د. فهد العرابي الحارثي

والفضائيات العربية تمهيد: فكرة العالمية او المجتمع الإنساني الواحد فكرة قديمة، وكان من مجالاتها خيال الشعراء حينا، ومثاليات فلسفية وإيديولوجية أحيانا أخرى كثيرة، وقد بلغ هذا الحلم مداه عندما صارت العالمية بديلا للمواطنة، أي فكرة الوطن الواحد، والدولة الواحدة, فالكوكب كله هو الوطن المبتغى، الشائع الأرجاء، ولكن فكرة المجتمع الإنساني الواحد، على هذا النحو لم تكن لتصمد طويلا أمام حقائق الجغرافيا، وفي مواجهة مسلمات التاريخ، التي – كلها – تفترض التنوع وتؤكد التعدد وتدعم الاخلاق نقصد الاخلاق الذي قد يعني، في بعض صوره التعارض أو التناقض اللذين بدورهما، يستدعيان التصادم والتصارع الحضاريين في مختلف أشكالهما. وما الحروب التي حفل بها التاريخ البشري، إلا النتيجة الأبرز، بين النتائح المتفاقمة، لتعدد الثقافات، وتنوعها واختلافها ومحاولة كل منها السيطرة على الأخرى، أو ربما ابادتها وتدميرها بالكلية. فتاريخ الصراعات والحروب هو، في واقع الأمر ، تاريخ الافكار في نموها,, وفي شيوعها,, وفي محاولاتها المستميتة، والعنيدة والمتكررة للهيمنة على عقول ووجدانات أكبر قدر ممكن من الناس، أو من الشعوب. إن حلم المجتمع الإنساني الواحد لم يستطع ابدا – على صعيد الواقع التاريخي والجغرافي – ان يتجاوز الانتماءات الثقافية المتعددة، والمتنوعة، او يقفز من فوقها،فما بالك بإلغائها، او مصادرتها، أو نفيها الى خارج لبعة الصراع تلك اللعبة التي ظلت تُجسَّد في عمقها وفي ابعادها، المختلفة، الحقيقة الاولى الواضحة في علاقات شعوب الارض في مختلف العصور! أشكال العولمة ووسائلها إن الحروب التي هي وسيلة من وسائل التصادم او التعبير عن صراع الحضارات والثقافات هي، في ذات الوقت وسيلة فعالة لتحقيق نوازع الهيمنات تلك الهيمنات التي كلفت البشرية الكثير من الكوارث والنكبات، على مدار التاريخ الإنساني، إلى ان جاء العام 1947م فانبرى مارشال مك لوهان صاحب القرية الكونية ليقرر بأن لا الحروب ولا الصراعات، لا الانتصارات ولا الهزائم، ستغيّر في طبيعة المجتمع الانساني وإنما الشيء الوحيد الذي سيكون له الفاعلية في التغيير هو تكنولوجيا الاتصال فتكنولوجيا الاتصال، هي التي ستتيح تواصلا إنسانيا لاينقطع، توصلا يذيب الفوارق، ويزاوج الأفكار، ويوحد السلوكات، وهذا ماسنتعرض له بالتفصيل بعد قليل. إن العالمية أو حلم المجتمع الإنساني الواحد، قد يُعبَّرُ عنه اليوم ب العولمة فهذه العولمة، في إطارها التنفيذي، تبدو وكأنها تهدف إلى تحقيق الجزء المهم من ذلك الحلم القديم، فهي تقترح أنماطا من الأفكار، ونماذج من المواقف والتصرفات والسلوكات، تقتضي كلها الشروع في إذابة الفوارق، وتوحيد الأهداف، وتنمية مساحات المشترك البشري العام، وكل ذلك يتلاءم، إلى حدود بعيده مع حلم المجتمع الواحد. فالعولمة اليوم هي الليبرالية والنيوليبرالية، وهي الديموقراطية، وهي الشركات المتعددة الجنسيات، وهي السوق المالية المتوحدة المفتوحة، وهي التجارة الحرة ورأس المال الطليق، وهي شبكات الاتصال المتقدمة، وهي تدفق المعلومات وتبادلها. “إنها تدفقات وموجات، تخترق السياسية والوطنية والهياكل الاقتصادية، والمقومات الثقافية، وأنماط التفكير والسلوكات الخاصة بالشعوب والحضارات المختلفة” وهي بعد هذا كله، إذن، التخفيف من حدة التناقضات والتعارضات والتصادمات، على خلاف مايراه مفكرون معاصرون، من مثل الأمريكي صمويل همنتنجتون، الذي يرى ان السياسة الدولية، أو العلاقات بين الحضارات والثقافات القوية، مبنية اليوم على الصراع ويرى ان البشرية في القرن 21 هي في اتجاه التفرق أكثر من أنها تقترب من بعضها البعض وهذا في نظره، يعكس مدى التنفّذ المتزايد لللثقافات المحلية، والعرقية، والديانات. إن ذلك التواصل الكامن في طموح العولمة هو مايعبر عنه بعض المثقفين مابعد الدولة القومية، أي الثورة الجديدة في التاريخ، التي ستكون قوتها المجموعة الإنسانية بدل الجماعة الوطنية والقومية. ويتساءل عبدالعزيز بلقريز: هل هو انتقال من بُنى القبيلة والشعب والأمة التي صنعت دول العصرين: الوسيط والحديث وثقافاتها وحضارتها إلى بنية إنسانية اشمل؟! ذلك، على الاقل، ما توحي به عبارة العولمة، غير أن الأمر في المطاف الأخير لا يعدو ان يكون فرضية فحسب، والتاريخ القادم وحده قمين بان يقيم الدليل عليها، أو يرفع لباس الإدعاء عنها، وتجريدها منه . ومثل هذا القول إنما يعكس عدم الإيمان بنجاعة العولمة ويعكس القلق الشديد أيضا حيال نتائجها. العولمة اقتصادياً وبعض المثقفين يحدد إشكال العولمة على هذا النحو: الشكل الأول: عولمة الاقتصاد فأصل العولمة، تاريخيا اقتصادية فهي، مصطلحا ومحتوى اصليا، قادمة من فضاء الاقتصاد فعندما ابتدأت العولمة مشوارها الطويل كان أول ما طمحت إليه هو تحقيق اندماج أسواق العالم، في حقول التجارة والاستثمارات المباشرة وانتقال الأموال والقوى العاملة. ويرى بعض الراصدين لنمو العولمة انه ليس من قبيل الصدفة أن لا يكون المفهوم نفسه، قد اخترع من قبل مفكرين أو فريق من الباحثين فشركة سوني اليابانية هي التي اخترعته في حملة إعلامية أطلقتها في مطلع الثمانينيات ولقد صرح مدير الشركة في حينه ان منتجات شركته والشعارات الإعلامية التي تصحبها ليست ملزمة بان تتكيف مع مختلف الثقافات القومية أو المحلية لأنها تحمل هي نفسها ثقافة كونية متعولمة فكأن شركة سوني اليابانية تريد أن تؤكد اكتساح المشترك العام في صناعاتها وكأن الصناعة، عموما، في شيوعها كمنجز مادي ورمزي هي أول المبشرين بالعولمة عندما يكون معناها التبادل أو الانفتاح على إنجازات الآخر. إن ما تقدم مما ذكرنا يعني عدة أمور منها: إضافة إلى اثر الصناعات الكبرى في تفتيت الحدود الجغرافية والتهوين من شأنها ان تلك الصناعات تعني مستوى من مستويات الهيمنة على احتياجات الناس وعلى اذواقهم وخياراتهم في كل مكان من هذا الكوكب. وهي تعني ايضا مستوى آخر من مستويات الهيمنة وهو المستوى المتمثل في تصنيف الفرص امام أي مبادرات محلية أو قومية للتصنيع المنافس. وهي تعني، اخيراً، أن شيوع تلك الصناعات، هو شيوع لثقافات أخرى، غير الثقافة القومية. ويرى مثقفون آخرون – وعلى ذمة جورج طرابيشي – أن الوجه الآخر لهذه العملة، هو أقصدة العالم أي اختزال العالم إلى بعده الاقتصادي, فالسوق هي الملكة وهي سيدة كل شيء. وهذا هو الشكل الثاني من أشكال العولمة. ففي المقام الأول تأتي السوق المالية, هذه السوق المفتوحة اليوم على مصاريعها، وهي، على تنائي مواقعها الجغرافية فوق الكرة الأرضية، تكاد تكون سوقاً تجارية واحدة، في الحركة وفي تبادل المعلومات وفي التأثر الشديد وفي التبادل وإجراء الصفقات، وما تتبادله بورصات العالم في اليوم الواحد، على ذمة جورج طرابيشي أيضا، يعادل 1500 بليون دولار، أي ما يوازي ضعف الاحتياطي النقدي العالمي، أو ما يماثل جملة الناتج القومي لدولة كبرى مثل فرنسا، رابع قوة اقتصادية في العالم. وفي عام 1993م وحده بلغ إجمالي الحركات المالية في بورصات العالم 150 ألف بليون دولار، أي مائة ضعف الحركة التجارية العالمية السنوية. وقد ذكرنا قبل قليل أنه بفضل التكنولوجيا الجديدة, فإن الأسواق المالية العالمية اليوم تعمل كلها كما لو أنها بورصة واحدة. أما الشركات المتعددة الجنسيات، فهي الإمبراطوريات العظمى لعصر العولمة, فأقل من 1000 شركة تتحكم ب76 في المائة من الإنتاج المصنع في العالم, وفي عام،1995م بلغ رقم الأعمال الإجمالي لشركة جنرال موتورز 132 بليون دولار، أي ما يعادل الناتج القومي لإحدى دول العالم الأول، مثل الدانمارك، أو هو يعادل الناتج القومي لدولة كبرى من دول العالم الثالث، مثل إندونيسيا, كما أن رقم أعمال شركة فورد، الذي هو 100 بليون دولار، يتجاوز الناتج القومي لتركيا، وشركة تويوتا التي تحقق في رقم أعمالها 81 بليون دولار يجعلها تتجاوز ناتج دولة مثل البرتغال، وشركات مثل نستله 38 بليون دولار، أو سوني 34 بليون دولار، أي واحدة منها تتجاوز ناتج مصر، أو ناتج نيجيريا التي يمكن أن تسمى عملاق أفريقيا. إن من العولمة الاقتصادية أيضا هي ما تبشر به اتفاقية التجارة الحرة الجات وهي سياسة حرية رأس المال، وتحرير الأسواق والتجارة العالمية، وتدفقات السلع والمنتجات، والأموال السائلة، والأوراق المصرفية، والمواد الإعلامية والإعلانية والدعائية,, أي فتح الأبواب أمام المستثمرين من مختلف أنحاء العالم، للاستثمار في أية دولة دون أي قيود, وهذا امر يزيد، من طرفه، في إذابة الحدود، وانتهاك السيادة القومية، والقوانين المحلية, وهو أمر يسهل الدخول إلى أسواق جديدة، للاستثمار بها، والتحكم في مصائرها, والشركات العملاقة متعددة الجنسيات، هي اللاعب الرئيسي وراء اتفاقية الغات (1994م) ومن ثم إنشاء منظمة التجارة ،),Wtoالعالمية (، وفي حمى هذه العولمة الاقتصادية، وفقا لتقديرات تقرير التنمية الشاملة لعام 1992م (صدر التقرير عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي) فقد بلغت خسائر البلدان النامية، نتيجة لعدم المساواة في الحصول على الفرص في مجال التجارة والعمل والمال، وما مقداره 500 بليون دولار سنوياً، أي ما يعادل عشرة أمثال ما تحصل عليه سنوياً كمساعدة أجنبية. ويقول رمزي زكي: إن أحد المعالم المميزة لواقع الاقتصاد العالمي المعاصر هو عدم التكافؤ، والتفاوت في القوة والموقع والتأثير للأطراف المشاركة, وربما يفسر لنا ذلك، لماذا تتطور الكوكبية الآن إلى الإقليمية، وبروز الكتل الاقتصادية الكبرى، التي تنمو نحو تكوين قواعد التكامل الإنتاجي والتكنولوجي والتمويلي والنقدي، حتى يمكن تنظيم لعبة صراع التنافس على صعيد العالم . إن العولمة الاقتصادية، هكذا هي مصالح النخب، أو مصالح الأقليات القوية. ويشير رمزي زكي إلى مسألة أخرى مهمة وهي: أن قوة العمل البشري مستبعدة ماما من حرية الحركة والتنافس, فالكوكبية قد حدوا مضمونها، في منطق الرأسمالية المكوكبة، على أنها مجرد الحراك الحر، وغير المقيد، للسلع ولرؤوس الأموال, أما قوة العمل فممنوع عليها ذلك, فإذا كان مسموح لرأس المال وللسلع أن تقتحم الأسواق والحدود، دون أي عقبات، فإن العمل غير مسموح له بذلك أن رأس المال يمكن أن ينتقل إليها، لكن العكس غير جائز, بل أن البلدان الصناعية المتقدمة قد عمدت، في السنوات الأخيرة مع استفحال أزمة البطالة فيها، إلى تغيير قوانين الهجرة والعمل والإقامة للأجانب، وأصبحت تعارض الآن استقبال المهاجرين، بل وتسعى إلى طردهم كلما أمكن ذلك. ولكن, وفيما يخصنا نحن العرب، فأحمد ثابت، يجد أن التصورات التي كوناها عن العولمة، هي تصورات خاطئة إذ يقول: يظن الكثيرون منا أن العولمة ستحمل معها سلعاً، ومنتجات استهلاكية وترفيهية واسثمارات عديدة، وأنه ستكون هناك نتائج ايجابية لاندماج الأسواق المالية، والبورصات العربية في البورصات العالمية، في حين أن ما يحدث هو تكريس لتبعية تقنية ومالية واقتصادية وتجارية، تضاعف من التبعية السياسية، وازدياد القيود على أي هامش للمناورة السياسية، أو على أي محاولة لاستثمار التناقضات والخلافات بين الدول الكبرى الغربية، وبالتالي تنامي ضعف القدرة على إصدار وصناعة القرار السياسي الوطني والقومي. العولمة، سياسياً أما الشكل الثالث من أشكال العولمة فهي الكوننة الإعلامية، فالتطور التقني المذهل في وسائل الاتصال الحديثة، جعل كل العالم – كما يرى البعض – حاضرا – في كل العالم، دفعة واحدة, وهذا إلغاء تام للمسافات، وإلغاء أيضا للفضاء القومي، فلم يعد أحد سيداً على فضائه حتى في بيته. وهذا ما أدى إلى أنواع أخرى من العولمة ومنها العولمة السياسية، وهي الشكل الرابع من أشكال العولمة. فإلغاء الفضاء القومي، قلل كثيرا من نفوذ السلطات المحلية، بل إن هناك من المثقفين من يعبر عن هذا الواقع الجديد بعبارة: الغاء السياسي أو نهاية السياسي على وزن نهاية التاريخ لفوكوياما, وهذا يتخذ شكلين واضحين: الأول: وهو شكل يتعلق بالإجراءات، وتغير مفاهيم النفوذ والقوة ومواقعهما وهو شكل يرتبط بمفهوم أقصدة العالم أو أقصدة الحياة، فالاقتصادي اليوم هو البعبع النهم الذي التهم كل شيء، بما في ذلك السياسي نفسه، فالخصخصة – مثلاً – قد، تسحب، امتيازات كثيرة من حوزة السياسي, والخصخصة هي – في واقع الأمر – تنازل الدولة عن عدد من وظائفها للقطاع الخاص: الكهرباء، الهاتف، الطيران، البريد، السكك الحديدية، والطرق والموانىء والمطارات,, إلخ، ,, بل هناك في صفوف النيوليبراليين، كما يذكر كورج طرابيشي، من يطالب بخصخصة الأمن الداخلي والخارجي، أي الشرطة والجيش, إن مبدأ السيادة الداخلية آخذ هكذا في التقلص والتقهقر. وإن فكرة تحويل العالم كله إلى سوق واحدة خاضعة لسيطرة الشركات الكوكبية هي أمر يفضي إلى هذه النتيجة, وإلى ما هو أكثر منها في المجال السياسي, يقول رمزي زكي: وهكذا بعد أن كانت الرأسمالية تستند على قوة الدولة ودورها في تأمين مصالحها، أصبحت الرأسمالية، متعددة الجنسيات، في موقع قوي يمكنها من الاستغناء إلى حد غير قليل عن بعض وظائف الدولة التقليدية, فهي لم تعد في حاجة إلى قوات مسلحة ضخمة وقوية لتأمين مصالحها الخارجية، إذا أصبحت قوتها الاقتصادية تمكنها من دخول أي دولة,, وربما يفسر هذا عمليات خفض نفقات التسليح، والإلغاء التدريجي للجيوش، والتحول إلى جيوش محترفة قليلة العدد نسبيا وذات تكنولوجيا بالغة التعقيد, ورأسمالية اليوم لم تعد في حاجة إلى الدولة في مجال خدمات الأمن الداخلي، وفض المنازعات المدنية، وخدمات البريد والاتصالات, والأكثر من هذا أنه في ضوء التطور المذهل الذي حدث في نظام النقد الدولي، وتعويم الاسعار وتحرير القطاع المالي والاستخدام الواسع لبطاقات الائتمان، لم تعد الدولة مسيطرة على الكتلة النقدية داخل حدودها . وهذه كلها أمور تدخل في باب العولمة السياسية خارجيا وداخليا. الثاني: وهو شكل يتعلق بأساليب الحكم وبمستوى جديد من مستويات العلاقات الدولية وهذا الشكل يرتبط بنفوذ الإعلام، وقوة سطوته, يقول احمد عباس صالح صار رؤساء الدول غير مطلقي التصرف، وصارت القيود التي تقيد حركتهم ليست صادرة من الناخبين المحليين، بل تقيد سلوكهم مبادىء عامة، يحميها نظام دولي جديد مفتوح. وراحت بعض دول العالم تعتنق أشكالا مختلفة من الديمقراطية وذلك لأن طغيان بعض الأنظمة لم يعد بمنجى من محاسبة العالم كله. أما العلاقة الدولية فقد دخلت اليوم مستوى جديداً ومثيراً من مستويات العولمة, فلقد أخذ يتحكم في تلك العلاقات الواقع الجديد لتداخل المفاهيم، وتماهي القوانين، وتشابك القيم, إن هذا الوضع أدى إلى إلغاء ما هو تقليدي في تلك العلاقات، ليضع في مكانه الجديد المتداخل المتماهي, ولقد سمعنا مؤخرا بما أثاره قرار مجلس اللوردات البريطاني في شأن دكتاتور تشيلي السابق الجنرال بينوشيه فقد حرك ذلك القرار ضجة صحفية كبيرة،باعتباره تحد لقوانين داخلية بريطانية، ولأعراف دبلوماسية عالمية تقليدية, وعدم الاعتراف بحصانة الجنرال بينوشيه سيعرضه لمواقف مهينة، نتيجة ما اقترف من جرائم، عندما قام بانقلابه المعروف. وغير الجنرال بينوشيه هناك رولان كابيلا، حاكم الكونغو، الذي تطالب هيئة قضائية فرنسية باعتقاله لمحاكمته,, وهناك وضع الرئيس العراقي صدام حسين، فهو في قائمة الأشخاص المطلوب محاكمتهم، لارتكابه جرائم ضد الإنسانية. إن قيم العولمة الديبلوماسية الجديدة، رفعت الحماية البليدة عن رجال يعتبرون، في مفاهيم العالم اليوم، من أكبر المنتهكين لحقوق الإنسان, وانه باسم هذه القيم ربما تمت بالفعل محاكمتهم, وقديماً كان هذا يدخل في باب انتهاك العلاقات الدولية، أما اليوم فهو شكل من أشكال سيادة القوانين الإنسانية المشتركة، أو فلنسمها قوانين العولمة، أو الكوكبية. اجل فللعولمة قوانينها,, أي قوانينها التي تحكم حركة رأس المال، وحركة التجارة الحرة، ولكن أيضا حركة تطور مفاهيم حقوق الإنسان. العولمة قانونياً إن هذا الفكر السياسي الجديد، لم يكن ليتهيأ له دخول مناطق كثيرة من هذا العالم لولا التطورات الهائلة التي مست مسا مباشراً اقتصاد العالم، ولولا أيضاً صرامة الكونية الإعلامية الجديدة, إن تلك التطورات وتلك الكونية الشاملة للاعلام هي التي أفضت إلى ميلاد الشكل الخامس من أشكال العولمة، وهو عولمة القانون، التي ألمحنا إليها تلميحاً أعلاه, فلا شك أن الجغرافيا الاقتصادية العالمية الجديدة المتداخلة المتشابكة، تساند بقوة هذا الشكل من أشكال العولمة. فهذه الجغرافية الجديدة ترفض أن توضع المصالح الاقتصادية الجديدة تحت هيمنة القوى الداخلية للدولة, فهي تريد أن يحكمها قانون لا سلطان لأحد عليه إلا السلطة المخولة بتنفيذه وهي السلطة التي حبلت بالعولمة، وأرضعتها من ثديها، وأعطتها من قوتها، أي الشركات المتعددة الجنسيات، ومن ثم منظمة الجات، التي بشرت منذ مولدها بقوانين جديدة، من شأنها أن تنظم حركة السوق، وحركة التبادل. وبسبب رأس المال الذي يتحرك في كل المواقع على الكرة الأرضية أصبحت سيادة قوانين العولمة تتجاوز سيادة القوانين المحلية. ودول كثيرة وجدت، وستجد نفسها مضطرة إلى تكييف، إن لم نقل تغيير، قوانينها وأنظمتها الداخلية، لتكون متوافقة مع المفاهيم الجديدة، والأوضاع الجديدة، لتنقل رؤوس الأموال، ولتدفقات الأسواق، والتجارة الحرة، وتبادل المعلومات وتنميتها. العولمة ثقافياً إن العولمة الثقافية سادسا وأخيرا، هي الشكل الذي يستنهض كل أشكال العولمة الأخرى, فجميع تلك الأشكال تفضي إليها، وهي تهيىء المناخات اللازمة لنموها واستفحالها, فقوة الدفع التي تتمتع بها العولمة الثقافية، كما يذكر عبدالإله بلقزيز، لا تتغذى من