بقلم: د. فهد العرابي الحارثي

 الموافق: 2003/5/18م

النادي الادبي الرياض

نعلم أن أحداث 11 سبتمبر كانت نقطة تحول مفصلية في تاريخ عالم اليوم، فعلى إثرها ولد عالم جديد، مختلف، مغاير، غير كـثيراً في نظامه، و في مفهوماته السياسية والثقافية، وفي منظومة علاقاته، وفي تصوره لمستقبل الكوكب الأرضي كله. وانطلاقاً من هذه الحقيقة، فعالم اليوم يجد نفسه، راضياً أو كارهاً، أمام معطيات جديدة، وتحديات كثيرة متنوعة، أبرزها أطلاق يد القوة الأوحدْ في طول الدنيا وعرضها، تفعل ما تشاء، في الوقت الذي تشاء، مختبئة وراء ذرائع متعددة، أوجدتها، أو اختلقتها لنفسها، في إثر ذلك الصباحَ المفاجئ، من اليوم الحادي عشر من سبتمبر الشهير.وإذا أردنا أن نفصل، بعض الشيء، فيما تركه وراءه، لنا وللعالم، ذلك الصباحُ المشئوم نقول:

أولاً: وضعت أحداث 11 سبتمبر العرب، ودينهم، وثقافتهم، موضعاً يسهل فيه تسديد الهجوم الشديد عليهم، بل وإصابتهم في أكثر من مقتل، ولا سيما فيما يتعلق بعلاقتهم مع الحضارات والثقافات الأخرى. فقد قدمت تلك الأحداث في وسائل الإعلام المعادية للعرب، على أنها نتاج صميم لثقافة سائدة وراسخة، وهي، بناء عليه، ليست، كما يبررها العربْ، مجرد انحراف في منهج فكري، وقع ضحية بعض المغرر بهم من الشباب، في بعضِ الأقطارِ العربية، ومنها السعودية.

 ولا شك أن كل شيء كان مهيأً لقبول هذه الفكرة، والتشبث بها. فصورة العرب، وصورة الإسلام، لم تكن بذلك الوضوح، بل لم تكن في منأى عن تشوهات كثيرة لحقت بها، على طول التاريخ الطويل للصراع مع القوى المعادية، سواءً كانت صهيونية أو مسيحية يمينية متطرفة.  فلما جاءت أحداث 11 سبتمبر أضافت، دون أدنى شك، زيتاً كثيراً إلى تلك النار التي لم تتوقف عن الاشتعال.

على الرغم من صورة العرب غير المريحة أصلاً، فقد فوجئ المجتمعُ البشريْ بما حدث في 11 سبتمبر، وذلك لشدة هول الكارثة، سواء من حيث مستوى التنفيذ، وإصابةُ الأهداف التي وجهت إليها، أومن حيث حجمُ الخسائر، وعددُ الضحايا.  وبدا كأن العالم يكتشف الإسلام لأول مرة، فكان الربطُ سريعاً بين العنف والإسلام نفسه، بل إن الرسولَ صل الله عليه وسلم لم يسلم من الاتهامات بـ “العنف، والإرهاب، وقطع الطريق” ولا سيما لدى بعض قساوسة المسيحية اليمينية في الولايات المتحدة، وهو توجهٌ تدعمُه وتغذيه الصهيونية وإسرائيل بطبيعة الحال. وهكذا استطاع الخصمُ السياسي التقليدي للعرب أن يجند ضدنا، وضدَ ثقافتنا، قوى مناهضةً أخرى، لا تقل شراسة وعدائية عنه. وبتضافر هذه القوى، إلى جانب الزفة الإعلامية الفظيعة التي واكبت الحدث وأججت مضاعفاته، كان من السهل تحقيقُ المكاسبَ البينة بين الجماهير التي لم تجد من لدنا بديلاً قوياً ومؤثراً، مواجهاً أو مناقضاً، لما تقرأ أو تسمع، فالبديلُ إما أنه كان خجولاً، متردداً، ضعيفاً، وبالتالي غيرَ مؤثر، فلم يكتب له أيُّ لون من ألوان الصمود في وجه الأمواج الهادرة العاصفة، التي احتكرت بالفعل عقول الناس، خلال هذه الأزمة، أو أنه – أي البديل – كان إنفعالياً يقترض من الخطابين، الإعلاميِّ الثوري أو الاسلاموي، أسوأ ما فيهما، فالغرب هو الإمبرياليةُ المقيتة، وهو المستأثرُ بخيرات الأرض كلها، وهو الذي يعمل على زيادةِ الفجوة بين أغنياءِ الغرب وفقراءِ الشرق، وهو المتطلع إلى مزيد من الهيمنة على مقدرات الشعوب ومصائرها، والغربُ كذلك، هو من يريد أن يفرض نموذجه الثقافي، فيسعى بالمقابل إلى مسخ الثقافات الأخرى، إنه ذلك الشرير الأرعن، الممتلئُ بالموبقات، الذي يريد أن ينشر رذائله وانحلالاته بين الناس في كل مكان، فهو في عبارة واحدة: الشيطان الأكبر الذي تجب مقاومته دائماً.

وجميع هذه الأفكار قد تبطن أحياناً غبطةً بما حدث في أمريكا في 11 سبتمبر، بل إنها قد لا تخفي روح التشفي، تجاه الأنف المتغطرس الباغي الذي تمرغ في التراب.

وهكذا فإن ظروف المواجهة أصبحت مواتية أكثر من أي وقت مضى، فالعرب ليس فقط أنهم لم يوفقوا في ترميم صورتهم الذهنية، أو إعادة بنائها، من أجل تعزيز علاقة متكافئة مع الغرب، بل هاهم يعملون على تعميق الجرح، مما شجع على إعادة التفكير في نوع تلك العلاقة من جذورها.  فالخطاب العدائي الصادر من العرب، باتجاه الغرب، لا ينتمي إلى خلاف في الأفكار، أو أنه مجرد تعبير عن تنوع في الأيدلوجيا، كما كان يظن في السابق، بل هو، وكما عبرت أحداث 11 سبتمبر بالنسبة للغرب نفسه، ينتمي إلى “عقيدة” أصيلة، ظلامية، منغلقة، تبطل أي فرص للتعايش بين الطرفين(1).

ثانياً: كان لأحداث 11 سبتمبر انعكاساتها على علاقة الولايات المتحدة بالأنظمة الحاكمة في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، فبعد علاقات التعاون المطلق بين الطرفين أصبح هناك شعور بأن تلك الأنظمة تحولت إلى عبء كبير على تاريخ الولايات المتحدة وقيمها. فقد أرجعت الولايات المتحدة بعض أسباب العنف أو الإرهاب ضدها، كما حدث في 11 سبتمبر، إلى رفض كثير الشعوب الإسلامية حكوماتها، واعتبار الولايات المتحدة حامية لهذه الحكومات. وهذا التحليل جهر به كولون باول، وزير الخارجية، في محاضرة له في معهد التراث، كما ردده ريتشارد هاس رئيس قسم التخطيط السياسي في الخارجية الأمريكية، وهو تحليل أبرز تناقضاً حاداً بين الولايات المتحدة والنظم الحاكمة الصديقة لها في العالم الإسلامي. ولهذا بدا واضحاً للأمريكيين أن إصلاحاً سياسياً في العالم العربي والإسلامي، فضلاً عن الإصلاحات الثقافية والتعليمية والاقتصادية، أصبح ضرورياً، لتجفيف بعض منابع العنف السياسي. وهكذا أصبحت الدعوة إلى الديمقراطية، بهذا المستوى من الفهم، مطلباً من مطالب الأمن القومي الأمريكي(2). ولعل كثيراً من مبادرات الإصلاح في المنطقة ستنسب هكذا إلى ضغوط أمريكية، وبهذا تحجب أي نوايا طيبة للأنظمة الحاكمة نحو شعوبها، ويكون البطل في هذا الإنجاز هو أمريكا. وعدا تحقيق تجفيف منابع العنف، فإن أمريكا هكذا تكون قد فرضت أطيافاً أخرى من الهيمنة متمثلة في القيم الأمريكية، وفي الأنماط الثقافية والسياسية المختلفة، وهذا ما سيتقاطع أخيراً مع غايات “أمركة” العالم التي يتحدث عنها دائماً المشتغلون بقضايا العولمة ومضاعفاتها المختلفة.

ثالثاً: وفضلاً عما تقدم، وفي الأثر المباشر، لأحداث 11 سبتمبر، على التطورات التي شهدتها السياسة الأمريكية في العالم، يتحدث د. خالد الحروب(3)، عن الفلسفة “الانفرادية” في السياسة التي انتهجها الرئيس الحالي بوش في تقويم الأحداث، وفي التعامل معها، والتصرف حيالها. وهي واحدة من أنواع السياسات الثلاث التي عرفتها الولايات المتحدة على طول القرن العشرين الماضي. أما الفلسفتان الأخريان فهما: الانعزالية، ومتعددة الأطراف. يقول د. الحروب بأن تلك السياسة الانفرادية قادت إلى نفور دولي واسع النطاق، ومعارضة متصاعدة في العالم للولايات المتحدة. فلقد وصل الموقف الأمريكي، قبيل أحداث 11 سبتمبر، إلى أقصى نقطة انعزالية له بعد انتهاء الحرب الباردة، وكان هناك جهر واضح بالامتعاض من سياسات الولايات المتحدة الانفرادية. على صعيد القضية الفلسطينية، كان الموقف الدولي قد تطور إيجابياً، وصار الموقفان، الإسرائيلي والأمريكي، وحيدين مكشوفين وفجّين، على الساحة الدولية. وكان ثمة آمال، لها ما يبررها، بأن تتجه السياسة الدولية بشكل عام نحو الإنفكاك من السيطرة الأمريكية، لكن كل ذلك تعرض لضربة قاصمة بسبب أحداث 11سبتمبر، فقد قدمت تلك الأحداث للإدارة الأمريكية، على طبق من ذهب، هدية ثمينة لم تكن تحلم بها، لتعزيز توجهها الانفرادي في السياسة الدولية. لقد أعادت تلك الأحداث واشنطن ليس إلى قلب الشئون الدولية فحسب، بل – فوق ذلك – إلى قيادتها، والانفراد بما يتعلق بها من قرارات كلما لزم الأمر، وذلك على الرغم من نقمة الكثيرين على تلك السياسات، وعدم قبولهم بها. لقد أتاحت تلك الأحداث المجال لواشنطن لأن تعبث في واقع ومصير عالم اليوم كما تشاء. ولولا الأجندة الطارئة والمقحمة على السياسة الدولية ( أي أجندة الحرب على الإرهاب بعد أحداث 11سبتمبر) لكانت الخلافات بين الولايات المتحدة وبقية دول العالم، بما فيها الاتحاد الأوربي، قد قادت إلى توازن أفضل، وفرص أسهل وأنجح لقضايا العالم، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

رابعاً: في خلال العام الأول، الذي أعقب أحداث سبتمبر، خمدت الأصوات الأوربية المعارضة لنمط الهيمنة الأمريكية الطاغية على العلاقات مع أوروبا. كما عملت تلك الأحداث الإرهابية على إضعاف الأصوات غير الأوربية، كالصين وروسيا، اللتين لم يجدا بداً من مسايرة الولايات المتحدة، وهي في سورة غضبها وسياستها الانتقامية. والملاحظ أنه بعد مرور عام على تلك الأحداث، بدأت الصورة المطبقة للتبعية الأوربية بالتفكك بعض الشيء، لكنه كان تفككاً خجولاً وبطيئاً، ويحتاج إلى وقت أكبر حتى تستعيد أوربا قدرتها على المعارضة، المناهضة، أو الاستقلال الكامل عن السيد الأمريكي ذي الصوت الأعلى والأقوى(4).

خامساً: لقد أيقظت أحداث 11 سبتمبر الإحساس بأن الإرهاب أصبح ظاهرة عالمية مخيفة ومرعبة وفتاكة وتدميرية شنيعة، وهذه الظاهرة تتحرك وتنتشر عبر العالم بسهولة ويسر وسرعة فائقة، ولهذا فإن تتبعها ومحاربتها لا يمكن أن تتم إلا بالتعاون الوثيق بين القوى العالمية المختلفة والضحية الرئيسة، وهي الولايات المتحدة. وهكذا ولدت فكرة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الإرهاب، وقد وصلت صلابة ذلك التحالف إلى أقصى مدى ممكن: ففي أوروبا، ولأول مرة، يثير أعضاء الحلف موضوع المادة الخامسة من نظامه، وهي المادة التي تعتبر العدوان على عضو فيه عدواناً على أعضائه جميعاً.

