على مكاسبها، فهي لا تسمح بأي نوع من أنواع الاختراقات، أو الاجتياحات التي تهدد ثوابتها، بل تقتضي مسخها وتجريدها من مقومات هويتها الخاصة.
ويعزز من فكرة المصادمة مع عقيدة أو عقائد أخرى الدعم الذي تجده تلك الفكرة، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، من صناع القرار في الولايات المتحدة، حتى على مستوى  الرئيس الأمريكي نفسه، مروراً بالصقور المحيطين به، فهم ينتمون إلى المسيحيين المحافظين، الذين يرون أن فرض الهيمنة الأمريكية، التي تقتضي بالضرورة حربها ضد القوى “المنحرفة” هو إلهام إلهي، وهكذا فإن السيطرة على الكوكب الأرضي تفترض تناقضات وبالتالي مقاومات ( منها ما سيأتي عن طريق الإسلام مثلاً )  ينبغي إلغاؤها أو إضعافها ليتحقق الهدف. لذا فإن مروجي تلك الأفكار في الحملة على السعودية وعلى الإسلام، وبالتالي الجهات التي تدعم تلك الحملات ومنها المنظمات الصهيونية، هم الذين يشجعون على تنمية فرص المواجهات الثقافية، وصراع الهويات. ولذا فإنه ينبغي على الساسة والمثقفين الأمريكيين أن يعملوا على تصحيح المسار الذي تمضي فيه العلاقات الأمريكية مع الآخرين، وبالتالي ينبغي عليهم إعادة نقد وتقويم المرتكزات الفكرية والأيدلوجية التي بنيت عليها تلك العلاقات. وهذا سيقتضي حتماً إعادة النظر في الأسس التي تتضمنها الاستراتيجية الأمريكية التي تتوخى الهيمنة على العالم بالقوة، فتلك الهيمنة لا يمكنها أن تستتب داخل القدر الذي ينتابه الكثير من الغليان، بل إن غليانه لا يتوقف عن الفوران، مقتاً للجبروت الجديد، وكرهاً للغطرسة المستبدة، إضافة إلى ما يحمله كل ذلك من الفجاجة في فرض النموذج الأمريكي في كل شيء.  أي أن هناك ما يمكن أن يسمى بالمقاومة المؤمنة التي لن تعرف الهدوء، لأنها تنطلق من صدام مفروض للهويات.

وأضحى هذا الخلل في التصور يطال الآن المثقفين فهو لم يعد مقتصراً على إنسان الشارع العادي (  في كلا الجانبين الشرق الإسلامي والغرب ) فالصورة السلبية التي رسمت في الرأي العام الإسلامي والرأي العام الغربي عن الثقافة والمجتمع في كلا الجانبين ( بالتقابل )  أدت إلى تضاؤل فرص التفهم للخصوصيات الثقافية في الجانبين عند الطرفين فالصورة التي رسمناها في الثقافة الجماهيرية عن المجتمع الأمريكي والغربي لا ترى إلا الفساد الأخلاقي، ومجتمع الشواذ، والمنظمات التي يسيطر عليها اليهود، وتلك التي لا شأن لها سوى حياكة المؤامرات ضد المسلمين . أما صورة العالم الإسلامي ( السعودي خصوصاً ) عند الغرب فهي قهر المرأة، وغمطها حقوقها الفردية والمدنية ، وهي المجتمع القبلي بكل تناقضاته واخفاقاته الحضارية، وهي النفط ، وفق ما عبر عنه صراحة توماس فريد مان ” السعودية لم تمثل قط للأمريكان أكثر من اعتبارها محطة وقود كبيرة ” . ثم أن الثقافة الإسلامية هي ثقافة إرهاب وعنف وكراهية.
إن مما ينبغي العمل على إنجازه، من جهتنا نحن، تصحيح العديد من المفهومات المتعلقة بقيم الإسلام وتعاليمه، ولا سيما فيما يتصل باعمار الأرض، وبناء الحضارة، وتحقيق العدل، والصدق في القول والعمل، وحرمة دم الآدمي، ودعم التعاون والتفاهم بين الشعوب، والإقرار بالتعدديات الثقافية، إلى آخر ما هنالك مما هو موضع تساؤل وتشكيك من قبل خصوم الإسلام وخصوم العرب. ولا ننسى مفهوم الجهاد الذي اتخذ ذريعة لإستثارة حفيظة شعوب الأرض ضد الإسلام والمسلمين، فلعل من العاجل واللازم تصحيح مفهوم ” الجهاد ” عند بعض المسلمين ابتداء، ثم بعد ذلك توضيحه وشرحه في البيئات الثقافية الأخرى، ولا سيما البيئات التي وصلتها وتصلها رسائلنا دائماً مغلوطة . فالمفهوم الذي تلقفه خصوم الإسلام عن الجهاد ، وعن معناه ، ومداه ، وموجباته ، وظروفه، هو مفهوم ليس له إلا أن يجعل العالم في حالة تأهب دائم لمواجهتنا، ومقاومتنا، ومكافحتنا، بكل السبل والطرق التي تكفل له أمنه. فذلك المفهوم المغلوط لا يستثنى أحداً من ” الكفار ” تحت أي ظروف، وفي أي مكان، وفي أي زمان: كرها وبغضاً، وأحياناً قتلاً وتدميراً ، وما حالات السلم عند المسلمين، وفق ذلك المفهوم، إلا عبارة عن هدنة ، من أجل الاستعداد للقيام بهجوم مقبل، أو من أجل التهيؤ لإنجاز مواجهة جديدة.