الزخم التقني الكثيف الذي يشهده ميدان الاتصالات فحسب، بل هي تفيد من آليات العولمة الاقتصادية أيضا, والعولمة الثقافية تستغل النتائج التي حققها الإعلام والاقتصاد في تحطيم الحدود، وإلغاء السيادات الوطنية، أو التهوين من قوتها. والعولمة السياسية والقانونية يمكن أن تدخلا، بشكل من الأشكال، في المجال الفسيح للعولمة الثقافية. إن العولمة، بوضوح شديد هي تعميم أو توحيد لاتجاهات وسلوكيات تشمل كل سكان هذا الكوكب, ويذكر تقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة: أنه من مانيلا إلى ماناجوا، ومن بيروت إلى بيجين، وفي الشرق وفي الغرب، وفي الشمال وفي الجنوب أصبحت أشكال الزي (الجينز، وتصفيفات الشعر الخاصة، وال تي – شيرت) والموسيقى، والعادات المتعلقة بتناول الطعام، والمواقف الاجتماعية والثقافية، أصبحت كلها تشكل اتجاهات عالمية, وحتى الجرائم – سواء كانت تتصل بالمخدرات، أو الاختلاس، أو الفساد – أصبحت متشابهة في كل مكان. لقد انكمش العالم في أوجه عديدة. إن العولمة الثقافية، من جهة اخرى، وكما يرى عبد الإله بلقزيز، هي اغتصاب ثقافي وعدوان رمزي على سائر الثقافات ,, وهي تعني أن ينشأ في وعي الناس ثقافة، أو قيم ثقافية، لا تقوم صلة بينها وبين النظام الاجتماعي (داخل الكيان القومي),, وهي ستحمل منظومات من الأفكار والقيم لم تخرج من رحم التطور الاجتماعي الطبيعي . وهذا واقع جديد، يحتم على الشعوب المغلوبة التي تعيشه، أن تقرأ العولمة – من حيث هي استراتيجية قمعية اطماعية – في غير ما تبدو عليه في اطارها التنفيذي. إنها في حقيقة هذا الواقع الجديد سيادة مطلقة لثقافة الغالب وإنها لذلك تكريس صريح وواضح لأفكاره وسلوكاته, بل إنها فرض قسري مستبد حتى لأنماط المعاش اليومي لدى شعوبه وفي داخل مجتمعاته. فالعولمة هي جنة من جنات الغالب التي ظل سنين طويلة يخطط لها ويحلم ببنائها وتشييدها ومن ثم بالمكوث فيها إلى أبد الآبدين, وهي هكذا بالمقابل نكال على المغلوبين ونقمة على المستضعفين، فهي تدمير لمقوماتهم الخاصة ومسخ لهوياتهم التي ظلت دائما تؤكد، هي من جهتها، حقائق الجغرافيا ومسلمات التاريخ. إن العولمة هي أفكار القوة وهي نماذجها الثقافية الحضارية وهي لسوء حظنا وحظ أمثالنا، تسير دائما في اتجاه واحد, ولم نر مطلقا أنها سارت في الاتجاهين: الذهاب والإياب، لذا فإن العولمة، بتعبير بسيط آخر، هي أكذوبة القوي على الضعيف، وهي استدراج له إلى ساحات معقدة من ساحات التعايش الممكن، في الوقت الذي يعلم فيه أنه لا يدرك من قوانين تلك الساحات أي شيء! ومن أبرز نقاط الضعف في إدراك قوانين تلك الساحات، هو الضعف الشديد في العلاقة بالنظام الثقافي المسيطر, وهو النظام المتمثل اليوم في عشرات الإمبراطوريات الإعلامية الضاربة، التي تزخ ملايين الصور يومياً، فيستقبلها مئات الملايين من المتلقين، في سائر أنحاء المعمورة، ويستهلكونها بوصفها مادة استعمالية، ذات عائدات تكوينية أو جمالية,, إنه من الممكن أن نقرأ (في هذا النظام) ما يفيد بأنه ليس مجرد تقنية للتلقين، بل هو كيفية جديدة لوعي العالم، والتعبير عنه. وللدقة فهذا النظام الثقافي الجديد ليس مجرد وسيلة، بل هو – أكثر من ذلك – طريقة معينة لإدراك العالم والتعبير عنه. من العولمة إلى الأمركة: لقد طورت الفضائيات، والطرق السريعة للمعلومات، المتمثلة في الشبكات العنكبوتية الحاسوبية مثل الانترنت، أوضاع العالم، وانتقل من فكرة أنه عبارة عن قرية الكترونية إلى فكرة أن هذا الكوكب يتحول إلى مسرح مفتوح من نوع جديد, مسرح افتراضي لا ستائر فيه، ولا حوائط, مسرح يتقاسمه ممثلون ابتدعوا أدوارهم، ودخلوا في رهان شفاف يعلن إباحية معلوماتية مطلقة تهتك كل الكواليس, أو قد نقول في وصف آخر، إن كوكبنا هذا يتحول إلى صالون واحد ومفتوح من كل الجهات، الجميع يشاهد الجميع، والجميع يستمع إلى الجميع والجميع لن يستطيع أن يخفي أي شيء عن الجميع. مصدر القلق الكبير في هذا الصالون المفتوح أن الطاهي الرئيس هو طاه واحد فالأطباق الغالبة هي اطباقه والكؤوس المترعة هي كؤوسه والموسيقى المصاحبة هي موسيقاه وليس على الآخرين إلا الأكل ما لذ لهم الأكل، وليس لهم إلا الشراب ما طاب لهم الشراب. إن العولمة، كما يرى عبدالإله بلقزيز، إهدار لسيادة الثقافات المحلية واقصاء لها، إنها كذلك الاستعلاء والمركزية الذاتية للأقوى, وإنها الدونية والتلاتشي للأضعف. ونحن نقول إن الأقوى هنا هو الغرب، وإن الأضعف هو ما سواهم، وما العولمة، إذن سوى سيطرة الثقافة الغربية على سائر الثقافات, وسيطرة الثقافة الغربية إنما تعنى – بتحديد أكثر – سيطرة الثقافة الأمريكية، أو ما يعبر عنه بعض المثقفين بأمركة العالم, وأمركة العالم هي حقيقة تعاني منها حتى أوروبا نفسها (الجناح الثاني للغرب) وهي تحتج عليها، وتنظم مقاومتها ضدها، داخل مجتمعاتها, وهي كما يذكر بلقزيز تعتبرها خطرا استراتيجيا يهدد استقلالها الاقتصادي والسياسي، وهويتها الثقافية. وقد تكون مقاومة فرنسا لها بمناسبة مفاوضات الجات ودفاعها عما يعرف باسم الاستثناء الثقافي أسطع دليل على الشعور العميق بمخاطرها. فقد ظل الفرنسيون هم أكثر الأوروبيين مناهضة للأمركة، ويذكر عبدالهادي أبو طالب أن فرنسا تنوع مجال مقاومتها للغزو الأمريكي فهي تحصن انتاجها الفكري بإجراءات فرضت على التلفزيون مثلا ان يخصص 60% من برامجه للإنتاج الأوروبي، كي لا يطغى الانتاج الأمريكي المتدفق, كما حجبت المساعدات المالية والمادية عن جميع التظاهرات الثقافية الفرنسية التي لا تجعل اللغة الفرنسية لغة أعمالها، وهي في طريقها إلى منع المسؤولين من الحديث في التظاهرات العامة بغير الفرنسية. وفرنسا ألحت على ألا ينتخب على رأس الأمانة العامة لهيئة الأمم المتحدة، بعد نهاية ولاية بطرس غالي من لا يتقن الفرنسية وقد تم لها ما تريد في شخص كوفي أنان. وفي آخر قمة للدول الناطقة باللغة الفرنسية شهدها الرئيس الراحل، فرنسوا ميتران، دعا المؤتمرين على ذمة عبدالهادي بوطالب، إلى مساعدة فرنسا على الدفاع عن لغتها وهويتها في مواجهة الغزو الفكري الأمريكي. وقبل ميتران، كما يذكر بوطالب شن وزير الثقافة الفرنسي حملة على الولايات المتحدة الامريكية في اجتماع اليونيسكو في دورتها التي انعقدت بالمكسيك قائلا: إنني استغرب أن تكون الدول (يقصد أمريكا) التي علمت الشعوب قدرا كبيرا من الحرية، ودعت إلى الثورة على الطغيان، هي التي تحاول أن تفرض ثقافة شمولية وحيدة على العالم أجمع، إن هذا شكل من أشكال الامبريالية المالية والفكرية، لا يحتل الأراضي، ولكن يصادر الضمائر، ومناهج التفكير واختلاف أنماط العيش . أما الرئيس الفرنسي شيراك فقد ذهب إلى أنه عارض بشدة إنشاء مطعم ماكدونالد في برج إيفل. والغزو الأمريكي واضح اليوم لعاصمة النور، فهي مليئة بماكدونالد، والهامبرجر، وإعلانات الكوكاكولا، وغيرها من المنتجات الأمريكية ذات الصبغة الشعبية الجماهيرية. إن الأمركة أيضا هي الضغط على دول العالم كلها للانخراط سياسيا في النظام العالمي الجديد الذي هو في واقعه وحقيقته نظام أمريكي يقوم على سياسة القطب الواحد والقطب الواحد هو أمريكا طبعا. إن أمريكا هي الراعية الأول لمشروع العولمة، فالعولمة ما هي إلا تكريس للهيمنة الأمريكية,, وتعميق لسلطاتها المطلقة في السياسة والاقتصاد والدفاع وغيرها. فالحركة الإعلامية والتكنولوجية والعسكرية والسياسية ليس لها من هم غير تعزيز النفوذ الأمريكي. والحق أن الصورة الأمريكية أي ثقافة العولمة هي الأكثر انتشارا لثلاثة أسباب: الأول: انفتاح المجتمع الأمريكي فهو الأكثر قبولا للاستيعاب والتغيير وتبني الجديد، وهو الأكثر غنى حتى في التناقضات وفي تصارعها. الثاني: أن مرحلة بناء التراث الأمريكي الخاص امتدت طويلا، وهي ما زالت مستمرة إلى هذا اليوم، ولهذا فإن التراث الأمريكي هو تراث مرن، فهو في طور التشكل المستمر، وما ينفك قابلاً للتطوير، والاستعارة، والنمو، وإعادة البناء، فالأمة الأمريكية تختلف عن غيرها من الأمم في أوروبا,, أو في الشرق. الثالث: أن الثقافة الأمريكية نفسها هي ثقافة متنوعة، بحكم تعدد الأجناس، وتعدد الثقافات التي انصهرت في الأنا الجمعية التي تمثل المجتمع الأمريكي اليوم. وهذا مما يساعد على انتشار الثقافة الأمريكية في خارجها، فشعوب كثيرة قد تجد، بشكل أو بآخر نفسها فيها، فتكون الأقرب إلى ذوقها، والألصق بوجدانها. ونتيجة لكل ذلك فقد بلغت الصورة الأمريكية انتشارا في العالم لم يبلغه غيرها, وهذا لا يعود فقط إلى أن المحرك الأكبر لعجلة الاتصال في العالم هو محرك أمريكي، تكنولوجيا وانتاجيا، وإنما يعود أيضا أن الثقافة الشعبية الأمريكية هي منتج فضفاض، ورحب، كما ألمحنا أعلاه. إن أمريكا حسب تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي تصدر سنويا إلى