د. فهد العرابي الحارثي

  أولاً: المعايير الأساسية لرقابة المطبوعات

تعتبر رقابة المطبوعات العصب الرئيسي لأعمال هذه المديرية وهي المسئولة عن تنفيذ نظام المطبوعات الصادر به المرسوم الملكي رقم 15 وتاريخ 8/8/1378هـ.

فقد خول النظام المشار إليه المديرية مراقبة المطبوعات الواردة من الخارج قبل توزيعها والترخيص بما يجوز طبعة ونشره من المؤلفات والصحف وغيرها واتخاذ الإجراءات الضرورية المستعجلة عند ارتكاب إحدى المخالفات المنصوص عليها في النظام.

وهناك عدة معايير أساسية يتطلب الأمر مراعاتها عند رقابة المطبوعات وهي:

–        ألا يتعارض المطبوع مع عقيدتنا الإسلامية  أو مبادئنا وأخلاقنا أو يشكك فيها.

–        ألا ينمي أو يدعو للإباحية أو الانحلال أو يخدش الآداب العامة سواء بالكلمة أو الصورة.

–        ألا يدعو إلى الأفكار أو النظريات الهدامة المستوردة .

–        ألا ينتقص من حق أسلامي أو عربي، بما يتمشى مع السياسة العامة لبلادنا باعتبارها قبلة المسلمين وقلب الأمة العربية.

ونظراً إلى تزايد النشاط الإعلامي في السنوات الأخيرة سواء على المستوى المحلي أو العالمي، وبالتالي تزايد تأثير الكلمة سواء المقروءة أو المسموعة أو المرئية – فقد رؤى تعديل نظام المطبوعات بما يمشى مع التطوير الإعلامي الكبير وشاركت المديرية في دراسة مشروع النظام المقترح ولا زال المشروع تحت أنظار المراجع العليا بالدولة لمزيد من الدراسة والتمحيص ووضع اللمسات الأخيرة له، حيث ينتظر صدروه في وقت قريب إن شاء الله .

ويتضمن مشروع النظام معايير أخرى للرقابة اقتضتها الظروف المعاصرة بما يحمي أمن الدولة وقواتها المسلحة ونظامها العام كما يضع الحلول لمواجهة المشاكل التي تبرز بين حين وآخر والتي لا يسعف النظام الحالي في مواجهتها.

ثانياً: الجهاز الوظيفي المسؤول عن رقابة المطبوعات الناطقة باللغة العربية:

يتكون الجهاز الوظيفي المسئول عن الرقابة العربية المديرية وفروعها ومكاتبها من 50 فرداً جميعهم سعوديون باستثناء متعاقد واحد – وهم موزعون جغرافياً على النحو التالي:

18           بالرياض

14           بجدة

3            بمكة المكرمة

5            بالمدينة

5            بالدمام

4            بحالة عمار

1            بالحديث

50           المجموع

 كم يبدو بعيداً جداً ذلك اليوم!.. أعني يوم الثامن من شوال عام 1326هـ (نوفمبر عام 1908م) حين صدرت، في الحجاز، أول صحيفة عرفتها البلاد، وكان أسمها بالفعل “حجاز”! .. إنه بعد جداً ذلك اليوم.. بعيد بحجم عدد السنوات التي تفصلنا عنه، كما أنه بعيد.. بعيد.. بحجم التطور الكمي والنوعي، المادي والموضوعي، الذي طرأ على وسائل الاتصال، وأدوات الإعلام حسبما نشاهدها في بلادنا هذا اليوم.

تسع وسبعون سنة هي المسافة الأفقية، لكن الهرم المقلوب في المسافة الرأسية يحتشد بالعديد من المفاجآت والانجازات التي تجعل الإعلامي السعودي يقف مزهواً أمام نظرائه في البلدان الأخرى التي واتاها القدر نفسه من الفرص، لا بل إنه قد يختال قليلاً، فيزعم صدقاً وفعلاً أنه قد تجاوز نحو الأبهى والأمكن.

كم يبدو بعيداً جداً ذلك اليوم!.. يوم كان إنساننا لا يدرك تماماً معنى تلك الأوراق التي كانت تتداولها النخبة، أو نخبة النخبة، فيقرون فيها كلاماً لا يدري تماماً.. تماماً.. ما المراد منه!، وما هي أهدافه، وما حجم خطورته وأهميته. وذلك لم يكن لنقص في مقوماته الإنسانية بحيث يمكن أن يؤاخذ عليه، أو أن يحاكم مستقبله على ضوئه. فالإنسان هناك في تلك “البقعة” البعيدة من التاريخ كان غنياً بإيمانه، وبموروثه التاريخي العظيم، لكن الوعي الاجتماعي العام كان هو الذي يعاني من أصابه بالغة تأخذ بنحره وبصدره وتصك عليه فضاءه من الخط إلى الخط. تلك الإصابة! “كان” أسمها الجهل، فصحوته الفكرية والعلمية الاجتماعية جاءت متأخرة أكثر مما يجب.

ومراجعة بسيطة لعمق العلاقة التي تربطنا بأدوات الحضارة الحديثة ستجعلنا نعترف بأننا دنونا من المائدة في حذر شديد، وأننا اقتربنا منها في وقت متأخرة فالحذر كان يستحثه الخوف من المغامرة نفسها، أما الحضور المتأخر فقد كان يعرقله تلك الإصابة الدامية التي أسميناها – قبل قليل – بالجهل.