أما فيما يتعلق بروسيا والصين، فهما لم تعودا، في الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي الطارئ، ذلك المنافس الإستراتيجي الذي ينبغي إعلان مواجهته. لقد أرجيء هذا النوع من الحسابات لحين تضميد جراح 11 سبتمبر، والإفاقة من إعصارها العنيف(5).

وفي قراءة أخرى لموضوع الحرب على الإرهاب، فإن أحداث 11 سبتمبر لم تمكن الولايات المتحدة من أن تعلن حربها العالمية على الإرهاب فحسب، بل انها مكنتها أيضاً من أن تقود هذه الحرب، وتصنع خططها واستراتيجيتها، فضلاً عن أخذها الحق لنفسها بالإنفراد بتعريف الإرهاب، وتحديد من هم الإرهابيون، واختيار مكان وزمان مواجهتهم، وبالأسلوب الذي تراه. وتحت وطأة خطر الإرهاب الحقيقي والوهمي، صنفت الولايات المتحدة كل عنف سياسي لا ترضاه – هي أو حلفاؤها – إرهاباً. وكل دولة لا تقبل القيادة الأمريكية في السياسة الدولية تعد حليفاً محتملاً للإرهاب، ومصدراً محتملاً لأسلحة الدمار الشامل، النووية والبيولوجية والكيماوية. وهي أسلحة لن تكون في مأمن من أن تطالها – بشكل أو بآخر – أيدي الإرهابيين لإستخدامها في أعمالهم الإجرامية(6).

سادساً: من جهة أخرى، دفعت أحداث 11 سبتمبر الولايات المتحدة إلى أن تعلن عن نوايا غير مريحة تجاه العالم، إذ قسم الرئيس بوش، في خطاب “حالة الاتحاد” في يناير 2002م، العالم إلى معسكر للخير، تقوده أمريكا، ومعسكر للشر، ويتمثل فيمن يخاصمها أو يقاومها، أو لا ينقاد لها، أو لا يمشي في ركابها. وفي الخطاب المذكور واجهه بوش العالم بخيار أن يكون مع الولايات المتحدة والاّ فإنه مع الإرهاب. وكان هذا يعني أن واشنطن، وليس أي جهة أخرى، هي التي ستقرر ما يجب عمله، وهي التي ستحدد وحدها معايير علاقتها مع العالم، بل وعلاقة هذا العالم نفسه في داخله، بين دوله وشعوبه. وقد عاد الرئيس الأمريكي ليؤكد هذا المعنى بقوله “ليس هناك أمة معفاة مـن المبادئ الأمريكية الحقه الثابتـة للحرية والعدالة، واحترام هذه المبادئ هي من الأمور التي لا يمكن قبول الجدال حولها. وهذا هو ما أطلق عليه بعض المحللين “نظرية بوش” تعبيراً عن إقرار حماية وتوسيع السلام الأمريكي، ليس فقط في الشرق الأوسط، وهو السياق الذي كان يتحدث فيه بوش، وإنما لما هو أبعد من ذلك(7).

سابعاً: لقد استطاعت واشنطن أن تحقق، في غبار أحداث 11 سبتمبر، أمرين لا يقلان، في ضخامتهما من ناحية سياسية واستراتيجية، عن أحداث سبتمبر، وهذان الأمران هما(8): الأول: انتزاع المصادقة الداخلية على السياسة “الانفرادية” التي تبنتها الإدارة الأمريكية وإقناع الرأي العام الأمريكي، سواء العادي أو المسيس، بصوابية سياسة الإدارة، وبأن مصلحة الولايات المتحدة في العالم، لا تتم إلاّ عبر استغلال القوة، وفرض الأجندة الأمريكية على العالم. أما الأمر الثاني، فهو النجاح في قلب الطاولة في وجه جميع معارضي سياسات الولايات المتحدة، ولجمهم، سواء في الداخل أو في الخارج.

لقد وجد الصقور، من مثل رامسفيلد، وتشيني، وكوندا اليزرايس وجيري فالويل وبات روبرتسون وغيرهم، في أحداث سبتمبر الدعم اللازم لدفع أمريكا للهيمنة على البشرية، بالقوة العسكرية أولاً، وذلك بزعم الوصول إلى الهدف الأسمى، وهو بناءً “عالم أفضل”.

وهكذا أضحت أيدلوجية القوة هي الأيدلوجيا الرسمية للبيت الأبيض، وهي منسجمة مع رؤية الجمهوريين السياسية، التي مكنت بوش الابن من تحقيق نسب مرتفعة في شعبيته، كما مكنت من أن يتسيد الجمهوريون في الكونجرس و مجلس النواب، وهو ما لم يحدث من قبل بمثل ما حدث الآن.

ثامناً: لقد أفادت الإدارة الأمريكية من الخوف الفظيع الذي خيّم فوق رؤوس الأمريكيين بعد أحداث 11 سبتمبر، لتبرير الحرب المزعومة على الإرهاب، ولتبرير تعقب البلدان الديكتاتورية، التي تمتلك أسلحة الدمار الشامل، مشكلة بذلك، في رأي الإدارة الأمريكية، خطراً ماحقاً على أمن أمريكا نفسها، وأمن العالم من بعدها. وقد غذت مشاعر الخوف هذه، عدا فظاعة الأحداث نفسها، ما كتب وقيل عنها في الصحافة والوسائل الأخرى. فقد كتب في الصحف الأمريكية حوالي عشرة آلاف مقالة، حتى الآن، وثلاثون كتاباً تحلل الإرهاب (الإسلامي) وتندد بخطره(9) وهذه الثقافة صنعت رأياً عاماً مؤيداً للسياسات الحربية في الخارج ولسياسات الضبط في الداخل، وهكذا اختار صقور الإدارة الأمريكية العراق – بعد أفغانستان – للانطلاقة “الجديدة” في مشروع الهيمنة “القديم”، الذي سنتحدث عنه فيما بعد. وقد كانت العراق، المنهكة بالحروب والحصارات، الثمرة الذابلة المهيأة، بحكم ظروفها القاهرة، للسقوط السهل، فأمريكا تختار أحياناً في حروبها الدول الضعيفة، لتحقيق الانتصار السريع والحاسم والنهائي، وهذه أسهل الطرق وأيسرها للحفاظ على الدعم الشعبي لمن يعلنون تلك الحروب، ويديرونها. وهي عدا كونها خطوة مهمة في طريق الهيمنة، فإنها تساعد، من جهة أخرى، على التفاف الناس حول الإدارة السياسية “المنقذة”، فضلاً عن التغطية، أو الإلهاء، عن بعض أوجه الخلل أو التقصير في أمور الداخل السياسي أو الاجتماعي في الولايات المتحدة ذاتها.

لاحظ الكثيرون أن هناك مبالغات كبيرة في التقارير الإستخبارية (الأمريكية خصوصاً) عن أسلحة الدمار الشامل في العراق، وعن علاقة صدام حسين بـ “القاعدة”. وفي خريف 2002م لم تكن تقارير الـ CIA قد وصلت إلى درجة اتهام العراق بما يكفي، لإعطاء الذريعة للحرب، فأنشأ رامسفيلد جهازاً صغيراً داخل وزارة الدفاع، لإنتاج معلومات تدعم مخطط الصقور. وعندما ذهب كولن باول في فبراير 2002م من أجل إقناع العالم بمهاجمة العراق، تحدث عن احتمالات وجود خمسة وعشرين ألف لتر من الإنثراكس، وأطنان من الأسلحة الكيماوية، كما تحدث عن ديكتاتور على حافة إنتاج قنبلة نووية. وفي شهر مايو 2003م لم يكشف المفتشون الأمريكيون سوى بعض المكانس الكهربائية المتعفنة، وقليل من المبيدات الزراعية، ومعدات لعب للأطفال، ولم يعثروا على سلاح تدمير شامل. لقد اشتكى بعض خبراء التجسس في الـ CIA، وبعض زملائهم البريطانيين، من أن المعلومات الاستخباراية منفوخة. والآن يريد الكونغرس معرفة ما إذا كانت المعلومات مفبركة أصلاً، وكما تقول النائبة الديمقراطية عن كاليفورنيا جين هارمان، في لجنة الاستخبارات البرلمانية: “قد يكون هذا الأمر هو أكبر عملية خداع استخباري في أي زمن”(10).

لقد أوجدت أحداث 11 سبتمبر الغطاء المناسب لأهداف متعددة تريد الولايات المتحدة أن تحققها، عدا الحرب على الإرهاب. فمن جهة لم تثبت أي علاقة للنظام العراقي، على دمويته وعدوانيته وبطشه، بالقاعدة مثلاً، التي تعدها الولايات المتحدة موئل الإرهاب، وحاملة لوائه، إذ جعلت منها ذريعة لحروبها الجديدة، التي حدثت، والتي ستحدث، طبقاً للسياسات الدفاعية الأمريكية الجديدة، التي تقوم على الفكرة الخطيرة، التي أدهشت العالم، وهزت نواميسه الأخلاقية، وهي فكرة الحروب الاستباقية.  أما من الجهة الأخرى، فإن العراق وصل من الضعف والهوان بدرجة لا تمكنه من تهديد أي أحد، فما بالك بالأمن الأمريكي أو أمن العالم أجمع.  لقد كنا أمام عراق، غارق في مشكلاته، وويلاته الداخلية، التي تعاظمت وتكاثرت، بفعل الحصارات، إلى الحدّ الذي أصبح فيه عاجزاً تماماً عن مواجهة الحاجات اليومية للناس. فكيف لعراق، بالكاد يقاوم فرص الغرق والموت، أن يشكل تهديداً لأمن العالم؟ وكيف يمكن أن تتهيأ لذلك العراق أي فرصة للتعاون مع حركات الإرهاب، وهو القابع داخل سجن أحكمته حوله منظومة طويلة من القرارات الدولية، والخصومات والعدوات الإقليمية والدولية؟

وإن من يميل إلى هذه الدرجة من التحليل، كان يرى بوضوح أن القرار 1441 القاضي بنزع السلاح في العراق، لم يكن نهاية التفكير في موضوع الحرب، بل هو – في حقيقة الأمر – البداية  المرسومة لتلك الحرب. فعملية التفتيش، هي تكتيك أمريكي ليس له غرض سوى نزع أسلحة العراق إن كانت موجودة أصلاً، لتأمين الحماية اللازمة للجيوش الأمريكية التي ستدخل إلى بغداد لا محالة، كما ستدخل إلى غيرها من الحواضر العراقية. هذا فضلاً عما تمثله فرق التفتيش هذه من أهمية قصوى للحرب النفسية، التي تخوضها الولايات المتحدة ضد الجيش العراقي، وضد أنصار صدام حسين. وهكذا يتم إظهار الرئيس العراقي على أنه، من الضعف والهوان، بحيث يكون ذلك دافعاً إلى التخفيف من الحماسة له، أو الاستمرار في الالتفاف حوله، أوالتصدي لحمايته، أو الذود عنه، أثناء الاجتياح. وكل تلك الأمور ستجعل من سقوطه أمراً سهلاً، وبتكلفة مادية وبشرية قد تصل إلى حدودها الدنيا المتوخاه، وهذا ما حدث فعلاً، عندما اقتحمت القوات الأمريكية بغداد، فقد كان ذلك السقوط السهل، للعاصمة المهيبة، مفاجأة أذهلت الجميع، بمن في ذلك الغزاة أنفسهم. ولم يصدق أحد بأن ذلك حدث لمجرد التفوق الملحوظ لدى الجانب الأمريكي، بل أن الأمر يتعدى ذلك إلى أسباب تتعلق بأوضاع المقاتلين العراقيين أنفسهم، نفسياً على وجه الخصوص. فلعل صدام حسين قد مات أثناء القصف على المنصوره، ولعله مات مجازاً في وجدان المقاتلين.