أوروبا وحدها مليون ومائتي ألف ساعة من البرامج التلفزيونية. وفي دراسة لليونيسكو: أن بث الانتاج الامريكي في تلفزيونات العالم يتجاوز ثلاثة أرباع ذلك البث (75%) بينما تتوزع نسبة الربع الباقي بين الانتاج التلفزيوني الوطني وبين الانتاج غير الأمريكي (أوروبي وغيره)، وتفيد إحصائيات أخرى يذكرها عبدالهادي بوطالب أن 80% من إيرادات شباك التذاكر في دور السينما البريطانية هي من الأفلام الأمريكية التي – أي هذه الأفلام – تمثل 60% مما يعرض في فرنسا و90 % مما يعرض في ثلاث دول أوروبية شرقية: التشيك، بولونيا، وهنغاريا. إن انتاج القطاع السينمائي الأمريكي يمثل 85% من الانتاج العالمي عام 1996م. إن التلفزيون والسينما والموسيقى الأمريكية المنتشرة كل هذا الانتشار الفاحش في أنحاء العالم,، نشرت معها أنماطا أمريكية متعددة، في الألبسة والأطعمة وغيرها من السلع الأخرى. إن ذلك كله يعني التأثير الواضح على قولبة الرموز الثقافية أمريكيا في العالم كله. أما اللغة الإنجليزية فهي اللغة السائدة اليوم، فهي يراد فرضها كلغة وحيدة في نظام العولمة الجديد. ويذكر عبدالهادي بوطالب: أن 88% من معطيات الإنترنت، تبث باللغة الإنجليزية, مقابل 9% بالألمانية و2% باللغة الفرنسية، و1% يوزع على بقية اللغات الغربية، ويصنع الأمريكيون 60% من مجموع الحاسبات التي تفيد من الانترنت . العولمة ليست محايدة إن العالمية، الكوكبية، أو دعوى المجتمع الإنساني الواحد، على هذا النحو هي هدف غير نزيه، وهي غاية ليست دائما شريفة، لأنها بطبيعتها تفتقر إلى ما يمكنه طمأنة الضعفاء والمغلوبين، وهو الحد المقبول من الحياد الموضوعي. فالإنحياز فيها واضح، بل إن ذلك الإنحياز هو طاقتها الكامنة، أو هو فكرتها المركزية، أو هو محركها الأول والأخير!, إن العولمة – مرة أخرى – ما هي إلا صياغة جديدة لخطوات إطارية قديمة، غرضها الباقي المستمر، هو تكريس الهيمنة الثقافية والإقتصادية والسياسية للقوى وتوطيدها. وإن المقاومة اليوم لتبدو أكثر عسرا من المحالات التقليدية القديمة، فالحدود كلها مفتوحة، والنوافذ من أولها إلى آخرها مشرعة، والأبواب جميعها على مصاريعها، فالدخول ممكن في كل لحظة، والاقتحام متوقع في كل ثانية، والإجتياحات لن تتريث، أو تتوقف، أو تنقطع أبداً: من كل الجهات، ومن على كل الجبهات. لقد شُلَّت الجغرافيا تماما، ولم تعد لعوائقها الجبارة أية قيمة تذكر. لم يبق هناك سوى مسلمات التاريخ، وهي، من جهتها، في رمقها الأخير. هل العولمة ضد التنوع الحضاري، وضد التعدد الثقافي وضد الإختلاف البشري؟ إن خطاب العولمة المعلن لا يبوح ابداً بشيء من ذلك، فهو أكثر التواء مما نتصور, لكن التطور العفوي أو التلقائي، لمشروع الثقافة الكونية الجديدة المزعومة يقتضي بالضرورة الاعتقاد بأن العولمة هي ضد التنوع، وهي ضد التعدد. ونحسب أن ذوبان العوائق الجغرافية، وتخاذلها، أمام أنماط النفوذات السياسية والاقتصادية والإعلامية هي التي أدت، وستؤدي، إلى مزيد من الانهيارات الثقافية والوجدانية. وذوبان العوائق الجغرافية يعني تجميد المكان، وتجميد الزمان، فالمكان مكان واحد، والزمان زمان واحد، وهنا يتوارى المستضعفون، تجرفهم سيول الأقوياء ليغرقوا في محيطاتهم النهمة. إن العولمة المبتغاة هي تلك التي تتطلع إلى الإسهام الفعلي في تكوين أو تشكيل المجتمع الإنساني الواحد، من جهة, ومن جهة أخرى هي تلك التي تدعم الفكرة البسيطة للإثراء الثقافي، أو الاستعارة الحضارية! هي بعبارة أخرى تلك التي تقوم على التفاعل بين البلدان المختلفة, والتي كما يؤكد عبدالله عبدالدايم تستخرج من الثقافات المتعددة فضائلها، فمن الأهمية بمكان بناء قيم إنسانية مشتركة. ولو جاء أمر العولمة على هذا النحو لما كان هناك من حاجة للقلق، لكن المشاهد هو أن دعوى الإثراء الثقافي آخذ في التحول إلى ما يمكن أن يسمى صراحة بمسخ الثقافات المحلية، أو إبادتها, كما أن وهم الاستعارة الحضارية يشرع فعلا في التحول إلى فكرة مقيتة، وهي الإحلال التام لعقل الآخر ووجدانه، وهي بالتالي وتلقائيا الإلغاء الأكيد للخاص، ومصادرته وتسفيهه, وهنا تكون قواعد العلاقة في الصالون البشري الواحد قواعد مختلة وغير متكافئة, وهي في ذات الوقت غير شريفة، وذلكم. مرة أخرى، هو الجانب الباعث على القلق الشديد حيال النظام الاتصالي الكوني الجديد. إن مشروع العولمة يسير في اتجاه واحد من القوي إلى الضعيف، فلا يلتفت الأقوى إلى توسلات الأضعف أو إلى أفكاره ومشروعاته الثقافية الواهنة، المفتقدة إلى القوتين، قوة النفوذ، وقوة الأداء. من المسؤول عن جنايات العولمة؟ من الصعب أن نؤاخذ الأقوياء، ومن الصعب أيضا أن نلوم الضعفاء, فالعولمة اليوم تكتنز في داخلها أهم وأقوى نواميس الدورة الحضارية الجديدة، ما دمنا نؤمن بأن هناك دورات للحضارة! تسود فيها ثقافات، وتتوارى، خجلة حيية منهكة، ثقافات. ليس من اليسير التكهن بعمر هذه الدورة الحضارية الجديدة، وليس من اليسير أيضا توقع الحجم النهائي الكاسح لتأثيراتها, وفي كل الأحوال، ومهما بلغت تصوراتنا للحجم النهائي لتلك التأثيرات، فإن ذلك لا ينبغي أن يكون مبعثا للقنوط أو اليأس، ففوق هذه الكرة الأرضية ثقافات ستكون أكثر حظاً في القدرة على المقاومة، وفي تمديد فترة الرمق الأخير، ولاسيما إذا ما احتاط أهل تلك الثقافات، وإذا ما قدروا التقدير الجيد، حجم المخاطر التي هم مقبلون عليها في ظل القوانين الجديدة لهذا العالم الجديد. إننا نلمح اليوم وبوضوح شديد مظاهر مختلفة لخروج المستضعفين من جلودهم الأصيلة، ولمغادرتهم ملامحهم وسحناتهم التي عرفوا بها، فهذه أفكار تحل محل أفكار، وتلك أنماط في السلوك تحل محل أنماط أخرى، لعل هذا الوضع أضحى وضعاً لا ينتظم جميع أمور الحياة، ابتداء من علاقة الإنسان بالكون والأشياء (ومن ذلك ذاته وسلامه الداخلي وقيمه ومثله) وانتهاء بمأكله ومشربه وملبسه، وجميع وسائل معاشه الاستهلاكي اليومي. العرب والكونية الاتصالية: إنه ليس بالجديد القول بأن أهم الخيول التي راهنت عليها العولمة، في سباقها المرير، هو حصان الاتصالات، فالمنجز الاتصالي هو من أقوى المعاول التي دكت حصون الجغرافيا، واستباحت قلاعها، وانتهكت حرمتها، فلا التضاريس هي التضاريس، ولا المسافات هي المسافات, إن الإعلام مثلا هو الذي ألغى فوارق المكان، وهو الذي جمد تماما تعددية الزمان, فلقد كانت حصون الجغرافيا هي الحصون الأقوى، التي تحتمي بها الثقافات, ففي ظلها كان يتاح التعدد، وكان يباح التنوع، وكانت توجد فرص للاختلاف, والناس لم يكونوا، قبل الثورة الاتصالية الجديدة، هدفا مباشرا للاغراء أو الاستدراج، ويمكن أن يقال مثل ذلك عن الثقافات نفسها، فهي لم تكن قبل هذه الثورة غاية سهلة من غايات تمدد النفوذ، ولم تكن غرضا ميسورا أو هينا من أغراض الإبادة أو الطمس أو المسخ. يذكر تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي صدر العام 1997م إن في العالم اليوم أكثر من 1,2 بليون جهاز تلفزيون يتسمر حولها الناس فوق هذا الكوكب. ويذكر عبدالإله بلقزيز ان الكتابة ليست من الأدوات الوظيفية للعولمة، ويرى أنها ليست من وسائط انتشارها, فالعولمة الثقافية تجري وتتوسع في مناخ من التراجع للثقافة المكتوبة, على صعيد الانتاج والتداول, ولا ينتمي هذا التجافي إلى المصادفة التاريخية، بل هو يعبر عن طبيعة العولمة الثقافية، ومنطق اشتغالها: ثقافة العولمة هي ثقافة ما بعد المكتوب,, وليست ثقافة العولمة سوى ثقافة الصورة, وهو يعني هنا البث التلفزيوني الذي يعتبره المفتاح السحري للنظام الثقافي الجديد, فالصورة هي المادة التي يجري تسويقها على أوسع نطاق جماهيري في العالم,إن الصورة في نظر بلقزيز هي خطاب ناجز مكتمل، وهي لا تحتاج بالضرورة إلى المصاحبة اللغوية كي تنفذ إلى إدراك المتلقي، وهذا هو أساس شعبيتها، بل أساس خطورتها,نعم!,, نحن – في عالمنا العربي – دخلنا كغيرنا في النظام الاتصالي الكوني الجديد، ولكن دخولنا في ذلك النظام اتسم بملاحظتين مهمتين: أولاهما: أننا دخلنا متأخرين، أي بعد أن امتلأت الطرق السريعة بالمارين والعابرين والمقيمين، وبعد أن عجت السماء بالأقمار الصناعية لغيرنا، فبالكاد وجدنا مكانا صغيرا في السماء المكتظة,إن موقعنا المتواضع هذا فوق الخريطة الاتصالية الكونية أمر يدخل في باب البديهيات، فالطرق السريعة إنما عبدها غيرنا، وجبال المعلومات إنما بناها سوانا، والفضاء الفسيح هو – أصلا – صناعة غير عربية، فلابد والأمر كذلك أن يأتي ترتيبنا فوق الخريطة بعد الفاتحين الأوائل، وبعد أصحاب الصناعة الأصليين,, نقصد بعدهم بكثير, وكثير جدا. الملاحظة الثانية: أننا دخلنا النظام الجديد مستهلكين في مستوى أول، فظهرنا دائما عاجزين عن إعادة إنتاج ثقافتنا. فماديا ظلت الصناعة الإعلامية والمعلوماتية عندنا تشكوان من