ينبغي تصحيح ذلك المفهوم، والتركيز عليه من حيث كونه موضوعاً له حساسية خاصة، فنفرده بالبحث، لنبلغ حقيقته، فلا يغرق في خضم كلام كثير حول قضايا أخرى هي أقل منه أهمية .

إن في غموض مفهوم الجهاد مرتعاً خصباً لكل من يريد التنكيل بالمسلمين، أو تشويه تاريخهم، وتاريخ علاقتهم بالحضارات الأخرى، ويستنكر من يفهم الإسلام ويعرف حقيقته ما يتردد في بعض الدوائر الغربية اليوم عن الإسلام من ظلم ومن بهتان لم يكن له إلا أن يجحد أن للإسلام دوراً واضحاً في بناء الحضارة البشرية، ودوراً أوضح في التعايش مع الثقافات الأخرى، ولا سيما في البلدان التي بلغها الفتح الإسلامي، ومكث فيها طويلاً.

إن من حق المسلمين أن يمجدوا دينهم، وإن من حقهم أن يعملوا على نشره في أصقاع الأرض، ولكنهم، في الوقت ذاته، يرفضون العدوان على الآمنين، ويرفضون قتل النفس البشرية بدون ذنب، وهذا النهج إنما رسمه لهم دينهم، الذي يرفض قطع الأشجار وقتل الحيوان في حالات الحرب، فما بالك بالإنسان الأعزل، أو غير المحارب، الذي خلقه الله لعمارة الأرض. والخلافة الإسلامية في مختلف العصور، ارتبطت بعلاقات تعاون، ومعاهدات صداقة مع شعوب وثقافات ودول تنتمي إلى معتقدات ومورثات مختلفة. والمسلمون يؤمنون اليوم، في عصر وهنت فيه عوائق الجغرافيا وضعف فيه نفوذ السيادات القومية، أن من خير البشرية أن تتعاون الشعوب ، وأن يكون هدفها إقامة مساحات وفرص جديدة لتنمية ” المشترك العام ” فيما بينها ودعمه .

إن مثل هذا التصور لمستقبل العلاقات بين شعوب الكوكب ينسجم مع تصور الإسلام لما يجلب الخير للمسلمين، ولما ينسجم مع دعوة الإسلام إلى تحقيق السلم فوق الأرض. ولقد حقق الإسلام انتصارات كبرى من حيث انتشاره في مجتمعات أخرى، وذلك لمنطقه، ولقربه من مخاطبة الوجدان الإنساني، ولما يبشر به من خير وطمأنينة، وهو سيزيد انتشاره، وسيبسط سؤدده، كلما ظهر للعالم بأنه دين بناء، ودين سلام، ودين يقدس الإنسان، ويجعل له حرمته.

والسعودية على وجه التحديد هي ” دولة الإسلام ” امتثالاً لتعاليم الدين، وتطبيقاً للشريعة من جهة، ولأنها وريثة تاريخ النبوة من الجهة الأخرى، ففيها نزل الوحي، وعلى ترابها تقوم أقدس مقدسات هذا الدين، ولهذا فهي تشعر بأن من مسؤولياتها الأساسية إقامة شعائر الله، وخدمة دينه، ليس فوق أرضها فحسب، بل في كل مكان من الأرض. والجمعيات الخيرية، والمراكز الإسلامية بالنسبة إليها هي صوت هدفه نشر الإسلام، والتعريف به من جهة، ومن الجهة الأخرى فتلك الجمعيات هي عبارة عن يد ممدودة بالخير لمساعدة المسلمين، وإغاثتهم، والمساهمة في تحسين ظروفهم. وهي – أي تلك الجمعيات – إنما تعمل في وضح النهار، وإنما تُنشأ بعد الحصول على إذن، أو تصريح رسمي، من الدولة المضيفة. وهي لا ترتبط في تصرفاتها بأي نشاط سري من أي نوع، أو هذا هو المفروض. والسعودية لا تختلف في نشاطها هذا عما تقوم به دول أو منظمات أخرى غير إسلامية، مسيحية أو غير مسيحية، تعني بفئات أخرى من البشر، فتلك الدول أو المنظمات تبشر بمعتقداتها، وهي تقدم المساعدات للمنتمين، أو الذين سينتمون، إليها. بل إن تلك الدول أو المنظمات تتدخل أحياناً لحماية أقلياتها في الدول التي قد تمارس عليها بعض أنواع الإيذاء أو الاضطهاد .