في واقع الأمر، يجمع كثير من المحللين على أن لا علاقة حقيقية بين الحرب على العراق والحرب على الإرهاب، وإنما الحرب على العراق هي فقرة واحدة، من فقرات أجنده أمريكية طويلة، غايتها مواصلة الطريق إلى الهيمنة المطلقة على العالم. فانتهاء الحرب الباردة، بالإنهيار الكامل للاتحاد السوفياتي، لم يكن كافياً لجعل أمريكا القوة العظمى بالضرورة في كل المجالات. أي أنه من الصحيح أن الولايات المتحدة هي القوة الأوحد أو الأعظم سياسياً وعسكرياً، ولكن من المؤكد أنها ليست القوة الأعظم اقتصادياً، فإذا كان العالم يسلم اليوم بأن هناك قوة عظمى وحيدة، وقطباً متفرداً واحداً، هو أمريكا عسكرياً وسياسياً، فإن الأمر لم يحسم بعد على المستوى الإقتصادي. ويبدو أن هذا الحسم سيتحقق، في تصور الأمريكيين على الأقل، عن طريق العراق.

إن خطط الهيمنة الأمريكية على العالم ليست بالجديدة، بل هي ضاربة في عمق تاريخ “العالم الجديد” منذ أن أخذ يتشكل في الشمال الأمريكي، حاملاً تصوره الخاص لمستقبل هذا الكوكب. والولايات المتحدة، على إمتداد تاريخها، لم تفوت فرصة واحدة لدعم تلك الخطط، وجعلها موضوع التنفيذ في كل سانحة، كما سيتضح معنا فيما بعد.  وإن من الأثر الذي أحدثته الفظائع الإرهابية في 11 سبتمبر، كما يقول تشومسكي في محاضرة له في “المنتدى الاجتماعي العالمي” الذي عقد في بورت اليجري في البرازيل بالتزامن مع منتدى دافوس الماضي(11)، هو أن تلك الفظائع الإرهابية وفرت للولايات المتحدة ذريعة للتسريع في تنفيذ الخطط طويلة الأمد، وهي خطط الهيمنة التي تعد الثروة النفطية العظمى للعراق نقطة مفصلية فيها، لأن العراق مكون مركزي من مكونات مصادر الخليج العربي، التي وصفتها وزارة الخارجية الأمريكية سنة 1945م بأنها مصدر مذهل للقوة الإستراتيجية. وهي من أهم الجوائز المادية العظمى في تاريخ العالم. وتتوقع الاستخبارات الأمريكية أن هذه الثروة ستكون ذات أهمية أكبر في السنين المقبلة.

وكما عبر أحد الكتاب الاقتصاديين الروس(12)عن أهمية العراق في خطوات الهيمنة الأمريكية، فإن ما نراه اليوم ليس سوى خطوة أولى، لواحدة من المستعمرات البريطانية (يعني أمريكا) على طريق إقامة إمبراطورية جديدة، على حساب احتلال مستعمرة بريطانية أخرى سابقة، ألا وهي العراق. والكاتب يلمح هنا أيضاً إلى أفول الإمبراطورية البريطانية التي كانت تشمل الضحية والجلاد، أو المحتل والغزاة، أمريكا والعراق.

إن الهيمنة على العالم، هي الهدف العام لصقور أمريكا، ولكن ينبغي أن لا يغيب عن أذهاننا، في منطقتنا هذه، أن لهؤلاء أهدافهم الخاصة المتعلقة بنا، ويأتي في مقدمتها أن تربح الولايات المتحدة الحرب ضد ما يسمى بالتطرف الديني الأصولي، في العالم الإسلامي عموماً، والعالم العربي خصوصاً. فهذا التطرف هو الذي ترعرع في كنفه لإرهابيون الذين شنوا حربهم الشعواء على الشعب الأمريكي، وعلى منجزه الحضاري، ومكتسباته الاقتصادية في 11 سبتمبر المشؤوم. لقد هيأت هذه الأحداث لأمريكا أن تشن على عالمنا حربها الجديدة.  وهذه الحرب يسميها البعض، في أمريكا نفسها، بالحرب العالمية الرابعة، لأن الحرب الثالثة هي الحرب الباردة، التي كسبتها أمريكا للتوّ فوق أنقاض الإتحاد السوفياتي كما هو معلوم.

لقد فتحت أحداث 11 سبتمبر حقل خيارات واسع أمام الولايات المتحدة للمضي في دعم وتأكيد سيادتها على العالم، وهيمنتها على مستقبله. فالحرب على الإرهاب، كانت مناسبة لا يستهان بها في إظهار القوة العسكرية لأمريكا، وأهم من ذلك إظهار القدرة على استخدام هذه القوة، كلما احتاج الأمر إلى ذلك، هذا بغض النظر عما حققته أمريكا حتى الآن من نجاحات عسكرية فوق الأرض (مؤخراً في أفغانستان والعراق مثلاً).

ليس للتحليل الموضوعي الاّ أن يضع أحداث 11 سبتمبر، إذن، في ذلك الموقع المهم من التطور المذهل للأحداث التي اجتاحت العالم، وهزته هزاًً عنيفاً، ما مكنَّ الولايات المتحدة من التحكم المباشر في الخيوط الرئيسة للعبة الجديدة، أو للنظام الجديد، الذي ولد حقيقة في ذلك اليوم. وهو نظام السيد والأتباع، أو نظام العصا لمن عصى، أو نظام القوة الأوحد، التي تختار وتقرر، لأن أمنها هو أمن العالم، ولأن مصالحها هي مصالح العالم.

***************

وبما أن الشأن الاقتصادي من الحيوية والأهمية بمكان في ضمان القوة، وحمايتها، ودعمها، أياً كانت هذه القوة، فإن هذه المسألة هي بالنسبة إلى الولايات المتحدة بالذات مسألة مصيرية، ويتوقف عليها مستقبلها كله، من حث القوة المنفردة، ومن حيث الاستئثار بكل المقومات الأساسية للهيمنة، ولذا فلا بد أن نعطي حوله بعض التفاصيل المفيدة، ولا سيما من حيث حجمه، ومن حيث علاقة الحروب الأمريكية بالنفط في المنطقة.

إن الموضوع الاقتصادي هو الموضوع الذي يشغل الكثيرين من المعنيين بالشأن الأمريكي، كما ذكرنا آنفاً، وهم يرون أنه نقطة الضعف التي يحاول مشروع الهيمنة أن يسدها، ليكتمل المشروع ذاته، أي في كل عناصره، وكل مقوماته اللازمة. بل أنهم يرون أن نقطة الضعف هذه قد تسهم في بناء تصور وهمي لـ ” إمبراطورية هشة ” لن يتحقق لها الصمود والاستمرار. فمانويل تود في كتابه ” ما بعد الإمبراطورية ” lampire apres بحسب جورج طرابيشـي(13) يرى أن أمريكا ليست القوة الوحيدة في العالم، وهي لن تكون قادرة على الاستمرار في التصرف على هذا النحو. فالعالم، أوسع، وأكثر تنوعاً، واكثر دينامية، وتوزعاً للقوى، من أن يقبل بهيمنة قوة واحدة، مهما تكن في حدّ ذاتها عظمى. هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى فإن الولايات المتحدة نفسها – في نظره – تفتقر إلى المقومات الأساسية لتحقيق إمبراطوريتها المنتظرة، وفي مقدمة تلك المقومات الاقتصاد، والقدرة الاستراتيجية.

إن العالم اقتصاديا، وفق رؤية بعض المحللين، متعدد القطبية، فهناك أوربا الموحدة (بما فيها زخم ألمانيا بعد التوحيد) وهناك الصين واليابان، وهؤلاء – جميعاً – مازالوا يضايقون “الكبير” الأمريكي، على مستوى التفرد الاقتصادي، ولهذا فإن من أهداف أمريكا الأساسية اليوم إعادة ترتيب أوراق الحالة الاقتصادية بما يخدم إقتصاداتها.

وليس صحيحاً، في رأي هؤلاء، أن تأكيد الوجود الأمريكي في الخليج، غرضه مجرد تأمين وصول البترول إلى أمريكا بسعر مقبول، ولكن غرضه كما يرون، هو بالأحرى وبعد ذلك، أن يكون التحكم في “الصنبور” أساساً بيد أمريكا، فتتحقق لها بذلك فرص الضغط على أوربا واليابان والصين، لتبقى هذه الدول تحت رحمتها دائماً. فالصين تستورد من منطقة الخليج 80% من استهلاكها البترولي، وكذلك الحال بالنسبة إلى أوربا واليابان، إذ تعتمدان اعتماداً شبه كامل على بترول الخليج، بينما تستورد الولايات المتحدة من بترول المنطقة العربية ما بين16% إلى18% فقط(14).

إن مانويل تود في الكتاب المذكور أعلاه(15)، يرى أن ظاهر القوة الاقتصادية الأمريكية يأخذ أبعاداً أقل مما هو عليه الحال، متى ما قسنا تلك القوة بمعيار الناتج الصناعي الصرف، وليس بمعيار الناتج القومي الإجمالي، فالناتج الصناعي الأمريكي، الذي كان يمثل، غداة الحرب العالمية الثانية، نحواً من نصف الإنتاج الصناعي العالمي، بات اليوم أدنى بقليل من الناتج الصناعي الأوربي، وأعلى بقليل من الناتج الصناعي الياباني. وبعد أن كان الميزان التجاري الأمريكي موجباً، حتى نهاية الستينات، شرع يسير سلباً منذ مطلع السبعينات، بل أن العجز التجاري الأمريكي ارتفع من نحو  (100 مليار دولار) عام 1990م، ليتعـدى     (450 مليار دولار) عام 2000م والخطير في هذا العجز، أن بند النفط لا يمثل فيه، خلافاً لما قد يتبادر إلى الظن، سوى 80 مليار دولار، على حين أن بند المنتجات الصناعية المستوردة يمثل 366 مليار دولار.

وليس أدل على موقع التبعية، الذي تجد أمريكا نفسها فيه (وهو غير موقع التحكم) من كون عجز الولايات المتحدة التبادلي مع الصين – وهي دولة لم يكن لها وجود في الدورة الاقتصادية العالمية قبل ربع قرن– قد بلغ عام 2001م نحو من 83 مليار دولار، وهو رقم يفوق العجز الأمريكي إزاء القطبين الاقتصاديين التقليديين اليابان (68 مليار دولار) والاتحاد الأوربي (60 مليار دولار).

ولا يغير شيئاً في موقع التبعية المستجدة هذا، ما يقال عن موقع التحكم، الذي تحتله الولايات المتحدة في مجال تصدير منتجات التكنولوجيا العالية، فالميزان التجاري الأمريكي كان يمثل بالفعل، في هذا المجال، فائضاً بمقدار 35 مليار دولار عام 1990م، لكنه انخفض إلى 5 مليارات دولار عام 2001م، وصار سالباً ابتداءً من كانون الثاني (يناير) عام 2002م.

وهكذا فأن أمريكا، فيما يبدو، قد أضحت امبراطورية للاستهلاك، وليس للإنتاج كما قد يظن الكثيرون(16).

ولا ينبغي أن نغفل هنا أن العولمة هي الشكل المعاصر لهيمنة وسيطرة الرأسمالية بأبعادها المختلفة: الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية والعسكرية وهي في جوهرها وتجلياتها تسعى سعياً حثيثاً لفرض إرادة ونفوذ الولايات المتحدة على العالم وهو ما يعرف الآن بـ (الأمركة) استناداً إلى التفرد والتفوق الأمريكي. وهذا واحد من الأساليب أو الإستراتيجيات التي أخذت بها الولايات المتحدة في ظل تراجع الوزن النسبي للاقتصاد الأمريكي إزاء المنافسين الحاليين الذين ذكرناهم أعلاه (الاتحاد الأوروبي واليابان) أو المحتملين (الصين، روسيا، وربما الهند).

إن التدخل في العراق، ليس هدفه النهائي – إذن – تغيير النظام المستبد في بغداد، أو درء مخاطر الإرهاب، أو تجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل، أو إهداء الحرية والديمقراطية للعراقيين هناك، بل إن غايته هي استخدام القوة العسكرية، للسيطرة الاقتصادية على العالم. ولعل هذا هو أحد أبرز الأسباب في عدم قبول بعض دول أوربا – عدا بريطانيا – بمبدأ الحرب على العراق حينذاك، ومن ثم العمل الحثيث على عرقلة المساعي الأمريكية التي كانت ترمي في هذا الاتجاه.