كثير من العيوب، وعناصر الخلل, أي أنها ظلت عاجزة بكل المقاييس، وعلى مختلف المستويات، عن ملء الفراغات الزمنية في الوسائط أو الاستجابة العملية للنهم اليومي لاستهلاك المعلومات ومعالجتها, هذا من حيث الكثافة، أما في جانب النوعية فنستطيع أن نسجل بالإضافة إلى الضعف الشديد في الإبداع، الضعف الشديد في عناصر التقويم والانتقاء والأداء والتشويق والإثارة. موقعنا في الكونية الإعلامية الجدي: 2-2 العولمة, والفضائيات العربية د. فهد العرابي الحارثي تمهيد: فكرة العالمية أو المجتمع الإنساني الواحد فكرة قديمة، وكان من مجالاتها خيال الشعراء حينا، ومثاليات فلسفية وإيديولوجية أحيانا أخرى كثيرة، وقد بلغ هذا الحلم مداه عندما صارت العالمية بديلا للمواطنة، أي فكرة الوطن الواحد، والدولة الواحدة, فالكوكب كله هو الوطن المبتغى، الشائع الأرجاء. ولكن فكرة المجتمع الإنساني الواحد، على هذا النحو لم تكن لتصمد طويلا امام حقائق الجغرافيا، وفي مواجهة مسلمات التاريخ، التي – كلها – تفترض التنوع وتؤكد التعدد وتدعم الأخلاق نقصد الأخلاق الذي قد يعني، في بعض صوره التعارض أو التناقض اللذين بدورهما، يستدعيان التصادم والتصارع الحضاريين في مختلف أشكالهما. وما الحروب التي حفل بها التاريخ البشري، إلا النتيجة الأبرز، بين النتائح المتفاقمة، لتعدد الثقافات، وتنوعها واختلافها ومحاولة كل منها السيطرة على الأخرى، أو ربما ابادتها وتدميرها بالكلية. فتاريخ الصراعات والحروب هو، في واقع الأمر ، تاريخ الأفكار في نموها, وفي شيوعها,, وفي محاولاتها المستميتة، والعنيدة والمتكررة للهيمنة على عقول ووجدانات أكبر قدر ممكن من الناس، أو من الشعوب. إن حلم المجتمع الإنساني الواحد لم يستطع أبدا – على صعيد الواقع التاريخي والجغرافي – أن يتجاوز الانتماءات الثقافية المتعددة، والمتنوعة، أو يقفز من فوقها،فما بالك بإلغائها، أو مصادرتها، أو نفيها إلى خارج لعبة الصراع تلك اللعبة التي ظلت تُجسَّد في عمقها وفي إبعادها، المختلفة، الحقيقة الأولى الواضحة في علاقات شعوب الأرض في مختلف العصور!, لقد أثبتنا أننا، بالفعل، غير قادرين على إعادة اكتشاف ثقافتنا، وغير موفقين – في معظم الأحيان – في إعادة صياغتها, فنحن لا نقول إلا المكرور، الباعث على الملل. ونحن لا نبحث إلا عن الجامد المثير للسأم، فيقابل العجز عن الاستجابة العملية للنهم المعلوماتي أو الإعلامي، كثفاة ويقابل الفشل في تقديم ثقافتنا الأصلية التقديم الصحيح، والجذاب والمثير للاهتمام نوعا ان لجأ جمهورنا، بقضه وقضيضه، إلى وسائط الآخر, وهي بالفعل الأكثر إثراء، والأكثر إغراء، والأكثر جاذبية، وهكذا وجدنا أنفسنا مستهلكين، رغما عنا لثقافات غير ثقافتنا ولأفكار غير أفكارنا ولأنماط سلوكية هي من غير انماطنا, بل إنها لا تلتقي في أغلبها مع رغباتنا الأصلية، ولا تتفق مع حاجات بيئاتنا، أو سياق حضارتنا. إن هاتين الملاحظتين اللتين تحدثنا عنهما أعلاه، وهما دخولنا المتأخر في النظام الاتصالي الكوني الجديد، ومكوثنا، الذي سيطول، في قائمة المستهلكين، هما من أهم ما يعاني منه وجودنا فوق الخريطة الاتصالية الكونية، فهما تثقلان ذلك الوجود، وتنهاكنه إلى أبعد الحدود, ولهذا ظل وجودنا ضعيفا وخجولا ومتواريا، وبعيدا تماما عن أي تأثير، مهما افترضنا له من احتمالات المقدرة. وإذا كان دخولنا المتأخر، في النظام الاتصالي الجديد، يجد تبريره ومنطقة في تخلفنا التكنولوجي، بالنسبة إلى الآخر، (صاحب التكنولوجيا ومبدعها ومالكها)، فإن من الصعب تبرير عجزنا التام عن إعادة إنتاج ثقافتنا الخاصة بنا، ومن ثم تعبئتها في أوعية أو قوالب وسائطية، جذابة، ومثيرة للاهتمام. لقد كان من نتائج الإنهاك الظاهر على طبيعة وجودنا الاتصالي، وفق ما أسلفنا، أن فقدت وسائطنا الإعلامية طريقها إلى وجدانات الناس، وبالتالي ظهر الخلل جليا في وفائها بأهم ما هو مطلوب منها، ومن ذلك: أولا: القدرة على إثراء الناس في ثقافاتهم الأصلية، وبالتالي تعزيز ثقتهم في تلك الثقافة. ونحسب أن هذا الأمر بالتحديد هو ما يعد العمق الصحيح في وظائف الإعلام على إطلاقها, ومن أجل ذلك ترصد الميزانيات الضخمة، ومن أجل ذلك أيضا تستحضر الأفكار، ومن أجل ذلك تعبأ وتؤهل وتدرب الإطارات البشرية التي يكون في مقدرتها أن تجعل من المنجز الإعلامي منجزا حيا، متحركا يمشي فوق الأرض، ويغمرها بالمطر والتفاؤل. ثانياً: أظهر المنجز الإعلامي العربي الراهن عدم القدرة، أيضا، على الوصول إلى المستوى النابه من رسالته، وهو تعزيز فرص المقاومة، وتدعيمها، أي تحصين الناس، ضد ما يمكن أن يسمى بعوامل التعرية الثقافية, وهذا التحصين، إضافة إلى زرع الثقة في الخاص وتكريسها، هو الإبداع الدائم، للبديل القوي، الجذاب المنافس. إننا لا نستطيع أن ندعو إلى قفل الأبواب، او إلى سد النوافذ، أو إلى حجب أشعة الشموس الساطعة، فهذا أمر لم يعد ممكنا أصلا، حتى لو رغبنا فيه، أو طمحنا إليه, فالاجتياحات حاصلة رغم أنوفنا،, والاختراقات ستتكرر كل لحظة مهما كرهنا, والصالون المفتوح المكشوف باق ومستمر ومتنام شئنا أم لم نشأ. إننا لا يمكن أن نضع قفصا حديديا مغلقا حول كل مواطن، فلا يرى ولا يسمع ولا يتكلم ولا يتنفس. لكن من الممكن جدا أن نحتل وجدانه، قبل أن يحتله الآخرون, فنجعل ذلك الوجدان يقبل، في أقل من الأحوال وبأقل الأضرار بمبدأ التعايش بين ثقافته الأصلية وما هو مفيد من ثقافات أخرى وأفكار أخرى أو سلوكات أخرى. فلا بأس في الاستعارة الحضارية، ولا بأس في المحاكاة الثقافية، ولكننا لا نريدها استعارة جاهلة مستسلمة، ولا نريدها محاكاة بليدة شاحبة، ليس أمامنا إلا أن نعتنقها بكل انبهار أو بكل ذهول. إن مقاومة العولمة الثقافية ليست دعوة لقطع آصرة التفاعل الثقافي مع العالم الخارجي, أو الانكفاء الثقافي للمغلوب إلى منظوماته التقليدية, إن في هذا تراجع معرفي غير مرغوب. إن مقاومة العولمة، في نظر عبدالإله بلقزيز، هي شكل من أشكال الممانعة ضد الاستسلام، وهي في نظره أيضا محاولة للبحث عن نقطة توازن في مواجهة عصف التيار الثقافي الجارف، ولكنها، في كل الأحوال تظل محاولة سلبية للدفاع عن الثقافة والأنا الجمعي, وهي مقاومة خاسرة، إن لم تتحول إلى مقاومة ايجابية تتسلح بالأدوات نفسها التي حققت عولمة ثقافة الآخر. إن مسؤولية المنجز الإعلامي، هي أن يعزز ثقة الناس في تراثهم، وفي ثقافتهم وفي حضارتهم. إن مسؤوليته أيضا، هي أن يغري الأجيال بذلك التراث، وتلك الثقافة وتلك الحضارة. لابد أن نوجد في ثقافتنا البدائل المطلوبة لكل ما يعترض الناس من إشكاليات فكرية أو حضارية, ولا بد أن نقدم لهم، من تلك الثقافة، الإجابات المقنعة على ما ينمو في رؤوسهم من أسئلة يجب ألا نضطرهم إلى اللجوء إلى غير ثقافتهم، من أجل تفكيك تلك الإشكاليات، أو من أجل البحث عن إجابات ممكنة حول تلك الأسئلة. إننا واقعيا ومنهجيا ليس متاحا أمامنا إلا مثل هذا السلاح، لمواجهة الاجتياحات، التي لم تعد تنقطع عنا ثانية واحدة. الفضائيات العربية,, الوسيلة والرسالة لا شك أن البث الفضائي أضحى، اليوم من أقوى وسائل الاتصال الأكثر انتشارا، والأقوى تأثيرا كما سبق أن أوضحنا, فالجمهور المستهدف للبث التلفزيوني هو عادة الجمهور العام، ولهذا فإن ساعات طويلة من حياة الناس تستنفد أمام الشاشات التي لم تعد تحصى، ولهذا كان الاهتمام البالغ لدى الاقوياء، بالصناعات التلفزيونية بمختلف أشكالها. إن نظرة منصفة إلى واقع الفضائيات العربية، في عمومها اليوم لا تتيح لنا أبدا أي قدر من التفاؤل في مدى استشعارها لدورها الحضاري، المطلوب، أو لرسالتها الثقافية المتوخاة. فهي أرادت ان تغطي العجز في تلبية النهم الإعلامي كثافة ولكن كيف؟ وهي أرادت أن تغري جمهورها وتنافس غيرها عليه، ولكن كيف أيضا؟!