وليس بوسع السعودية أن تبرئ بعض الجماعات مما قد يطرأ عليها من انحراف في التفكير أو المنهج، وبالتالي قد تقع الإساءة إلى الإسلام والمسلمين، ثم، من بعد، إلى السعودية.

إن الانحراف في التفكير أو المنهج، وما ينجم عنه من أضرار وتصرفات غير مسؤولة قد يحدث داخل السعودية ذاتها، وقد يحدث من بعض المحسوبين عليها. فهي كدولة تعترف بأنها لا تتعامل مع ملائكة ، بل مع بشر معرضين لكل الغوايات، وهم هدف لكل دعوات الانحراف.

إننا في أمس الحاجة إلى إعادة قراءة تاريخ علاقة المسلمين بغيرهم ، وإلى إعادة ترتيب عناصر تلك العلاقة .

إننا في أمس الحاجة أيضاً إلى الشروع في مخاطبة العالم لإقامة علاقات جديدة معه، وتكون علاقات متكافئة، تنسجم مع قواعد العالم الجديد ونواميسه، وتظهر الإسلام بمظهره الصحيح. وأول خطوة في هذا الاتجاه هي التأسيس لحوار موضوعي عاقل، مبني على احترام هوامش الاختلاف ، ويستبعد من أهدافه التهوين من شأن الخصوصيات، أو جعلها غاية للتغيير أو الإحلال.
ولا شك أن من الأضرار البالغة لأحداث 11 سبتمبر أنها ساعدت كثيراً على تدهور فرص أي حوار حضاري بين الإسلام والغرب. فهي، من  جهة، بطّأت بالانتشار الذي كان يحققه الإسلام داخل المجتمعات الغربية، من حيث التزايد الملحوظ في أعداد معتنقيه والمنخرطين في عقيدته، ولاسيما في المجتمع الأمريكي، أما ومن الجهة الأخرى فهي ساعدت، وما تزال تساعد على تضييق الخناق على دين المسلمين داخل اهتمامات المثقفين الشغوفين باكتشاف الثقافات الأخرى، وذلك من حيث عرقلة فرص إقامة أي علاقة حميمة أو موضوعية معه ، وهذا بالتالي أنعكس في شكل انهيار لجسور التفاهم التي يمكنها أن تقوم على أساس من الاحترام المتبادل. وإذا كانت انتشرت مؤخراً بعض ترجمات القرآن الكريم ، وبعض الكتب التي تبحث في شريعة الإسلام وفكره، فهي انتشرت في بيئة غير مواتية، وفي ظروف لا تشجع على الاحترام المطلوب للإسلام ، ولعل الانتشار الذي حصل جاء لمجرد الرغبة في  الازدياد من المعرفة عن ” خطر ” محدق.

وتتردد اليوم دعوات إلى العقلاء من الطرفين كي يعملوا على إعادة تنمية الحوار ، وإحياء المزيد من فرص التفاهم، الذي يقتضي بالتالي التعاون، من أجل المساهمة في حل المشكلات السياسية والاقتصادية التي من شأنها أن ترسي دعائم السلام في العالم.

إن الحوار مهم لنا ، لأننا كما قلنا في مكان آخر ، لن نستطيع أن نحقق الكثير من أهدافنا إلا بخلق مناخ مناسب يحقق لنا المساندة المطلوبة من هذا العالم.. فقناعاتنا وحدناها بقضايانا لم تعد تكفي للفوز بتلك القضايا من أجل بلوغ غايتها.لتأكيد عدالة تلك القضايا ومن ثم تحشيد المناصرين لنا ولها.

هذه خطوات ينبغي أن يتمثلها الخطاب الإعلامي في معالجاته لأبرز مفاصل أزمة أمته اليوم .. مع نفسها .. ومع غيرها من الأمم الأخرى.