إن الخليج، في النتيجة، هو أكبر مستودع للاحتياطات النفطية، وهو مصدر مذهل للقدرة الإستراتيجية، وواحد من أعظم الجوائز المادية في العالم، وبالتالي فهو نقطة مفصلية في أمر السيطرة على العالم، من حيث وضع مفتاح النفط، وحسابات تسعيره، وإنتاجه، تحت القبضة الحديدية الأمريكية. وكيسجنر هو صاحب نظرية “تفتيت المنطقة” وتقسيم دولها، وتقاسم خيراتها، وتجزئة الحلول السلمية بينها وبين إسرائيل، لضمان السيطرة الكاملة عليها. ويقول كيسنجر: ” المصلحة القومية تكمن في مقاومة جهود أي قوة تريد الهيمنة على آسيا، وينبغي أن تكون أمريكا مستعدة للقيام بذلك من دون حلفاء إذا لزم الأمر”(17). وهذا هو ما يحدث اليوم بالفعل، فأمريكا تقوم بغزواتها المظفرة في المنطقة، دون حاجة إلى حلفاء يدعمونها، ودون حاجة إلى شرعية تسوغ فعلها.

على الرغم من مدى حاسمية العامل الاقتصادي في مسألة اكتمال الهيمنة أو السيطرة على العالم، فإن أمريكا، بنفوذها السياسي، وقوتها العسكرية الهائلة، تظل القوة الأوحد التي يتحقق لها منظومة طويلة من التبعيات. بل لعل التصرفات الأمريكية القائمة على تأكيد قوتها، هي الطريق الذي اختارته الولايات المتحدة لإكمال ما تبقى لها من عناصر الهيمنة، أي العنصر الاقتصادي، وما من شك في أن الحرب على العراق وما قد يتبعها من حروب، أو وسائل أخرى للهيمنة تصب كلها في هذا الاتجاه.

*******************

لا نريد أن نخوض في “أخلاقية” النزوع الأمريكي إلى الهيمنة على العالم، من حيث كونه طموحاً ينتاب أصحاب القوة، ويغريهم دائماً بالمغامرة، فهناك إمبراطوريات كثيرة طمحت إلى مثل هذا، وعملت على تحقيقه، في مختلف حقب التاريخ، لكن ربما كان من الأجدر لكي تكمل الصورة حول “بطل” هذا البحث – إن صح التعبير – أن نستعرض بعض الوقفات المهمة في النزوع الأمريكي المستمر لتشييد الإمبراطورية التي ترى دائماً بأنها هي الأجدر بقيادة العالم.

إن النزعة إلى الهيمنة، عند أمريكا، ليست إذن بالأمر الجديد، بل هي السمة البارزة في سياستها الخارجية، منذ أزمنة مبكرة. إن الزحف الإمبراطوري الأمريكي، في حقيقة الأمر، كان قد بدأ بعيداً في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، أي مباشرة بعد انتهاء الحرب الأهلية في أمريكا ذاتها. وعندما حلَّت تسعينيات القرن العشرين، كان الانتشار الأمريكي الإمبراطوري – حسب تعبير محمد حسنين هيكل – قد غطى وجه الكرة الأرضية. ويذكر هيكل(18) أنه يلاحظ ضمناً، من خلال المتابعة لتاريخ الولايات المتحدة، أنه يعجب هذه الدولة الفتية، من قصص المغامرات، قصة القرصان الشهير الكابتن مورجان، ومكمن الإعجاب الأمريكي بمورجان، هو فلسفة ذلك القرصان، التي تعبر عنها مقولته: “إن القرصان العادي، هو القرصان الذي يُغير على السفن المسافرة، ثم يقتل ركابها الأبرياء، وينهب حمولتها من الأشياء والنقود. أما القرصان الذكي  (غير العادي) فإنه لا يُغير إلاّ على سفن القراصنة الآخرين، ينتظرهم قرب مكامنهم، عائدين محملين بالغنائم، مجهدين من القتل والقتال، ثم ينقض عليهم محققاً جملة أهداف منها:

–  حصوله، دفعة واحدة، على كنوز عدة سفن، أغار عليها القراصنة العاديون، في رحلة شاقة وطويلة. فهو يحصل على مجمل تلك الغنائم جاهزة، بضربة واحدة.

–  هو لا يرى أنه يرتكب، بهذا النوع من القرصنة، جريمة. فهو لم يزد على أن نهب الذين سبقوا إلى النهب، وقتل الذين سبقوا بالقتل. وعليه فإن ما قام به ليس جريمة، وإنما عقاب عادل، وهو ليس قتلا،ً وإنما قصاص.

–      إنه، بهذا الأسلوب، يصنع لنفسه مكانة وهيبة، تذكرها تقارير النهار، وتتذكرها حكايات الليل.

ومعنى تطبيق أسلوب الكابتن مورجان، أن الولايات المتحدة لا تشغل نفسها بالسيطرة على بلدان مفردة، وإنما تأخذ الأقاليم بالحزمة، كما هو تعبير محمد حسنين هيكل، وهي لا تبلع الدول لقمة بعد لقمة، وإنما تبلع الإمبراطورية بكل ما عليها.

ولنتبع الآن بعض قصص القرصان الأمريكي، وهو يلتهم البلدان والقارات، منذ أن فرغ من ترتيب أوضاعه الداخلية، فوق ترابه الوطني.

لقد بدأت أمريكا، آكلة الإمبراطوريات، في أواخر القرن التاسع عشر، بالإمبراطوريات الأقرب: أسبانيا والبرتغال. وذلك من خلال مبدأ مونرو  (1823م) الذي عُنيّ بأمريكا الوسطى، ومنطقة الكاريبي، ودول القارة الأمريكية الجنوبية برمتها. والمقصود هو الرئيس جيمس مونرو، الذي أعلن أن القارة الأمريكية محظورة، من الآن فصاعداً، على نزعة المغامرة الأوربية، التي ستعتبر الولايات المتحدة أي مظهر من مظاهرها خطراً على سلامها وأمنها. وما يطرأ في هذه القارة، هو من اختصاص الولايات المتحدة المباشر. وبناء عليه، فإنها قليلة جداً، بلدان أمريكا اللاتينية، التي يمكن لها أن لا تعاني من قبضة أمريكا، فالقارة كلها تحولت إلى محمية للولايات المتحدة، أو هي “فناء خلفي” لها، ومرتعاً لمصالح الشركات والاحتكارات التابعة لها.

لقد تدخلت أمريكا عسكرياً – تحت غطاء العمليات السرية – في كل دول أمريكا اللاتينية: بوليفيا والبرازيل وكولومبيا وكوبا والدومنيكان والاكوادور وتشيلي وغواتيمالا وهايتي وهندوراس وجامايكا والمكسيك وبناما والبيرو والسلفادور وسيرنام والأورغواي. وكانت بعض تلك التدخلات لإسقاط الحكومات “المنتخبة” (البرازيل وجواتيمالا) لتعرض مصالح الولايات المتحدة للخطر.  وكان دائماً الهدف المعلن من هذه التدخلات، هو طبعاً الدفاع عن “الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحرية، بينما الهدف الحقيقي المستتر، هو أن تلك التدخلات، تؤدي بشكل أساسي، إلى توسيع دائرة الأسواق المفتوحة أمام أمريكا. والدليل أن تلك التدخلات الأمريكية، لم تفعل أكثر من دعم أو تنصيب من كانوا من أشر منتهكي الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، في تلك المنطقة من العالم(19).

وإثر انتهاء الحرب العالمية الأولى (1918م) أقتحم النفوذ الأمريكي الدائرة الثالثة، وهي أوربا، وكان ذلك فيما يتعلق بحرية الملاحة والتجارة، وصياغة مهام عصبة الأمم. وكان السيناتور الأمريكي البرت بيفرج قد سبق أن أكد هذا التوجه الأمريكي للسيطرة على التجارة العالمية، إذ كتب عام 1898 : “على التجارة العالمية أن تكون تجارتنا، وهي ستكون كذلك، فنحن سنملأ البحار بأساطيلنا التجارية، وسوف نرسم معالم طرقاتنا التجارية، مستوطنات كبيرة، تحكم نفسها بنفسها، وترفع علمنا، وتعمل لأجلنا. وسوف يبلغ القانون الأمريكي (النظام الأمريكي) والحضارة والعلم الأمريكيان، الشواطئ الدافئة المعزولة حتى الآن”(20).

لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية محايدة في الحرب العالمية الأولى، كما أعلن عن ذلك الرئيس الأمريكي آنذاك ودرو ويلسون، الذي قال إن الولايات المتحدة محايدة في هذه الحرب، وأضاف بأن حيادها سيكون بالفعل وبالفكر معاً. لم يكن ذلك صحيحاً، لأن نتائج تلك الحرب كانت ستحسم مستقبل القرن العشرين كله، وأمريكا لا تستطيع أن تترك القرن العشرين يتدفق في مجاريه بعيداً عنها.

فمع اندلاع الحرب العالمية الأولى، بدأت تتعزز في الولايات المتحدة مواقع التيار الداعي إلى الانطلاق إلى آفاق جديدة، لتعريف منتجات المصانع الأمريكية.  وقد دعا أصحاب هذا التيار إلى عدم ترك الغنائم الناتجة عن سقوط إمبراطوريات أوروبا القديمة (العثمانية، الروسية، والنمساوية) حكراً على فرنسا وبريطانيا وقد دفع هذا إلى مشاركة أمريكا في الحرب في نهايتها وفي مراحلها الحاسمة(21).

كل ما في الأمر، أن أمريكا أرجأت قرارها – كما هو متوقع – حتى تمر العاصفة بعيداً عنها، وفي انتظار إن تنهار الإمبراطوريات القديمة الملتفة حول نفسها: الهنجارية النمساوية، والروسية (آل رومانوف) والإسلامية (العثمانية) إذ ينفرط عقدها في ذلك الصراع العالمي الهائل.

كان ما يهم أمريكا بالدرجة الأولى في تلك اللحظات، هو منع انتصار ألماني يصنع على الساحة الدولية إمبراطورية جديدة، في عنفوان شبابها. وقد قدرت السياسة الأمريكية أن عليها الانتظار لفرصة أخرى، للوفاء بمطالبها الإمبراطورية المستقبلية، وقد بقي أمامها بعض الإمبراطوريات (بريطانيا وفرنسا) بعد أن وقع اختزال الإمبراطوريات الثمان – في أعقاب الحرب – من ثمان إلى ثلاث إذا أضيفت روسيا إلى بريطانيا وفرنسا.

ويضيف مروان قبلان(22)، أنه في أول إشارة إلى رغبة الولايات المتحدة في الانغماس في شئون ما وراء الأطلسي، اقترح وودرو ويلسون إنشاء عصبة الأمم، وكانت المدرسة الانعزالية في السياسة الأمريكية، في عشرينات القرن الماضي، هي المسؤولة عن إحباط مشروع عصبة الأمم، السابق للأمم المتحدة، إذ لم يوافق الكونجرس على المصادقة على المشروع. وكان هدف عصبة الأمم المعلن الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، وحل النزاعات الدولية بطرق سلمية، ومنع نشوب حرب كونية جديدة، أما الهدف الحقيقي فيتمثل في اقتسام غنائم الحرب بين الحلفاء المنتصرين، وإحكام سيطرتهم على النظام الدولي الجديد. وهكذا اقتسمت فرنسا وبريطانيا البلاد العربية، بموجب اتفاق سايكس بيكو، في حين حصل الأمريكيون على حق الانتداب على اسطنبول والأجزاء المحيطة بها، بذريعة الحيلولة دون حدوث مذابح جماعية بين الأتراك واليونانيين.

أما فيما يخص الولايات المتحدة من تاريخ الحرب الكونية الثانية، فيذكر بعض المؤرخين الأمريكيين، أن الهجوم على بيرل هاربر، في أواخر العام 1941م، إنما جرى بمعرفة الإدارة الأمريكية، فعمد الرئيس روزفلت إلى الأمر بنقل معظم الأسطول الأمريكي إلى عرض المحيط، ليفوت فرصة تدميره على اليابانيين، وليتركهم، في الوقت نفسه، يهاجمون بلاده، كي يتمكن من إقناع الرأي العام الأمريكي بضرورة الدخول في الحرب.