، ثلاث ملاحظات أساسية يمكنها أن تجيب على بعض جوانب هذين السؤالين: تسطيح وارتجال: الملاحظة الأولى: أنه ليس هناك في واقع الأمر سوى تسطيح مقيت، لمشكلات حضارية وثقافية تمس حاضر الناس ومستقبلهم، وتمس عقائدهم وتاريخهم, فكان استحضار تلك المشكلات إنما يتم لمجرد الالتزام الرسمي أو الأدبي, ثم إن تلك المشكلات تناقش أو تعالج وفق منهج تقليدي بارد، ميت ومميت, وعبر أشخاص ليسوا هم الأشخاص، فكرا وعمقا وقابلية عند الناس. وهذا واقع ينتظم اللقاءات والمقابلات، والندوات والأحاديث التلقينية. اما إذا كان الموضوع موضوع دراما فهي غالبا تجيء ناقصة أو مشوهة أو مزيفة ولا تمس أبدا المسائل الصميمية للموضوع, وهذا كله يعود إلى أمور كثيرة منها: الارتجال، والتساهل في شروط الاتقان الدرامي، في كل مقوماته وعناصره: سيناريو، ممثلين، مخرجين، صوت، إضاءة، أزياء، ديكور,, إلى آخر ما هنالك مما يلزم من استعدادات ضرورية لنجاح المشروع الدرامي. فالعلاقة بين صناع الأعمال الدرامية، من جهة، وأصحاب الوسائط من جهة أخرى، هي علاقة غير مريحة، فالمنتجون يقتّرون على صناعتهم، أما لغرض تغطية نفقاتهم، أو لتحقيق أكبر هامش ممكن من الربح، فيؤثر ذلك على نوعية المنتج من حيث قوته، واكتمال مقوماته الأساسية، وتوافر عناصر الجذب فيه. وأصحاب الوسائط، من جانبهم يبحثون دائما عن الأقل ثمنا، وفق ما يتفق مع ميزانياتهم المتاحة. إن هذا النوع من العلاقة هو واحد من الأسباب التي أضعفت مستوى الدراما العربية, وهو بالتالي أسهم في نمو سلبيات أخرى منها النقص الواضح في التأهيل والتدريب، ومنها التباطؤ والتلكؤ في اقتناء التقنيات الحديثة المتجددة في مجالات الصناعة الدرامية. وهذا بخلاف ما هو عليه، واقع الانتاج الدرامي والسينمائي في دول أخرى، تدرك أهمية مثل هذه الصناعة، وتعرف تماماً مدى تأثيرها, لا بل إن هذه الصناعة في دول متقدمة، مثل أمريكا كما مر بنا أعلاه تتحرك برساميل هائلة، تكاد تكون أرقامها فلكية, لا بل إن التجارة العالمية في البرامج التلفزيونية تنمو بأكثر من 15% سنوياً وفق ما جاء في تقرير التنمية البشرية لعام 1997م. وما لم يتدراك وضع الدراما العربية، فإنها ستظل أقرب ما تكون إلى أشكال الدراما الصغيرة، التي تمارس في مدارسنا الثانوية أو ما في حكمها. الحوارات الهوائية: ثانياً: يلاحظ على الفضائيات العربية النزوع إلى التمظهر أو التشوف، أو الرغبة في المزايدة, فقد اكتسحتنا هذه الفضائيات بالبرامج الحوارية مثلاً, وهي تتوالد كما يتوالد النمل، وهي غالبا ما تكون، مع نجوم السياسة، ونجوم الفن، وإلى حد ما نجوم الأدب والثقافة, وتشترك هذه البرامج كلها في بعض الصفات الواحدة، ومنها: 1) أنها في معظمها تبث على الهواء (بث مباشر)، حتى أضحت الفضائيات العربية تتبارى وتتمارى في عدد برامجها الهوائية، حتى وإن لم يكن من طبيعة بعض تلك البرامج ان تبث بالضرورة على الهواء, بل لقد تحولت ساحة التنافس بين الفضائيات، إلى تسابق محموم في عدد البرامج التي تبث على الهواء, فالمهم هو أن يكون البرنامج على الهواء,, أما الموضوع وأما المنهج وأما المعالجون أو المتحاورون، فهي جميعها أمور تأتي في الأهمية بعد ذلك بكثير. 2) أنها – أي تلك البرامج – تفتقر، في معظمها، إلى الجدية أو العمق في التناول, ومفاجآت التدخلات التلفونية هي عنصر التشويق الرئيس في تلك البرامج, وهي تداخلات تبدو غالبا إما مفتعلة او مرتبة ومعدة سلفا، وإما ساذجة بليدة، فهي تقول كلاما كثيرا ولا تقول شيئا أبدا, بل إن بعض تلك التدخلات يقصد بها – أحيانا – إلى استفزاز عواطف المشاهد، أو إلى إيذاء مشاعره، أو إلى خدش حيائه, وذلك لسفاهتها، أو لإسفافها وتبذلها, ونحن سمعنا ونسمع، عن تدخلات تلفزيونية من هذا النوع, فهي لا يراد لها إلا أن تتحدى أحاسيس المشاهد الدينية أو الأخلاقية, بل إن بعض تلك التدخلات التلفزيونية، استخدم للسخرية من الفضائيات نفسها، ومن مذيعيها ومذيعاتها, وهي تدخلات أقل ما يمكن أن توصف به، هي أنها كانت تدخلات جارحة وبذيئة, 3) إنها – أن تلك البرامج – تعتمد، في معظمها على البطل الواحد المتكرر, وهو هنا مقدم البرنامج أو مقدمته, وهو، بالنسبة إلى أي من الجنسين، يجب أن تتوافر فيه نسبة من الجرأة، ونسبة من الصفاقة، وقدر من الوقاحة!, ووقاحة الرجل، قد تكون في بذاءته او في إسفافه، أو في قدرته على استفزاز ضيوفه أو مشاهديه، بطرق أو ذرائع لا مبرر لها. ووقاحة المرأة هي في هيئتها، أو في شكل ملبسها، او في طريقة جلوسها فوق طرف الكرسي، أو فوق طرف الطاولة، أو فوق طرف القلب!! وقد تكون وقاحتها في صوتها، أو في ضحكتها، أو في أسلوب حديثها، سواء مع الضيف أو في مواجهة الكاميرا، أو مواجهة المشاهدين. ونكاد نجزم بأن هناك برامج كثيرة تطغى فيها الإثارة الحسية أو الجسدية أو الجنسية على أي شيء آخر سواها، حتى أننا لنحس حقيقة، بمشروعية الظن بان تلك البرامج إنما وجدت أصلا لتحقيق مثل هذا الهدف، هذا إن كانت هناك أهداف أخرى غيره. 4) أنها – أي تلك البرامج – إنما ولدت، في معظمها ضمن سياق غير طبيعي وغير منهجي، فهي تتكاثر لا من أجل طرح مزيد من المعضلات الصميمية التي تواجه الإنسان العربي، وإنما من أجل الاستجابة للاعتقاد الراسخ، عند أصحاب الفضائيات، بأنها الطريق الوحيد، أو الطريق الأمثل، لاستقطاب مزيد من المشاهدين. ولا شك أن الفضائيات قد استغلت، في لؤم شديد ما ظل يعاني منه الإنسان العربي دهورا طويلة، وهو افتقاده إلى الساحات الرحبة للحوار, فهو ظل طويلا مرتهنا لبيئات ثقافية واجتماعية خانقة، ليجد فجأة ان الفضائيات تمطره ببرامجها الحوارية الوارفة!! فتحلق حولها، وما زال يتحلق, وفي كل الأحوال فإننا لا نظن أنها اوصلته إلى أنواع المتعة المتوخاة، أو المتنظرة، في الحوارات الحقيقة، المنهجية المسؤولة. تشويه الحرية: 5) تشترك بعض تلك البرامج الحوارية في جناية واحدة بينة، وهي تشويه وجه الحرية الجميل, فتلك البرامج قدمت نفسها للمشاهد، على أنها الهامش الأوسع والأرحب للحرية، فهي تتحدث عن حرية الكلام، وحرية الممارسة، وحرية الاختيار، وحرية القرار. لكنها بدافع الحماس والانفعالات والتشنجات، تختلط عندها الديمقراطية بالفوضى, وبدافع المزايدة والتشوف، تتدال عندها حرية التعبير مع الوقاحة أو الصفاقة. وبدافع المكابرة والمغالطة، تتماهى لديها فكرة حرية التصرف، مع الاعتناقات السلوكية الشاذة. بدافع العناد والتعصب، تندك أمام أعينها صروح حرية القرار. وبدافع الشجار، ورفع الأصوات والاشتباك بالأيدي والأرجل وشد ربطات العنق، يتلاشى ما يزعم بأنه حرية للاختيار. إن ما يحدث في تلك البرامج، هو تشويه للحرية، وهو مسخ لها، فالحرية لا تعني الكذب، أو التزوير أو التزييف, ولا تعني إظهار نصف الحق، وإخفاء نصفه الآخر. ولا تعني التوزيع غير العادل، في مساحات الكلام, ولا تعني الانتقائية في الأفكار، أو الأخبار، أو المواقف, ولا تعني إيذاء الآخرين، أو الطعن في تاريخهم، أو الاستخفاف بمنجزاتهم، أو التشكيك في نواياهم، أو استغلال المنابر ضدهم. نحن نعلم أنه لا يوجد، في الأرض كلها، خطاب ثقافي أو إعلامي محايد, فأي خطاب، ثقافي أو إعلامي، هو خطاب منحاز بطبيعته، مهما بلغ ادعاؤه حيازة الشروط الموضوعية للحياد, والحرية لا تشترط الحياد في الخطاب، لأن ذلك غير ممكن، لكنها تشترط تكافؤ الفرص، وتشترط فهم الطرف الآخر واحترامه, وتشترط النزاهة والأمانة والصدق والشرف. إن الانحياز في المفهوم الثقافي هو، بمعنى لما، الالتزام ولا يؤاخذ المثقفون على التزامهم، وإنما يؤاخذ منهم من يدعي احتكار (الحقيقة) فيصادر غيره، أو يلغيه، أو ينكره، أو يضرب حوله بسياج من حديد، فيحجب صوته، أو يخفي ملامحه. لا احسب إن الحرية التي تعلمنا إياها الفضائيات العربية هي الحرية الصحيحة, ولا أظن أن الذين يلوحون براياتها في تلك الفضائيات، هم روادها الحقيقيون. إننا نعتقد أن هؤلاء إنما جاؤوا بها – وعلى هذا النحو من التشويه – لنفس الأغراض التي انتشرت من اجلها – في الأصل – البرامج الهوائية في عمومها, أي أنها وسيلة من وسائل التنافس المحموم، لغرض استقطاب المزيد من المشاهدين، وكسب ودهم، ودغدغة تطلعاتهم المستمرة نحو فضاء أرحب للحرية، ومن هو من الناس الذي لا تغريه الحرية، أو تستهويه أو تخلب لبه، فيقبل على كل مناد ينادي بها، ويتهافت على أي مائدة يشتبه في أنها ستكون – أي الحرية – بعضا مما يقدم للمتحلقين حولها. يتبادر إلى الذهن الآن وفي هذا السياق برنامج (الاتجاه المعاكس) الذي تبثه قناة (الجزيرة) من الدوحة بقطر فهذا البرنامج هو اليوم نجم البرامج الحوارية، في الفضائيات العربية, ولشهرته القوية ولإيمان الكثيرين بفاعليته سنضرب به المثل على ما ذكر أعلاه، فهو، يمكن النظر إليه من جهتين: جهة الفكرة، وجهة الأسلوب. ففكرة البرنامج تبدو، في ظاهرها، فكرة (نبيلة) تهدف إلى الإسهام في خلق مناخ أكثر ملائمة ل(الحوار) إما أسلوب البرنامج فهو أسلوب يريد أن يكون مملوءاً بالحركة وبالتقاطعات، لكسب مزيد من الحرية والإدهاش وبالتالي الجذب. ومن خلال المتابعة، وفرص الملاحظة للأداء، نجد أن البرنامج في حقيقته، على خلاف ما يوحي به ظاهرة, اذ كثيرا ما ينحرف عن الفكرة (النبيلة) المتوهمة، فيسهم،- فعلا – في دعم فرص المزايدات، والمخاصمات، والمشاحنات، والبلبلة، والإمعان في اخفاء الحقائق وتشويهها واللجوء إلى التلفيق والافتعال. والبرنامج – في الوقت ذاته – يخرج دائما، في أسلوبه ولغته، عن الحركة المقبولة، وعن التقاطعات اللائقة، فيزيد في تأكيد تقاليد غوغائية ضغائنية، ليس لها ألا أن تطمس معالم الرؤية، بل تقطع تماما الجسور البهية ل(الحوار) المتوخى أو المنتظر. أن جماهيرية البرنامج ما هي إلا دليل على جانب الإثارة فيه، فهي – موضوعيا – لا يمكن إن تتخذ دليلا على منهجيته أو نجاعته. والى متى سنظل – في عالمنا العربي – نمعن في تشويه وجه (الحرية) فنجعلها تبدو للناشئة أو للأجيال الجديدة، على أنها لا تعني، في معظم الأحيان إلا الرقاعة، أو الوقاحة، أو الابتذال، أو الإسفاف، أو البهتان. أن هذا البرنامج وغيره من البرامج الشبيهة ليس لها إلا أن تواصل تذكيرنا بما كنا نريد دائما إن ننساه. الترفيه الساذج، الترفيه الماجن: ثالثا: إن مما يلاحظ على الفضائيات العربية النزوع أيضا إلى السهل، والى الطفولي، والى الساذج وهذا وضع ينتظم الكثير من البرامج ولاسيما برامج المسابقات. هي في عمومها برامج تافهة تفتقد إلى الجدية والتشويق, وهي لا تعطي شيئا ولا تثري شيئا ولا تسمن ولا تغني من جوع, بل أننا نحسبها لا تزيد الناس إلا بلادة في الحس، وتكلساً شديداً في التفكير وحثاً مقيتاً على القعود عن تنمية المعلومات وتغذية الذاكرة.إن تلك البرامج في كلمة: هي إلهاء للناس عن المفيد. رابعا: أن مما يلاحظ – أخيرا – على الفضائيات العربية جنوح بعضها إلى الإسفاف والمجون. إن الترفيه أمر مطلوب، وهو من مقومات الوسيلة الإعلامية الناجحة ومن متطلباتها, كما انه هدف من أهدافها فلا يمكن لها تجاوزه أو الاستغناء عنه. والمعنيون بالأعلام يدركون أن الترفيه أمر ضروري للمتلقين، فهو يريح أعصابهم، ويعزز هدوءهم النفسي، ويمعن في تهذيبهم الذوقي، ويزيد في ثرائهم الوجداني. لكن الترفيه يتحول إلى ثلم للذوق وتشويه للوجدان عندما يكون هو الغالب أو هو الطاغي على كل ما سواه أو عندما يصل إلى درجة الإسفاف، أو عندما يبلغ مستوى غير لائق من المجون. ومن المؤسف أن الترفيه عند بعض الفضائيات هو كل ما سبق ذكره فهو الغالب والمتسيِّد على كل ما هو غيره، بحيث تتوارى في غباره، أو خلف سحبه وعواصفه، الأهداف والغايات الأخرى, وهو أيضا يصل إلى درجة الإسفاف، ويرتفع أحيانا إلى أذقانه في المجون. أننا لا نكاد نجد فرقا بين بعض الفضائيات وبعض الكباريهات المعتادة، في بعض الأزقة العربية الغارقة في الأضواء والشهوات، بل أن المشاهد ليرى في تلك الفضائيات، ما لا تتيسر له رؤيته في علب الليل العادة بالأجساد والرغبات. ونحن لا نقول ذلك القول من باب المبالغة، أو التهويل، أو تضخيم الأشياء، بل إننا ندعوكم إلى القيام بجولة ليلية على فضائيات العرب، أو بعضها على الأقل وسترون أن ما نقوله صحيح، وليس فيه أي مبالغة أو تهويل أو تضخيم. فمحطة من تلك المحطات – مثلا – ترقص فيها الراقصة شبه عارية، بل هي بالفعل عارية, والمخرج يريك (زووم) على الشاشة من إعجازها، وأفخاذها، ومفاتنها الأخرى، ما لا يمكن أبدا أن يراه أي سهران أو سكران في الكباريه الذي ترقص عادة فيه تلك الراقصة (الفاتنة!),، ومحطة أخرى يتناوب على الميكروفون فيها، مجموعة من المغنين الهواة، لمدة ثلاث ساعات متواصلة أو أكثر. ومحطة أخيرة تجعل طاولة المذيع عبارة عن كاونتر لخمارة أو (بار) يجلس حولها مع ضيفه أو ضيوفه، وتحيط بهم في الصالة مجموعة طاولات أخرى مستديرة، يلتف حول Nijht Clubs كل واحدة منها مجموعة من الحسناوات، وبعض الرجال, وبنوعية ملابس الحسناوات، وطريقة جلوسهن، يدفعن إلى التفكير فعلا فيما يجري في علب الليل) أو ما هو شبيه بعلب الليل. أما الأغاني العربية في الفيديو كليب فحدث ولا حرج، فالبوزات، والملابس والحركة، والديكور والإضاءة وطريقة الأداء كلها هي في تلك الأغاني للإغراء الجنسي، سواء كان ذلك في جانب المغنين من الرجال، أو المغنيات من النساء, ليس هناك موضوع آخر، في تلك الأغاني، غير إثارة الغرائز، والتركيز على المفاتن, ويتم ذلك بطريقة ساذجة، وبدائية، بعيدة عن أي أصالة فنية، أو أي مضمون ثقافي، وبعيدة في معظم الأحيان، عن أي حياء، أو احتشام، أو دين. أن هذا الوضع لا نجد له سوى وصف واحد لائق وهو العبث والميوعة والرقاعة، والاشتغال بالتافه والأدنى. أما الإعلان الفضائي العربي فليس في منأى عن الولوغ في حمأة الإثارة الجسدية، بل نحسب أن القائمين عليه يعدون هذا النوع من الأداء الأكثر تأثيرا في إقناع المشاهد بالسلعة أو الخدمة المراد الترويج لها, ويصل اعتدادهم بهذا التصور، إلى استخدام الإثارة الجسدية حتى في غير مكانها الصحيح, وقد قرأت قبل أيام مقالة، لأحد الكاتبات، تندد فيها بإعلان فضائي من هذا النوع, فتذكر: إن إحدى الفضائيات تعرض إعلانا عن نوع من انواع الشامبو (صابون الشعر)، فتقدم الإعلان المذكور على شكل منظر علوي، لامرأة تستحم (عارية) وهي تطلق اصواتا وآهات وزفرات، تنم عن استمتاعها برائحة الشامبو المعطر، بالإعشاب, ثم تذكر الكاتبة: أن الأصوات التي تطلقها فتاة الإعلان، هي اصوات حرى بالولَه، ساخنة بالرغبة، وليس لها، بالطريقة التي تسمع وتشاهد بها، إلا ان تثير غرائز الرجال, ثم تضيف: أن هذا الإعلان ليس موجها للنساء، لإغرائهن بشراء المنتج السحري، ولكنه بالأحرى موجها إلى الرجال, فكل ما فيه لا يهم ولا يثير، سوى الرجال. أننا لم نشاهد قط في تلفزيونات العالم، كل ما شاهدناه ونشاهده في تلفزيونات العرب، من مذيعات غانجات ومتغنجات، مشتعلات ومشعلات: في كلامهن المائع الرطب، وفي ضحكاتهن الرقيعة، التي تأتي بسبب ومن دون أي سبب، أما زينتهن وملابسهن، فحدث ولا حرج، فأنت ترى من المذيعة في التلفزيون العربي ما لا تراه من أي امرأة أخرى، في أي مكان آخر. إن القائمين على تلك الفضائيات يقولون بملء الفم: أن تلك الأفخاذ العارية، والصدور المكشوفة، والتكسر، والتغضن، والهز، واللز، هي كلها من أدوات المنافسة، ومن وسائل إغراء المشاهد، وجذبه. وما الذي يجعل تلك الفضائيات، تختلف في هذا عن بعض النوادي الليلية، التي تجتلب الحسان للأغراض نفسها، ومن تلك الإغراض إغراء الزبائن، وجذبهم ودفعهم إلى مزيد من الاستهلاك، والإغراق في الصرف. إننا لسنا ضد مشاركة المرأة في أداء الرسالة الإعلامية، والاضطلاع بواجباتها الحقيقية، ومهماتها الصميمة، لسنا ضد أن تشارك المرأة في الصناعات الإعلامية فكرة، وإعدادا وتصميما وأداء، ولكننا ضد إن تجعل المرأة مجرد دمية، أو لعبة، على هامش تلك الرسالة، وعلى هامش تلك المهمة, فهي في حقيقة الأمر، موجودة لغايات أخرى، أهون واقل مما تستحقه المرأة. هذه هي أوضاع فضائياتنا العربية، وهذه هي بعض وجوه الحقيقة المؤلمة لوجودنا الخجول في الكونية الإعلامية الجديدة. أبعاد الأزمة: من الواقع إلى المقاومة: إن فضائياتنا العربية مشغولة هكذا بالهائنا عن المفيد، ومشغولة بالاحتفاء بالهين، والسهل، وغير العميق, ومشغولة بتسطيح الافكار، وتمييع القضايا الاساسية في حياتنا، وتخديرها، واماتتها. لقد انتظرنا البث الفضائي العربي كما تصورناه، أو كما توهمناه وظننا أن تلك القنوات ستكون هي المبددة لوحشتنا في طريقنا الطويل نحو المستقبل,, ثم ما لبثنا أن فتحنا عيوننا على الحقيقة المرة,, وهي إن قنواتنا الفضائية لا شأن لها إلا أن تزيد مستقبلنا غموضا. فهي لم تقم – كما كنا نتوقع – بدور المبشر بحضارتنا، وهي لن تصن – كما كنا نظن – تراثنا، فتحميه من الغبار والإهمال, وهي ركزت – عوضاً عن كل ذلك – على غرائزنا الصغيرة، وعلى أفكارنا الصغيرة، وعلى ألعابنا الصغيرة. وهكذا ستظل أجيالنا متروكة نهبا لاجتياحات العولمة في صيغها الاتصالية أو الإعلامية، فليس أمام تلك الأجيال إلا أن تستهلك ثقافة الآخر أكثر مما تستهلك ثقافتها, وهي – أي تلك الأجيال – تجد عنده ما يجيبها على أسئلتها المعاصرة الملحة أكثر مما تجد ذلك عند أهلها. وهنا نتذكر كيف حدد بعض المثقفين العرب المعاصرين أزمة العقل العربي المعاصر كله، فهم يرونه مأخوذا مشدوها، جاثما, مطاطئا، بين (العدو والنموذج). فالغرب هو (عدوه),, والغرب في الوقت ذاته هو (نموذجه) الغرب هو خصمه ومستغلة, والغرب في، آن معا، هو الذي يبهره، وهو الذي يثير مكامكن إعجابه، وهو الذي يبعث فيه الرغبة للإقتداء به. الغرب هو سجَّانه وهو قاتله وهو في الوقت نفسه معلمه ومرشده, يأخذ منه الحكمة والعلم، وبوسائله ومنجزاته، يتغلب على كل المشكلات التي تواجهه، ويتجاوز كل المعضلات التي تعترض طريقه. نحن نؤمن بتفوق الغرب، ونكبر ذلك التفوق، لكننا في الوقت ذاته نعاني تجاهه من (عقدة الاضطهاد) هذه العقدة التي تمتد جذورها إلى الحقبة الاستعمارية، والتي استمرت تنمو إلى ما بعد الاستقلال، وهي باقية إلى هذا اليوم الذي نعيش فيه بأشكال أخرى من الاجتياحات والاختراقات. ان نظرة (الاستعلاء) التي يمارسها الغرب تجاهنا، لهي نظرة تقتضي بالضرورة عدم احترامنا, نحن مفتونون بقوته، نحن في الوقت ذاته ناقمون مضطغنون عليه. اننا، من جهتنا، نأخذ منجزه الحضاري كمثال، وانه من جهته، لا ينظر الى منجزنا، في معظم الاحيان، الا كعناصر (غرائبية) مثيرة للسخرية والتندر والتبكيت. ويظهر ذلك في الكثير من اشكال إنتاجه الثقافي او السينمائي او التلفزيوني، الذي لا يتردد في هدمنا به في كل مناسبة سانحة. فرص المقاومة، فرص الذهاب الى الآخر: هذا هو شكل العلاقة المعقدة مع العدو والنوذج، فهي تفرض علينا أن نأخذ عنه وتفرض علينا كذلك ان نقاومه, ومن أين لنا أن نقاومه؟ هل نقاومة بالتسطيح والتسهيل والميوعة، والارتجال، وتغييب الصميم؟ هل نقاومه بأجواء الكباريهات ومناخات الملاهي الليلية، والسيقان الملساء، والأفخاذ المتوهجة، والنحور المتوقدة بالرغبات والآهات والزفرات؟!. هل نقاومه بالحريات المشوهة؟ هل نقاومه بالحوار المخنوق بالاهواء والضجيج؟ هل نقاومه بالديموقراطيات التي لا نلوكها الا للمزايدات والمشاجرات؟ ان الاجابة على سؤال المقاومة – بدهيا – ليست ايجابية تماما وليست سلبية تماما ايضا. فالخلل موجود في العملية المعقدة لإنتاج ثقافتنا، والخلل أيضا موجود في توازن القوى، بين ثقافات عزلاء، وبين ثقافات تتمتع بدعم تقني واقتصادي وسياسي هائل. إن أخطر صور العولمة التي تواجهنا هي العولمة الثقافية القادمة من جهة الإعلام. فأولا: لاشك إننا نحتاج إلى أن نقاومها,, ومقاومتها لا تأتي بإصدار القرارات الرسمية أو الإدارية برفضها، لكن مقاومتها تأتي بالتعامل معها وفق البدائل التي نصنعها، ونقدمها للأجيال, وذلكم – لعمري – يحتاج إلى تعبئة قومية حضارية شاملة ويحتاج الى محاولات، جادة ومخلصة، لإعادة اكتشافنا. ثانيا: إذا أردنا أن يكون لنا موقع قدم – ولو متواضع جدا – في عجلة العولمة السريعة، فنؤثر كما نتأثر، ونعطي كما نأخذ، أقول لكم بكل ثقة، بأن ذلك ممكن جدا، على الرغم من عدم سهولة المهمة البتة, فقد أثبتت بعض الأحداث، إن شعوب العالم تستطيع إن تنصت إلينا عندما نقول مفيدا, ونحن في ثقافتنا وفي حضارتنا الكثير مما هو مفيد. وسأورد لكم مثلين اثنين، من الأمثلة التي استرعت انتباه العالم، عندما توفرت لهما عناصر النجاح، ومقومات التأثير: هذان المثلان هما فيلم (الرسالة) وفيلم (عمر المختار) فلقد شهد هذان العملان نجاحا ملحوظا عند ظهورهما في الغرب, وقد استطاعا أن يقدما للعالم الكثير من القيم الثقافية والأخلاقية، التي تزخر بها حضارتنا. إن الدخول في العولمة باتجاه الآخر أمر ممكن إذا ما وجد التصميم، وإذا ما توفرت الامكانات اللازمة لذلك، وليس صحيحا دائما أن الآخر لا ينصت ألا لصوته، ولا يطرب إلا لغنائه هو، وتغريده هو. ليس بالامكان – مع الأسف – أيراد مزيد من الأمثلة لما قدمناه باتجاه الآخر، غير فيلمي (الرسالة) و(عمر المختار),، وربما لهذا السبب لم أجدني – في احد المؤتمرات العربية التي شاركت في إعمالها هذا العام – متحمسا لفكرة قيام قناة فضائية عربية موحدة، يمولها جميع العرب. فكانت أكثر حماسة لقيام عدة قنوات تلفزيونية مقتدرة، ومنافسة، بلغات الغرب المختلفة, ويكون تمويل تلك القنوات عن طريق مبادرات فردية للدول العربية، أو حتى الإسلامية، المقتدرة,ففي مؤتمر المنامة، في البحرين عن (الحوار العربي الأوروبي) طرحت فكرة قيام قناة فضائية عربية موحدة، بلغات أخرى غير اللغة العربية بحيث يكون هدف القناة هو تعريف (الآخر) بثقافتنا وحضارتنا، في أبعادهما، وافكارهما، وآلياتهما المختلفة,وما طرح في البحرين، يستند إلى خطوات سابقة، كانت قد بدأتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (أليسكو) والمشروع الآن بلغ ذروته، وهو لم يعد ينتظر سوى قرار مجلس وزراء الاعلام العرب. وللحق انه، منذ تم تكليفي من قبل إدارة المؤتمر المذكور بإعداد مداخلة حول هذا المشروع كنت، ومازلت إلى اليوم، أسيراً لعدد من الوساوس والاحباطات التي لا تفضي – مع الأسف الشديد – إلا إلى مستوى حاد من مستويات التشاؤم, وقد ظلت فكرة المشروع – بناء عليه – مستعصية على كل محاولاتي اليائسة لإنزالها من المستوى ،(المثالي) الذي بقيت وهي ستظل، متشبثة به, فواقعنا العربي السياسي والثقافي والعشائري لا يلائمها، ولا ينسجم بأية حال من الطموحات البريئة التي دفعت إلى التفكير فيها. فواقعيا: نتساءل: أين ما كان مؤملا من معهد العالم العربي في باريس؟ وهو المؤسسة التي تدفع فرنسا نصف ميزانيتها بينما يغيب العرب عن دفع حصتهم، وهي النصف الآخر من الميزانية. ولهذا فقد ظل المعهد مشلولا، يرزح، مختنقا، تحت وطأة هذه الإعاقة الشديدة التعقيد، على الرغم من انه يخدم العرب، أكثر مما يخدم فرنسا التي تدفع وحدها حصتها الكبيرة من ميزانيته بلا أي تردد. ماذا أيضا عن فاعلية وكالة الإنباء الاسلانية وسرعة حركتها، وقوة أدائها ومدى تأثيرها؟ وماذا كذلك عن أمر يخصنا في هذا الخليج، وهو مشروع جهاز تلفزيون الخليج، ما فاعليته؟ وما حجم نشاطه؟ وهل أدى أو يؤدي ما كان منتظراً منه؟!، أن اتحاد إذاعات الدول العربية – كما سمعنا – لم يوفق في مناسبات محدودة، منها نقل بطولة أفريقيا في كرة القدم، ومثله اتحاد الإذاعات الإسلامية. نقول هذا الكلام مع احترامنا الشديد لأنواع المظلات الإقليمية أو العربية التي تتفيأ تحتها تلك الأجهزة أو تلك الاتحادات. فهناك، غير التقاعس عن الوفاء بالالتزامات المادية تجاه مثل هذه المشروعات، التعارض في المصالح الخاصة، والتضارب في الأهداف، والتناقض في التوجهات، والاختلاف في السياسيات، والتباين في الشعور بالمسؤولية القومية بشكل عام. نظريا: اعتقد أن الوقت أصبح متأخرا جدا لوضع صيغ جديدة، لمشروع قومي واحد. والصراع بين الحركتين التاريخيتين: حركة بناء الدولة القطرية، وحركة الدعوة إلى دولة عربية واحدة، هو صراع قد انتهى تماما ولم يعد هناك أي مجال للحديث فيه أو عنه, ولهذا فان الأساس التاريخي أو الفلسفي الذي كان يمكن أن تبنى عليه مثل هذه المشروعات، أصبح أساسا واهيا, أو هو غير موجود. أن الفكرة المقبولة اليوم، هي ما يقول به بعض المفكرين العرب العقلانيين، وهو إننا حقا امة عربية واحدة، ولكن هناك بيننا فروق ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية, وهناك تفاوت، بيننا أيضا، في مراحل التطور الاقتصادي والثقافي, هناك لكل منا، خصوصيات ثقافية لا يمكن بأية حال القفز عليها. وما لم تكن هناك (مصالح) ملموسة وواضحة ومحددة، تخص، بنفس القدر من الأهمية والحرص ، كل واحد من أية مجموعة تشترك في إنجاز واحد وإلا فلا نجاح يمكن انتظاره أو توقعه لأي مشروع لا يمليه سوى مثاليات لم تعد مهمة بالنسبة إلى الكثيرين. لهذا فقد كانت مداخلتي في المؤتمر المذكور ضد فكرة أن تكون القناة الفضائية العربية الموحدة عملا مشتركا للدول العربية كلها، أو حتى بعضها. لقد انحازت المداخلة إلى فكرة المبادرات المنفردة، التي لابد أن تقودها الدول الرائدة المقتدرة في عالمنا العربي, فنحن نحتاج بالفعل إلى إبداء رأينا للعالم في مسائل التنمية، والحرية، والديمقراطية وممارسة الحكم، وحقوق الإنسان، وذلك وفق تصوراتنا الخاصة لكل هذه الأمور. والعمل الإعلامي، عبر مثل هذه الوسائل، هو عمل باهظ التكاليف، ومن أصعب أن يرتهن للأهواء، والعشائرية، والأمزجة المتقلبة التي تحكم الكثير من تصرفات أنظمتنا العربية ومواقفها. أن مما قد يشجع الدول الرائدة المقتدرة على المبادرات المنفردة، مصالح واضحة: سياسية وإعلامية ولعل من اقريها إلى الذهن (بنوة) النجاح – أن صح التعبير – والاستئثار بمثاره، آنيا وتاريخيا. قلت في المؤتمر: نحن في انتظار تلك المبادرات المنفردة، ولا حاجة إلى تضييع الوقت، في مشروعات مشتركة تولد ميته، أو هي تموت بعد ميلادها بقليل. أن موقعنا فوق خريطة النظام الكوني الإعلامي الجديد، هو موقع متواضع بكل المقاييس, وهو موقع لا يتلاءم مع عمق المساحة التي نشغلها فوق خريطة التاريخ البشري، ولا ينسجم مع الحجم الهائل للكثافة البشرية للمسلمين. إن الحضارة الإسلامية في قوتها الكامنة، وان إعداد المنتمين إلى تلك الحضارة، هي كلها، أمور تستوجب وجودا أكثر نباهة في ذلك النظام المثير والخطير. أننا ندرك أننا لا نملك في أيدينا كل شروط التفوق اللازمة, فالذي يملك تلك الشروط هو الآخر، الذي وجد في المكان قبلنا، والذي ولد في الزمان قبلنا أيضاً، اعني زمن التنمية عموما، أو تقنية الاتصال خصوصا, فهو الذي بيديه الأسرار، وهو الذي في جيبه مفاتيح العالم إلى الدهشة, ونحن مازلنا نتذكر شكوى العالم الثالث المرة من تدفق معلومات الأقوياء باتجاه واحد,, ونحن نرى ونشاهد أن سيادة الفضاء هي سيادة غربية، دون أدنى منازع,انه من الأجدى أن لا يكون الشعور بثقل هذه الحقائق عائقا في الطريق إلى الأفضل. وليس من العقل أن ننتظر حتى يأتي اليوم الذي نأخذ فيه كامل حصتنا من فرص السيادة الفضائية. وانه يمكننا عبر المتاح المتواضع الآن، أن نقدم شيئا، في الداخل، يهدف إلى تعزيز ثقة الناس في ثقافتهم وحضارتهم, ونقدم شيئا آخر، في الخارج، غايته تقديم بعض قيم حضارتنا إلى العالم. إن هذه المبادرات من جانبنا ستقابل في طريقها أجيالا يثيرها الجديد وتتطلع دائما إلى الاكتشاف، وارتياد المجهول.