وقد دخلت الولايات المتحدة إلى الحرب العالمية الثانية، في الربع ساعة الأخير منها، وكان ذلك في ديسمبر 1941م، وقبل روزفلت بالإستراتيجية العليا للحرب، وهي الاستراتيجية التي بمقتضاها تكون الحرب ضد هتلر، لتحرير أوربا، وإلحاق الهزيمة بألمانيا الهتلرية، بدءاً بالإنزال على شواطئ نورماندي، وانتهاء باحتلال برلين. ذلك هو ميدان المجهود الأول للحلفاء، وبهذا تجيء الحرب ضد اليابان في مرحلة ثانية (على الرغم من أن الحرب على اليابان، هي التي أعطت الشرعية، لدى الرأي العام الأمريكي، لدخول أمريكا في الحرب، وذلك بعد الاعتداء على بيرل هاربر كما ذكرنا أعلاه) إن الحرب هكذا تكون قد قضت على هتلر العدو الأكثر خطورة، وعلى الإمبراطورية الأكثر شباباً، وهي الإمبراطورية التي سيكون في استمرارها عرقلة للطموحات الأمريكية، وتعطيل لمصالحها المختلفة، هذا فضلاً أن تأجيل المعركة مع اليابان، سيمكن الولايات المتحدة من الحصول على وضع خاص في دول الكومنولث، فانتشرت القواعد الأمريكية، والتسهيلات، وأدوات النفوذ السياسي ووسائله، في كندا وفي إستراليا. ولم يكن ذلك هو المكسب الوحيد الذي جناه روزفلت، فقد رأى أن الوقت قد حان (حتى قبل أن تنتهي الحرب) لأن تؤول أملاك فرنسا، التي استسلمت للألمان ثم حررها الحلفاء، والأمريكان على وجه الخصوص، تؤول تلك الأملاك إلى نفوذ أمريكا، من شمال أفريقيا إلى الشام، ومن غرب آسيا إلى جنوب شرق آسيا (الهند الصينية الفرنسية وضمنها فيتنام).

ولم تجد خبرة الإمبراطورية البريطانية، وحكمتها ودهاؤها، في ردع أمريكا عن نهمها في إبتلاع الإمبراطوريات، وبما في ذلك الدور الذي سيأتي على الإمبراطورية البريطانية نفسها. وعلى الرغم من المقاومة الشديدة من تشرشل، الذي كان يقول بأنه لم يصبح رئيساً لوزراء ملك بريطانيا، من أجل أن يقوم على تصفية إمبراطوريته. إلا أن هارولد ماكميلان رئيس وزراء بريطانيا، في مؤتمر برمودا (مارس 1957) الذي جمعه بالرئيس الأمريكي إيزنهاور، وقع اتفاقاً مكتوباً، سلمت فيه بريطانيا ممتلكاتها للإمبراطورية الأمريكية الجديدة، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط، التي كانت تعتبرها بريطانيا، بموقعها وثرواتها، هي الاحتياطي الأخير لها. فقد تم شراؤها، في صفقة قيمتها أربعمائة مليون دولار، كانت ضرورية، لإنقاذ بريطانيا من أزمتها المالية الخانقة، في أعقاب حرب السويس.

وهكذا انتهت الحرب بانتصار الولايات المتحدة، فظهر حجم قوتها للجميع، وهي لم تكن تريد إضاعة الفرصة، التي تمكنها من صياغة نظام عالمي جديد، يخدم مصالحها. فقد جندت كل إمكاناتها لتحقيق هذا الهدف. ورأى الأمريكيون أن أفضل طريقة لحماية مصالحهم، وفي الوقت نفسه الابتعاد عن شبهة الهيمنة، هو إنشاء مجموعة من المنظمات والوكالات والأحلاف، التي تعمل على بسط نفوذ أمريكا القوية.

وفي المجال الاقتصادي، تمكنت واشنطن من إنشاء مجموعة من الهيئات الدولية، تحولت إلى أذرع للسياسة الأمريكية، وراحت تفرض من خلالها، على بقية العالم، المعايير الاقتصادية التي يجب اتباعها، وصولاً إلى تعميم النموذج الرأسمالي. وعرفت تلك المؤسسات باسم نظام بروتن وودز Bretton Woods System ، وضمت صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، إضافة إلى الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة الجمركية، وغيرها من الوكالات والتجمعات الاقتصادية. وبحسب الايكونوميست، فإن الصندوق والبنك أصبحا الأداة المعلنة للسياسة الخارجية الغربية، وخصوصاً للسياسة الخارجية للولايات المتحدة.

على أن الإنجاز الأهم، كان وما يزال ربط الاقتصاد العالمي بالدولار، وبالاقتصاد الأمريكي الذي أصبحت أصوله مقياساً لصحة أو مرض الاقتصاد العالمي، فيما تولت منظمة التجارة الدولية اكتساح ما تبقى من حواجز الحماية الوطنية، وفتح أسواق العالم أمام البضائع والمنتجات الأمريكية.

لقد خرجت الولايات الأمريكية من الحرب الثانية، كأكبر المنتصرين، وبهدف لم يفارقها قط، وهو التوسع في نفوذ الهيمنة، وقد رسخت هيمنتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية في أوربا الغربية.

ويمكن النظر إلى الموقف الأمريكي من أوربا من زاوية أخرى، وهي أن أمريكا كانت قد وقفت تنظر، بكثير من الترقب، إلى الغرور الأوربي الذي حول القارة الصغيرة إلى محور للكون، فالدور الأوربي هو هكذا دور مركزي في صياغة الحياة البشرية فوق الكوكب. وهذه القارة الصغيرة فضلاً عن عنفوانها الاستعماري، فهي القارة التي شهدت ولادة الثورة العلمية، التي غيرت مجرى التاريخ، وقد تركت الحركة الفلسفية في أوربا بصماتها في كافة أرجاء الأرض.

ولقد كان دور الأمريكيين دائماً، هو انتظار ما ينجم عنه الغرور الأوربي من منافسات داخلية، كان من أبرز نتائجها الحربين العالميتين اللتين تحدثنا عنهما آنفاً.

وقد ظهر الأمريكان في تلك الحربين، على أنهم المخلِّصون، الذين أنقذوا أوربا من نفسها، سواء بالتدخل العسكري، أو بالإسهام الفعّال في إعادة البناء على أسس جديدة(23).

وقد سعت الولايات المتحدة الأمريكية، إثر إنتهاء الحرب العالمية الثانية، إلى فرض نفوذها وهيمنتها على دول المتروبول، المستعمرات السابقة في آسيا وأفريقيا، وفي دول أمريكا الجنوبية، فقد نشطت المخابرات المركزية الأمريكية الـ CIA، التي تأسست سنة 1947، في تنظيم الانقلابات، وتغيير الحكومات في الدول التي تعتبرها معادية.  وقد حدث هذا في الكونجو 1961 و 1997، وفي جنوب أفريقيا، في مساندة نظام الفصل العنصري، والتعاون معه في تجنيد المرتزقة، من أجل الإطاحة بالأنظمة غير الموالية لأمريكا، ولاسيما في أنغولا وزيمبابوي وغينيا بيساو وجزر الرأس الأخضر.  والولايات المتحدة تحاول دائماً، في الوقت نفسه، استغلال النفط والمعادن النفيسة والمواد الخام في تلك البلدان. وقد ذهب، ضحية لترتيبات الـ CIA، المئات من القتلى والمصابين. وهي كانت وراء الحروب الدامية التي أشعلت القارة الأفريقية، وشملت السودان وبروندي ورواندا وأثيوبيا والصومال وزائير وليبيريا وتشاد. وكان الهدف المعلن دائماً هو تعميم الليبرالية الاقتصادية وقيم السوق، والديمقراطية(24).

أمّا في آسيا كان للولايات المتحدة بعض الغزوات التي تمثلت في أنواع من الاحتلال العسكري، أو نشر القواعد العسكرية، أو دعم الأنظمة الدكتاتورية وإسقاط الأنظمة الوطنية، وهي ما تؤكده تجارب فيتنام وكوريا وتايوان، والفلبين وإندونيسيا واليابان وباكستان.

لقد كانت سياسة الانقلابات لعبة أثيرة لدى CIA، وهي أثبتت جدواها في عدد من بلدان آسيا وأفريقيا. وكان الهدف من تلك الإنقلابات هو اقتلاع أفكار، وإزاحة رجال وحركات لا تروق للولايات المتحدة. ولم يكن مهماً لو جاءت نتائج كل ذلك، على البلدان المستهدفة، خراباً ودماراً وفوضى.

وعلى امتداد عقود الحرب الباردة، كانت مهمة الـ CIA هي الانقلابات، والحروب المحدودة، والحملات النفسية، وفيها التخويف والتشهير، وزعزعة الاستقرار، واغتيال الزعماء، بالرصاص: كما حدث مع الليندي في تشيلي، أو بالسم: كما جرت محاولة مع كاسترو في كوبا، أو بالقتل المعنوي: كما حدث لأحمد سوكارنو في إندونيسيا، أو بالخنق الاقتصادي: كما حدث لدول عديدة مثل السودان وليبيا (25).

ثم جاءت بعد ذلك الترتيبات، التي قادتها أمريكا، بهدف التصدي للخطر السوفياتي، والمدّ الشيوعي، خلال الحرب الباردة. فنشرت أمريكا قواعدها العسكرية على نطاق واسع، و تشكلت سلسلة الأحلاف العسكرية، لتطويق الاتحاد السوفياتي، من كل اتجاه، وأولها حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العام 1949، وحلف جنوب شرق آسيا لمواجهة الصين (حليف السوفيات وقتها) ثم محاولة إنشاء حلف في الشرق الأوسط، الذي تصدرت له بريطانيا، لكن خطى ذلك الحلف تعثرت في حرب السويس سنة 1956(26)  وكذا معاهدة انزوس ANZUS Treaty عام 1951، وهي ضمت أمريكا واستراليا ونيوزيلندا. ثم معاهدة الستنو التي ضمت باكستان وإيران وتركيا والعراق. وقد سعت الولايات المتحدة عن طريق الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية لإجهاض الانتفاضة الشعبية في اليونان 1947م ومنع الحزب الشيوعي الإيطالي من الوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات، والضغط لإخراج الوزراء الشيوعيين وحكومات الوحدة الشعبية فرنسا والنمسا، والعمل على إعادة الديكتاتورية العسكرية في أسبانيا والبرتغال واليونان وتركيا، وكل ذلك بحجة التصدي للخطر السوفياتي (27).

وعلى مشارف نهاية الحرب الباردة، شرع الرئيس الأمريكي ريجان في تلبس دور الكابتن مورجان، يلتقط، من بين يدي جورباتشوف، الأقاليم الجمهورية السوفياتية، أثناء انتقالها إلى حوزة الإمبراطورية الأمريكية.

كانت أمريكا قد ضمنت تحالف أوربا الغربية طيلة سنوات الحرب الباردة، ولكن بعد أن انهار الاتحاد السوفياتي، تمكن الطرفان (أمريكا وأوربا) من “النظر إلى نفسيهما مجدداً في المرآة، بحثاً عن صياغة جديدة لإعادة تعريف الذات، وإعادة النظر في تعريف العلاقات الدولية تبعاً لذلك” فمبدأ توازن القوة بين الدول الكبرى، كما كان سائداً، لم يعد له معنى في نظر الأمريكان اليوم، لأن النظام الجديد يقوم طبقاً لرؤية واحدة وبقوانين وبشروط يفرضها الطرف الأقوى.

ولقد استطاعت أمريكا أن تعصف – مؤخراً – بالاتحاد الأوربي، الذي أخذ يظهر بعض النوايا في مقاومة التفرد الأمريكي بالكون. وأوضح ما يؤكد ذلك، الانقسام الشديد بين دول الاتحاد، بين مَنْ يفضل السير في ركاب الولايات المتحدة، ومن يعمل على أن تنفرد الدولة العظمى بصياغة مستقبل العالم. ثم زاد ذلك الانقسام حدة، بعد أن أضحى المحور الفرنسي – الألماني يخيف شركاء البلدين في الاتحاد، فزاد بالتالي ارتماء الأوربيين الآخرين في أحضان أمريكا، نتيجة ذلك التخوف. ويبدو – كما يعبر أحد المحللين – بأن جزءاً من التفاهم غير المكتوب داخل الاتحاد، هو عدم السماح لدولة بعينها بالتفرد بزعامته.

****************

وعودة إلى هيئة الأمم المتحدة، فإن إنشاءها كان فكرة أمريكية خالصة، كما سبق ذكره، وكان الغرض منها “استخدم الغطاء الدولي وسيلة لتحقيق أغراض الأمن القومي الأمريكي”. ولكي تأخذ قرارات الأمم المتحدة صفة الإلزامية، جرى استحداث مجلس الأمن، الذي يتمتع فيه حلفاء الحرب بميزات، تم حجبها عن بقية أطراف المجموعة الدولية (مثل العضوية الدائمة، وحق استخدام الفيتو) وقد أحسن الأمريكيون دائماً استخدام المجلس، خلال الأزمات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. وكان نجاحهم الأبرز في استصدار قرار لوقف الزحف الكوري الشمالي على الجنوب. ثم في حشد التحالف الدولي، واستصدار القرارات، التي واكبت أو تلت حرب الخليج الأولى. وهناك التدخل في الصومال، وفي هاييتي، وفي البوسنة، وفي غيرها.  إضافة إلى القدرة على فرض حصار اقتصادي على كل من لا تروق سياسته للولايات المتحدة، مثل ليبيا والسودان وكوريا الشمالية(28).

وزيادة في الإيضاح، فالأمم المتحدة، اليوم، هي ملكية حصرية لقوة عظمى وحيدة، هي الولايات المتحدة، كما كتب ذلك الأمين العام السابق للأمم المتحدة، بطرس غالي في كتابه: “الأمم المتحدة المهزومة: مأثرة   الولايات المتحدة – الأمم المتحدة Unvanquished: A U.S. – U. N. Saga”

فالمنظمة الدولية، كما يقول أمينها العام السابق، تستغل، من خلال استخدام الترهيب والتهديدات، وحق النقض “الفيتو” كما أنها تستغل أيضاً في تشريع تحركات أمريكا، وتشكيل الائتلافات، وفرض العقوبات. أما عندما يتصدى الرأي العام العالمي للولايات المتحدة فإنها تعامل المنظمة باحتقار كبير(29).

إن أمريكا لا تجد حرجاً، اليوم، خصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر، في إعادة مفهوم الحرب في القرن التاسع عشر. وهو المفهوم الذي يرتكز على أن الحرب فن وإدارة سياسية. إذ يشتد الحديث عن الحرب كوسيلة شرعية في تنفيذ السياسات المتوخاة أو المرسومة.  وقد أعاد الرئيس بوش مثل هذا المفهوم، في الخطاب الذي ألقاه في يونيو الماضي، وتحدث فيه عما سمي بالحرب الاستباقية. وهذا النوع من الحرب ظهر، فيما بعد، في وثيقة صادرة من البيت الأبيض بعنوان “استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية”

The National Security Strategy of United States of America  وهي تعطي لأمريكا الحق في المبادرة بالاعتداء، لمنع أي تهديد لأمنها. ومن هنا يتصيد الأمريكيون بعض منطق في الحرب التي شنوها مؤخراً على العراق.  فأمريكا، وفق هذا المفهوم، تعتبر نفسها مهددة، ولهذا فقد تذهب إلى ما هو أبعد من العراق : إعادة رسم خريطة منطقة الشرق الأوسط، لسدّ الفجوات الأمنية المتربصة بها.

هكذا تبلورت، اليوم، السياسات الدفاعية المعروفة للولايات المتحدة، وهي السياسات التي تقوم على فكرة الحروب الاستباقية، وهكذا أصبح من المقبول، لدى الرأي العام الأمريكي خصوصاً، التفكير في إعادة رسم خريطة منطقة الشرق الأوسط، وإعادة ترتيب وتنظيم الأولويات فيها. هذا مع ترداد بعض الدعوات، إلى مراجعة مستقبل بعض الحلفاء الإستراتيجيين. كما وجدت بعض الحسابات فرصتها للتصفية. ولعل الحرب على العراق لم تكن سوى البداية للأجندة الأمريكية الجديدة، التي يصار إلى تطويرها كل يوم. ونحن ما نفتأ نسمع عن تهديدات، مضمرة أو معلنة، تستهدف أنظمة إسلامية مثل إيران (أحد محاور الشر في التصور الأمريكي) وكذلك بعض الأنظمة العربية الأخرى، مثل السودان وليبيا، ثم سوريا على وجه الخصوص، التي وضعتها بعض التحليلات في قمة الأولويات الأمريكية، بعد العراق، وذلك بحجة أن سوريا تدعم، أو تؤوي، بعض الفصائل الفلسطينية المتشددة (مثل الجهاد الإسلامي، وحماس) وهي أيضاً تقدم الدعم العسكري والسياسي لحزب الله، الذي يحتل هو، من جهته، رأس قائمة التنظيمات الإرهابية، في المنطقة التي تعد من الأهداف الواضحة للحرب الأمريكية على الإرهاب.

وقد رأينا أن أمريكا لم تتردد، ولم يكن هناك من شيء يمكن أن يوقفها عن خوض الحرب على العراق، على الرغم من معارضة الأمم المتحدة لها، وعلى الرغم من خروج المظاهرات، بالملايين من البشر، حتى داخل أمريكا ذاتها، ممن نددوا بأمريكا، ورفضوا الحرب، وعلى الرغم من التوقعات المذهلة، حول التكلفة البشرية الهائلة، التي كان من الممكن أن تنجم عنها تلك الحرب. إذ أشار تقرير للأمم المتحدة(30)، إلى أن ما يقدر بنصف مليون من المدنيين العراقيين سيتعرضون للأذى، بما في ذلك الموت، والحاجة إلى معالجة طبية. وسيكون هناك عدد كبير من الناس المحتاجين إلى معالجة نفسية غير متوفرة، كما سيعاني ثلاثة ملايين شخص، خصوصاً من الأطفال، من سوء التغذية.

وانسجاماً مع مفهوم الحرب، الذي يجعلها وسيلة شرعية في تنفيذ السياسات، لم يعد من المستغرب أن نشاهد رامسفيلد مفاخراً بأن ما بين 500 إلى ألف طائرة حربية، تستطيع أن تنطلق خلال الساعات الأولى من الحرب على العراق، وهي مجهزة بقنابل تستهدف مواقع عدة.  وهكذا فإنه لم يعد مصدر الفخر لوزير دفاع أمريكا، ذي الأنياب الحادة، والمخالب الجارحة، هو أخلاق أمريكا، وقيمها الحضارية، بل، كما يؤكد د. حليم بركات، القوة العسكرية المتفوقة، والقدرة الهائلة على التدمير.

وواضح أن القيم الأمريكية، في العدل والحرية الديمقراطية وحقوق الإنسان، قد أخذت تتوارى، وتترك مكانها للقوة العسكرية، والغزو، والاحتلال، وقضم الأوطان والتهامها. فالقاموس الأمريكي الجديد في ظل تبدل المفهومات، وتطور التطلعات، يبدو أكثر احتفاء بلغة النظام الجديد، التي تصمم الولايات المتحدة على فرضه على العالم.

يقول اندريا شيفيتش، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة بوسطن: “إن ما يهم الإمبراطورية (الأمريكية الجديدة) هو أن تظل هي القوة العسكرية الأعظم في العالم إلى آخر الزمن”(31). وهذا طبعاً بغض النظر عما يفكر فيه الآخرون، أو ما يريدونه، أو ما يطمحون إليه، وذلك لسبب بسيط، هو أن على هؤلاء الآخرين أن يتعلقوا فقط بالعربة الأمريكية، فهي الأولى والأعلم بمصالحهم، ومصالح الكون كله.

وفي “دليل السياسة الدفاعية” الذي وضعه بول ولفويتز وآي لويس ليبي المشهور بـ”سكوتر Scooter” وجوب تحقيق التفوق العسكري للإمبراطورية الأمريكية على العالم، ومنع قيام أي قوة مناهضة للولايات المتحدة.

وسياسات البنتاجون تدعو إلى الاعتماد على القوة العسكرية الضاربة، لدعم الدبلوماسية، وتدعو تلك السياسات إلى شلّ الأمم المتحدة، ومحاصرة روسيا والصين، وضرب وحدة أوربا، وتجنب صعود قوة عظمى لعقود مقبلة.

والرئيس الأمريكي السابق جيمي كارتر قال: في خطاب استلام جائزة نوبل في خريف 2002 : أن العالم قد تغير كثيراً اليوم، فهناك قوة عالمية واحدة، تملك قدرات عسكرية واقتصادية لم يسبق لها مثيل، فموازنة التسلح الأمريكي للعام المقبل (كان يعني 2003 م) تفوق مجموعة موازنات الدول الـ 15 التي تلي الولايات المتحدة قوة.  وقال كارتر: إن اعتماد البلدان القوية مبدأ الحرب الاستباقية، هو مثال قد يؤدي إلى نتائج خطيرة.

ويقول بروكس وولفرث “Brooks Wilferth”: لا توجد قوة أو كتلة، في الكفة الأخرى من الميزان، يمكنها أن تجبر الولايات المتحدة على أن تفعل ما تريد أن تفعله في المضمار الدولي(32).

إن هدف أمريكا، اليوم، هو إعادة تشكيل العالم بما يتواءم ومصالحها. ويرى صقور الإدارة الأمريكية كلهم، أن مشروع إعادة تشكيل العالم، مادام مدعوماً بقوة عسكرية ساحقة، فلا مناص من أن يتحقق. والعالم ليس أمامه الاّ أن يرضخ عندما يتأكد من جدية الولايات المتحدة تصميمها. وأمريكا، لن تسمح لأحد بعد الآن أن يبتزها، فهي لن تقدم جوائز لأحد، ولن تشتري رضا أحد، إذ تكفي الفائز السلامة من نار غضبتها. ثم إن أمريكا اليوم وهي الأقوى من كل يوم، لا تحتاج للاختباء وراء الأمم المتحدة. أما المجموعة الدولية فهي من بنات خيال المثاليين الضعفاء، فليس هناك إلا أمريكا القوية، التي، من جهة أخرى، لم تعد تحتاج إلى حلفاء، فهي قادرة على بلوغ ما تريد بمفردها، متى شاءت، وحيث شاءت(33).

إن تحول أمريكا، من جمهورية ديمقراطية إلى إمبراطورية شرسة مستبدة، تسعى إلى السيطرة على العالم، ليست تهمة توجه إليها من الخارج، بل أن ذلك هو الواقع الذي يلاحظه الأمريكيون من داخل أمريكا ذاتها. فقد بدأ يتبلور داخل الثقافة السياسية الأمريكية تيار فكري نقدي، يتهم الولايات المتحدة بالتحول، من جمهورية ديمقراطية، تناصر حق الشعوب بتقرير مصيرها، إلى إمبراطورية، تعتمد استعمال القوة العسكرية في سيبل السيطرة على العالم. فهي لا تتردد في استخدام القوة، بدلاً من الدبلوماسية العاقلة، القائمة على التعاون والاحترام المتبادلين، لتأمين المصالح المشتركة، ولحل المشكلات المستعصية حلاً عادلاً وسلمياً(34).

وللتعرف على بعض هذا التيار الفكري، هناك دراسة جادة، عبارة عن كتاب، صدر منذ سنتين، عن دار نشر جامعة هارفرد، بعنـوان “Empire” الإمبراطورية لمايكل هاردت وأنتونيو فيغري(35). وقد تناولا، في الدراسة المذكورة، تركيبة النظام العالمي في الوقت الحاضر، وتبدل مفاهيم السيادة، ونشوء قوى مضادة للإمبراطورية المسيطرة، واحتمالات تقهقر الإمبراطورية وسقوطها. ومن خلال تلك الدراسة، يتبين انهيار مفاهيم سيادة الشعوب على مصيرها، في ظل نشوء سيادة القوة التي تتحكم بالعالم، ولاسيما من خلال عولمة لا تقبل حدوداً. فالسيادة اتخذت مفهوماً جديداً، يتعدى الحدود، ويتمثل بقيام نظام عالمي واحد، يخضع لمنطق واحد للحكم. وفي ظل هذا النظام العالمي، تفقد الأمم والشعوب حقوقها، بالسيادة على مواردها ومقدراتها، وكذلك تقرير مصيرها، وهذا هو ما سمي بالإمبراطورية. أما السلطة النهائية التي تدير العولمة، والنظام العالمي، فهي الولايات المتحدة منفردة.  وإذا كان القرن التاسع عشر هو القرن البريطاني، وإذا كانت الحداثة أوربية، فإن القرن الواحد والعشرين هو قرن أمريكا بلا أي منازع، وما بعد الحداثة هو عصر أمريكي بامتياز.

***************

إن كل ما يحدث اليوم في أمريكا، يذكرنا بحادثة في هنولولو عندما كتب القنصل الأمريكي تليغرافاً إلى واشنطن، بعد أن رفع العلم الأمريكي على القصر الملكي، يقول:

لقد استوت ثمرة الكمثرى في هاواي، وهذه ساعة قطفها.

ثم عاد القنصل يعزز تليغرافه بتقدير عملي للموقف، يقول فيه:

“إن واجبات الشرف (هكذا!) تحتم علينا أن نحتل هذه الجزر ملكاً خالصاً للولايات!! وإذا لم نفعل ذلك فإن الحكومة البريطانية سوف تفعله، خصوصاً وهي تدعي بأحقيتها بهذه الجزر باعتبار أن الكابتن الإنجليزي كوك هو أول من وصل إليها”

ويورد ستانلي كارنوف، في كتاب “أمريكا تتجه إلى العولمة” America Goes Global  بعد هذه الواقعة تعليقاً كتبه المفكر والمؤرخ جورج كينان بعد ستين سنة قال فيه: “إنه منذ ذلك اليوم أصبحت تعبيرات مثل “واجب الشرف” و “مهمة مقدسة” و “وحتمية ضرورية” تعبيرات شائعة تفصل وتطرز كساء لمطالب القوة الأمريكية(36).

وإن ما يحدث في أمريكا اليوم يذكرنا أيضاً بما قاله الشاعر البريطاني رديارد كيبلنج (صاحب المقولة المشهورة: الشرق شرق والغرب غرب ولا يلتقيان) عندما زار أمريكا، أول مرة، فأراد تشجيع أعضاء الكونجرس، الذي يريدونها إمبراطورية، إذ نشر قصيدة قال فيها:

لا تنزعجو من تحمل مسؤولية هؤلاء الذين وقعت أقدارهم في أيديكم

سوف تجدون أنهم مخلوقات متعبة: نصف شياطين ونصف أطفال.

أفهموا أن أمريكا لم يعد في مقدورها أن تهرب من رجولتها.

تعالوا كي تمارسوا هذه الرجولة الآن، حتى وأن كانت نتيجتها جحود فضلكم.

أقبلوا متذرعين بالشجاعة، وبالحكمة، وتعلموا من تجربة من سبقوكم(37).

هل من حقنا أن نتصور، أن صوت هذا الشاعر البريطاني مازال يتردد في آذان صقور الإدارة الأمريكية اليوم، أي هؤلاء الذين تأهبوا ويتأهبون للانقضاض على العالم، معتقدين فعلاً بأنه مملوء بالمخلوقات المتعبة، (نصف شياطين، ونصف أطفال) وعليهم، بناء عليه، أن يمارسوا رجولتهم متذرعين بالشجاعة، وبتجربة من سبقوهم في تاريخ أمريكا الطموح دائماً؟! إننا نجد أنفسنا مسوقين إلى مثل هذا التصور المشروع، مادمنا لا نسمع ولا نرى الاّ الوعيد، ونذر القوة، القوة العسكرية تحديداً.

وهناك واحدة من أشهر المداخلات، أثناء مناقشة الكونجرس سنة 1898م في مسألة الإمبراطورية القديمة، وهي وردت على لسان السيناتور ألبرت بيفردج، في سياق خطاب له عنوانه “زحف العلم”، يقول: ” عليكم أن تتذكروا اليوم ما فعله آباؤنا، علينا أن ننصب خيمة الحرية أبعد في الغرب، وأبعد في الجنوب. إن المسألة ليست مسألة أمريكا، ولكنها مسألة زمن يدعونا إلى الزحف تحت العلم، حتى ننشر الحرية، ونحمل البركة إلى الجميع. علينا أن نقول لأعداء التوسع الأمريكي، إن الحرية تليق فقط بالشعوب التي تستطيع حكم نفسها، أما الشعوب التي لا تستطيع، فإن واجبنا المقدس أمام الله يدعونا لقيادتها إلى النموذج الأمريكي في الحياة، لأنه نموذج الحق مع الشرف. فنحن لا نستطيع أن نتهرب من مسؤولية وضعتها علينا العناية الإلهية، لإنقاذ الحرية والحضارة، ولذلك فإن العلم الأمريكي يجب أن يكون رمزاً لكل الجنس البشري(38).

أليس من حق أطفال العالم أن يعتقدوا بأن صقور الإدارة الأمريكية اليوم، يخبئون في إهابهم تلك الإرادة الأمريكية القديمة للسيطرة على العالم، بحجة أن بعض هذا العالم غير قادر على حكم نفسه، وبذريعة الاعتقاد بأهمية تعميم القيم الأمريكية على الكون؟! لعلنا نجد في التصرفات، وإعلان النوايا، ما يبيح الاعتقاد بمثل ذلك.

والحقائق التاريخية تدحض الوهم الشائع بأن الولايات المتحدة لا تمتلك سجلاً استعمارياً حافلاً على غرار ما هو معروف من الدول الاستعمارية المعروفة (الأوربية خصوصاً). فقد دخلت الولايات المتحدة الحرب ضد المكسيك واحتلها ثم اقتطعت حوالي نصف أراضيها (كاليفورنيا وأريزونا) كما احتلت بورتوريكو، وجزر هاواي وضمتها إليها، واحتلت دولاً عديدة لمدد متفاوتة، في مناطق مختلفة من العالم، مثل كوبا وهندوراس وهاييتي وجواتيمالا وباناما في أمريكا الوسطى، والفلبين في آسيا، كما فرضت الإدارة العسكرية على ألمانيا الغربية واليابان أثر إنتهاء الحرب العالمية الثانية.

أقترن تاريخ الولايات المتحدة – منذ التأسيس – بسمعة غير حسنة فيما يتعلق بحقوق الإنسان، فقد استخدم العنف والقتل بحق سكان البلاد الأصليين، إضافة إلى تفشي الأمراض والجوع بينهم، ولم يحصلوا على الجنسية الأمريكية إلا في سنة 1924م، وفي سنة 1976م فقط أقر الكونجرس للهنود الحمر بممارسة دياناتهم الخاصة بهم. كما أن سجل الولايات المتحدة، بحق الأثنيات والعرقيات، هو سجل مخزٍ، ومن ذلك العبودية البشعة التي عانى منها الأمريكيون الأفارقة، أثناء تجارة الرقيق، الذي طال عشرات الملايين من الذين جلبوا من القارة السوداء، عن طريق الاختطاف والعنف المسلح. وقد قضى الملايين منهم أثناء المعارك، أو خلال رحلة الألم والعذاب عبر المحيط، أو تحت سياط المالكين، وقسوة أرباب العمل، حيث كانوا يعملون بالسخرة، ويعاملون كالحيوانات.

وقد استمرت سياسية التمييز العنصري المعززة بالقانون، حتى أواسط الستينات من القرن العشرين، إذ ألغيت التشريعات العنصرية (مارتن لوثر كنج) غير أن السود مازالوا يعانون من التمييز في الوظائف والأجور، وتعسف رجال الأمن، وتحيز القضاء، ويحصل 30% من السود الأمريكيين و20% من الأسبان الأمريكيين على رواتب أقل من الخط الرسمي للفقر ويقبع في السجون الأمريكية من السود 3000 شخص من أصل كل 100.000 أسود ذكر(39).

**************

إن النظرة الأمريكية إلى العالم اليوم، لا تخرجه من دائرة أنه لا يزيد عن كونه “حديقة داخلية” لأمريكا ذاتها.

هناك من يقاوم فكرة “الإمبراطورية” في السلوكات الأمريكية الراهنة، فهو يرى أن أمريكا أكثر من ذلك بكثير، لأن فكرة الإمبراطورية تعني وجود مستعمرات، يُقمع سكانها الذين يرفضون الخضوع، وهذا، في نظره، ما ليس حاصلاً الآن، لأن العالم لابد أن ينقاد للولايات المتحدة طواعية. وأمريكا – في نظر هؤلاء – ليست إمبريالية، فهي أكثر من ذلك بكثير أيضاً، لأن الإمبريالية هي حاضرة مزدهرة، تسعى جاهدة للسيطرة على الأسواق، وفرض قوانينها على بلدان بعيدة. بينما الحال، بالنسبة إلى أمريكا اليوم، هي أن العالم ليس أكثر من امتداد للمجتمع الأمريكي، فالناس في كل مكان يعشقون ثقافة أمريكا وقيمها، عدا بعض الدول “المارقة” الشاذة. إن أمريكا لا تقدم نفسها كقوة إمبريالية بالية، تبحث عن دوائر نفوذ، وتتنافس مع إمبراطوريات أخرى، إنها قوة عظمى لا مثيل لها!! فأمريكا هي العالم والعالم هو أمريكا! وإذا كان العالم هو أمريكا، فهذا يعني أن مصالح أمريكا هي بالضرورة مصالح العالم، وأولئك الذين يعملون ضد مصالح أمريكا، أو ثقافتها أو رؤيتها للعالم، يلحقون الضرر في الحقيقة برفاة العالم وأمنه. وهؤلاء – دولاً أو جماعات – هم أنذال وعصابات ومجرمون، وينبغي سوقهم إلى العدالة. ولعل هذا المنطق نفسه، هو الذي حكم كل التدخلات العسكرية، الأمريكية منذ أكثر من قرن. فهكذا أرسلت الولايات المتحدة قواتها إلى الصين وكوريا وفيتنام وأندونيسيا، وكذلك إلى بلدان أكثر قرباً منها مثل كوستاريكا وغواتيمالا وغرانادا(40).

والحقيقة التاريخية تفرض أن نذكر، بأن تاريخ الإجتياحات الأمريكية، هو تاريخ مليء بالدماء، على الرغم من دعاوي نشر الحريات، ودعاوي أن تلك مسؤوليات إنما ألقتها على عاتق أمريكا العناية الإلهية. ينقل ستانلي كارنوف(41) فقرة، من تقرير كتبه أحد أعضاء الكونجرس، بعد زيارة قام بها إلى الفلبين ما نصه: “إن القوات الأمريكية اكتسحت كل أرض ظهرت عليها حركة مقاومة، وهي لم تترك هناك فلبينياً واحداً إلا قتلته. وكذلك لم يعد في هذا البلد رافضون للوجود الأمريكي، لأنه لم يتبق منهم أحد” ثم يضيف عضو مجلس الشيوخ نفسه طبق ما نقله عنه صحفي رافقه في رحلته، ما نصه: “إن الجنود الأمريكيين قتلوا كل رجل، وكل امرأة، وكل طفل، وكل سجين أو أسير، وكل مشتبه فيه، إبتداء من سن العاشرة. واعتقادهم أن الفلبيني ليس أفضل كثيراً من كلبه، وخصوصاً أن الأوامر الصادرة لهم من قائدهم الجنرال فرانكلين قالت لهم “لا أريد أسرى، ولا أريد سجلات مكتوبة”. ولقد بلغت ضحايا الغزو الأمريكي لفيتنام أكثر من مليون نسمة، وقد استخدمت القوات الأمريكية ضد الفيتناميين الأسلحة المحرمة دولياً، مثل الغازات السامة، وقنابل النابالم.

بعد هذه المراوحة التي نمارسها الآن بين قديم أمريكا المرّ، وجديدها الأمّر، لا ينبغي أن ننسى أن هناك رؤية أخرى للهيمنة الأمريكية، غير تلك التي تتم عن  طريق القوة العسكرية، وهي رؤية تختلف طبعاً عن مثال الإمبراطوريات القديمة، وتختلف أيضاً عن متضمنات استراتيجيات الدفاع الجديدة. بمعنى أنه ليس فيها فرض للسيطرة بالقوة، وإنما دعوة إلى شراكة، مع التسليم باحتمالات الخلل في عدالة الشراكة، بين طرف بالغ القوة، وشركاء أقل منه قوة، بل هم أحياناً أقل منه بكثير. وتحقيق قدر من العدل في تلك الشراكة يتوقف على قوة وحيوية إرادة عند الأقل قوة، وعلى درجة استعداده للمقاومة.

إن فكرة “الشراكة” هذه تبدو أكثر سهولة في القبول، وأكثر سلاسة في الإبتلاع، لدى عالم اليوم الذي يسلّم بالتفوق الأمريكي، فقد يكون العالم في حاجة إلى أمريكا ” الرائدة ” وهو ليس في حاجة إلى أمريكا “المستبدة” هو يريد أمريكا ” القائدة ” وليس أمريكا الطاغية المهيمنة.

****************

إن أمريكا المستبدة تنطوي قوتها على موتها، بينما أمريكا الرائدة القائدة تستطيع أن تواصل سيادتها على العالم، ذلك العالم الذي كان بإمكانه أن يظل مأخوذاً بها مادامت هي أمريكا الحرية والديمقراطية والعدالة.

ولقد أعجبتني تلك الفكرة التي مفادها (والخطاب موجه إلى أمريكا): أيهما أعقل وأقل تكلفة الحصول على ما تريد، في عالم يحترمك ويودّ صداقتك؟ أم الحصول على ما تريد، في عالم يكرهك؟! كثيرون هم الذين يرون أن أمريكا قد تنجح – على المدى القصير – في مخططها الرامي إلى الهيمنة على العالم، ولكنها – في رأيهم – سوف تفشل على المدى البعيد، إذا ما رفضت أن تأخذ قضية الحق والعدل بعين الإعتبار. فالقوة المحضة بدون حق قصيرة النظر، ولا تؤدي إلى نظام عالمي متين ومستقر، وهنا تكمن نقطة الضعف الأساسية في الاستراتيجية الأمريكية. وكان عميد جامعة هارفرد جوزيف ناي، الديمقراطي المقرب من بيل كلينتون، قد تحدث عن نوعين من السلطات يتعين على أمريكا ممارستها من أجل السيطرة على العالم : السلطة الخشنة، وهي القوة العسكرية، والسلطة الناعمة، وهي القوة الاقتصادية والثقافية. وذكر أن بإمكان أمريكا أن تسيطر على العالم من خلال قوة الإشعاع الثقافي والحضاري، ولا سيما إذا أدرك الأمريكيون أن لبلادهم جاذبية كبيرة، ووهجاً يسطع على كل شعوب العالم.  من حيث نمط حياتها، وحريتها، وأزدهارها، وفنونها السينمائية، وموسيقاها الشعبية.

أجل! لقد أخذت أمريكا بمجامع “السلطة الناعمة” أو Soft Power كما سماها جوزيف ناي، وهو يعني عالمية الثقافة الأمريكية، وقدرتها على التحكم والتأثير في الثقافات، وأنماط الحياة، لدى شعوب العالم المختلفة، وذلك من خلال الطعام والسينما والمسلسلات التلفزيونية والأزياء والكتب، فضلاً عن الجامعات الأمريكية التي يقصدها من شباب العالم 450.000 طالب سنوياً(42).

إن النموذج الثقافي الأمريكي، هو النموذج الذي سيطر على شعوب الكوكب، ولا سيما خلال السنوات العشرين الأخيرة من القرن الماضي، وحتى هذا اليوم. وهذا أمر لم تفرضه القوة العسكرية على الناس، لكنه الإكبار والإعجاب بالإنجاز الأمريكي مهما قيل مما يخالف ذلك.

إن الثقافة الأمريكية في عمومها، هي الخيار الأكثر جاذبية للأجيال، في أغلب بقاع الأرض، بما في ذلك أوربا الغربية والصين وروسيا، اللتين حكمت علاقتهما مع الولايات المتحدة تحديات أيدلوجية معروفة، لسنوات طويلة.

إن استفحال الشعور بالتفوق يفضي إلى الغرور والغطرسة، ونحسب أن الإدارة الأمريكية الحالية قد أهملت، عامدة أو غير عامدة، كل الجوانب الديبلوماسية والأخلاقية في تعاملها مع الشعوب الأخرى، وأصبح منطق القوة هو الذي يحكم كل تصرفاتها، وهي لم تعد تمارس تلك القوة على الضعفاء فقط، بل إنها تلزم الأقوياء أيضاً، بالتبعية لها، وبالإنصياع لمطالبها وأوامرها.

وهنا لابد أن نذكر بأن الدرس التاريخي يقول بأن من المصلحة أن تكون القوة القطبية قوية، بالحدّ الذي يضمن لها مصالحها. وليس من المصلحة أن تكون قوية جداً، أو مفرطة في القوة، لأن مثل هذا الوضع يثير المزيد من الخوف عند الآخرين، ولا سيما المنافسين، أو من  يتوخون في أنفسهم الاستعداد للمنافسة. ومن شأن هذا الخوف أن يتحول إلى قوة دافعة إلى مقاومة الهيمنة، وإلى تعزيز عناصر المنافسة المتوفرة، والعمل الجاد على تنميتها. فالدول تكون دائماً في حالة يقظة تجاه الحفاظ على أمنها، ورعاية مصالحها، وهي تتجه، فيما تتجه إليه، إلى تعزيز قوتها العسكرية الخاصة، وإلى بناء تحالفات تهدف إلى خلق توازن أمام القوة المهيمنة، ومن جانب آخر فإن من الممكن أن تتحول الهيمنة إلى نقمة على أهلها، فتجلب إليهم المشكلات والتحديات، مما قد تؤدي تضخم تلك المشكلات والتحديات وتفاقمها إلى تآكل القوة، أو إصابتها بالإنهاك، فيكون من الميسور أخذ مكانها، أو ربما التقدم عليها.

فتفرد فرنسا بالقوة، في القرن السابع عشر، هو الذي أوجد، مع بداية القرن الثامن عشر، إنجلترا أو النمسا كقوة عظمى لمنافسة ومواجهة فرنسا ومقاومتها. وبريطانيا الفكتورية انتهت لحظة القطبية الأحادية عندها، حينما اندفعت إلى الإمام قوى جديدة ممثلة في ألمانيا والولايات المتحدة واليابان.

ويقول د. السيد أمين الشلبي(43) “وفي تطبيق الخبرات والدروس التاريخية، على الوضع الراهن للولايات المتحدة، فإن النقاش الدائر حول مصير الهيمنة الأمريكية لبروز قوى مثل ألمانيا واليابان والصين وربما روسيا كقوى عظمى، قادرة على التصرف كقوى معادلة للولايات المتحدة.

ويضيف د. السيد أمين الشلبي(44): بأنه من ناحية أخرى، تذهب هذه المناقشات الدائرة، إلى الإقرار بأن الولايات المتحدة في وضع يمكنها من أن تظل القوة القائدة، بالنسبة للسياسة العالمية، ربما إلى وقت طويل في القرن الواحد والعشرين، ولكن لا يجب أخذ هذا الكلام على اطلاقه، بل هو يعتمد على عدة افتراضات، منها أن الاقتصاد والمجتمع الأمريكيين سيظلان قويين، ولن يتآكلا. ومنها أن الولايات المتحدة ستبقى محتفظة بقوتها العسكرية. ومنها أن الأمريكيين لن يتصرفوا بشكل متغطرس يبددون بغطرستهم رصيد أمتهم.

إن متابعة ما يقال وما ينشر في وسائل الإعلام العربية، لا يدفع إلى الإحساس بأن هذه الوسائل تعالج فعلاً أزمة العالم مع الاجتياحات الأمريكية، من حيث أهدافها العميقة، فكل ما نقرأه أو نسمعه، هو حديث عن ” الذئب الجريح ” وحديث عن “الأولاد” الذين قاموا بتفجير مركز التجارة العالمي، في نيويورك، والبنتاجون في واشنطن، من أنهم ليسوا اكثر من  مجموعة من العابثين، الذين أوحت لهم حماقتهم بأن “يلعبوا في شوارب الأسد” وبالتالي فإن ذلك الذئب، أو هذا الأسد، إنما جاء اليوم إلى المنطقة، هائجاً مائجاً، يريد فقط أن يعلمنا واجب احترامه، وواجب مهابته. وبعد أن يتأكد من أنه قد قضي على الطائشين والنزقين في منطقتنا سيلملم أشياءه ثم يرحل!!.

إننا نقرأ ونسمع مثل هذا التسطيح في الأفكار والأهداف، ونقرأ ما يقابله من تهويل ومبالغات في التحليل والاستنتاج. وقليل ما نعثر على تناولات موضوعية لازمة مع أمريكا.

*****************

الهوامش

1)            انظر د. أحمد يوسف أحمد ود. ممدوح حمزة، صناعة الكراهية في العلاقات العربية- الأمريكية، القاهرة 2002م، ص9-33.

2)            انظر الصادق المهدي، الشرق الأوسط. 19 مايو 2003م.

3)            انظر خالد الحروب، شئون عربية (مجلة فصلية) القاهرة العدد111 خريف2002م ص41-50.

4)            انظر السابق.

5)            انظر د.السيد أمين شلبي، شئون عربية (مجلة فصلية)، العدد111 خريف 2002 ص 11-26.

6)            انظر الصادق المهدي، سابق.

7)            انظر السابق.

8)            انظر خالد الحروب، سابق.

9)            انظر الصادق المهدي، سابق.

10)        انظر مورين داود، الشرق الأوسط، 27 مايو 2003م.

11)        انظر د. حمزة المزيني الوطن 28 فبراير 2003م.

12)        انظر فلاديسلاف أنوز يمتسوف، الوطن 6 مايو 2003م.

13)        انظر جورج طرابيشي، الحياة، 10نوفمبر 2002م.

14)        انظر الشرق الأوسط 25 نوفمبر 2002م.

15)        انظر جورج طرابيشي، سابق.

16)        انظر السابق.

17)        انظر حليم بركات، الحياة، 5 فبراير 2003م.

18)        انظر محمد حسنين هيكل، وجهات نظر، مارس 2003م.

19)   انظر ضياء الدين سارادار، وميريل واين ديفيس، شئون الأوسط (مجلة فصلية) العدد 110 ربيع  بيروت ص 49-71 ، ونجيب الخنيزي، الوطن، يناير 2003م.

20)   انظر مروان قبلان، الحياة، 28 مارس 2003م، وفلاديسلاف أنوز يمتسوف، الوطن، 6 مايو2003م، ونجيب الخنيزي، الوطن 24 يناير 2003م.

21)        انظر نجيب الخنيزي، الوطن، 24 يناير 2003م.

22)   انظر مروان قبلان، سابق، وكمال خلف الطويل، الوطن العربي في السياسة الأمريكية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2003م ص39-53.

23)        انظر ماهر عبدالله، الوطن.

24)        انظر نجيب الخنيزي، الوطن، 24 يناير 2003م.

25)        انظر محمد حسنين هيكل، سابق.

26)        انظر محمد حسنين هيكل، سابق، ونجيب الخنيزي، الوطن 17 يناير 2003م.

27)        انظر نجيب الخنيزي، الوطن، 24 يناير2003م.

28)        انظر مروان قبلان، سابق.

29)        انظر د. ضياء الدين سارادار، وميريل واين ديفيس/ سابق.

30)        انظر د. حليم بركات، الحياة، 6 فبراير 2003م.

31)        انظر د. حليم بركات، الحياة، 5 فبراير 2003م، وكمال خلف الطويل، الوطن العربي في السياسة الأمريكية، سابق.

32)        انظر د. حليم بركات، الحياة 5 فبراير 2003م.

33)   انظر د. حليم بركات الحياة، 5 فبراير 2003م ، ص21، وعصام نعمان، العرب والعالم بعد 11 أيلول سبتمبر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2002م، ص299-317 .

34)        انظر د. حليم بركات، الحياة 5 فبراير 2003م.

35)        انظر السابق.

36)        انظر محمد حسنين هيكل، سابق.

37)         انظر السابق.

38)        انظر السابق.

39)        انظر نجيب الخنيزي، الوطن، 17 يناير 2003م.

40)        انظر د. ضياء الدين سارادار وميريل واين ديفيس، سابق.

41)   كتابه”أمريكا تتجه إلى العولمة” America Goson Global ، نقلاً عن محمد حسنين هيكل، سابق، وأنظر أيضاً نجيب الخنيزي، الوطن 17 يناير 2003م .

42)        انظر د. السيد أمين الشلبي، سابق.

43)        انظر السابق.

44)        انظر السابق.