إن علاقة الإنسان السعودي – أيها السادة – بالأداة الإعلامية كانت علاقة مضطربة وغير أصيلة، بل ربما كانت قسرية، وليست على رباط قوي بوجدانه أو طموحاته، فالمطبعة الأولى التي رآها في حياته كانت مطبعة “تركية” أنشئت في مكة المكرمة عام 1300هـ/1882م أو 1883م وهي المطبعة الميرية. والصحيفة الأولى التي طالعها – إن كان فعلاً قد طالعها – كان نصفها عربياً ركيكاً مرتبكاً، بل ومكتوباً بأيد تركية، أما نصفها الآخر فقد كان يعلن عن نفسه بصراحة ووضوح، إذ كان مكتوباً أصلاً باللغة التركية. كان ذلك في عام 1326هـ/1908م، ذلك العام البعيد الذي أذبلته المسافة الطويلة من السنين، والذي ضاءله التراكم الجم في الوعي الجماعي الأشمل.

الجريدة كان أسمها “حجاز”، وكانت رسمية، أسبوعية، تصدر في أربع صفحات: الصفحتان الأولى والرابعة باللغة العربية والثانية والثالثة باللغة التركية. ويقول أحد المؤرخين الذين اهتموا بتلك الفترة: أن “حجاز لم تنجح في تطوير وسائلها الفنية، أو اتخاذ طريقة أكثر حيوية وجودة في كتابة التعليقات والتحقيقات الصحفية، وأن من أبرز عيوبها هو أنه قد حرر معظم ما فيها من مواد بأسلوب ركيك تكثر فيه الأخطاء اللغوية والنحوية” . فالمحررون – كما يلاح المؤرخ – كانوا أتراكاً!.

وقد ظهرت بعد “حجاز” صحيفة أخرى أسمها “شمس الحقيقة”، وهي جريدة غير رسمية، كان ذلك عام 1327هـ/1909م وهي تصف نفسها بأنها” جريدة وطنية يومية سياسية علمية تجارية انتقادية فكاهية، تنشر مرة في الأسبوع مؤقتاً، وكانت هي الأخرى تصدر باللغتين العربية والتركية، لكن القسم التركي كان يصدر في طبعة مستقلة سميت “شمس حققت”، ويؤكد بعض المؤرخين أنها انقطعت عن الصدور بعد، بعضة أشهر من ظهورها. ويقول مؤرخ آخر عنها وعن جريدة حجاز: ليس لهما أي أثر صحفي في البلاد، وإنما تذكران دوماً بكونهما مبدأ تاريخ الصحف والصحافة بمكة المكرمة.

وقد صدرت بعد هاتين الصحيفتين صحف أخرى مثل: “الإصلاح الحجازي” و”صفا الحجاز” و”الرقيب” و”المدينة المنورة”. ويقول أحد المتابعين للحركة الصحفية في تلك المرحلة: لم يكن لهذه الصحف أية قيمة أدبية، أو سياسية، أو أي أثر في تكوين الوعي، أو توجيه الفكر.

كم يبدو بعيداً ذلك اليوم.. بعيداً بحجم السنين.. وبعيداً بحجم الطموح الذي يفعم الوجدان السعودي هذا اليوم! هذه الساعة! إن الواقعة التاريخية هي التي جعلت لذلك اليوم هذا القدر من الاهتمام، وكم يبدو مثيراً أن نعيد الآن في هذا الزمان وفي هذا المكان، قراءة تلك الواقعة!.

تلك الواقعة نفسها التي تقول إنه بعد أن “قضي الشريف حسين على الحكم التركي بمكة المكرمة في 10 يوليو 1916م، وبعد خمسة أسابيع من هذا التاريخ صدرت جريدة “القبلة” وكانت أولى صحف العهد الهاشمي” ثم صدرت بعدها ثلاث صحف أخرى هي: الحجاز. الفلاح، بريد الحجا، ومجلة واحدة هي مجلة مدرسة جرول الزراعية، ويؤكد بعض المؤرخين أن الصحافة “قد تطورت في هذه الحقبة من حيث شكلها ومضمونها، واتسمت أساليب تحريرها بالوضوح والجزالة، لكنها ظلت تنطق بلسان الحسين، ولم تكن لها أية اهتمامات فكرية أو اجتماعية. كما أن المرحلة نفسها قد “تميزت بالكثير من التفاعلات الداخلية والخارجية عقد انحسار المد العثماني، واستغراق المنطقة في سبات عميق من الجهل والتخلف إلا من ظواهر طفيفة لبروز الروح الوطنية لدى بعض قادة الفكر ورجال القلم.

 الوجدان الوطني والوعي الجماعي الأشمل

لقد صدرت خلال العهد العثماني سبع صحف وفي العهد الهاشمي خمس صحف أي خلال ستة عشر عاماً تقريباً، لكن البداية الحقيقية للحصافة في بلادنا – كما يرى بعض المؤرخين – كانت في 1343هـ 1924م حيث تميزت حياة هذه البلاد منذ ذلك التاريخ بالاستقرار الاستمرار، ونأت بنفسها عن كثير من التفاعلات الداخلية والخارجية التي كانت ستؤدي حتماً إلى عرقلتها وإلى الاشتغالبغير ما هو أهم، وما هو أهم كان “الوحدة الوطنية”، وكان البناء الداخلي في البلاد. لقد هيأ الاستقرار الجديد مزيداً من التنامي الحقيقي للوجدان الوطني العام، ومزيداً من الرقي والازدهار للوعي الجماعي الأشمل، وإذا كان هناك من يقسم تاريخ الصحافة في العهد السعودي إلى مرحلتين ويرى أن المرحلة الأولى تنتهي في عام 1383هـ-1964م فإن هذه المرحلة تبدو – واقعاً – زاخرة بإصدار ثمان وأربعين دورية خلال أربعين سنة تقريباً، وهذا هو المؤشر الأول إلى الحقيقة الحضارية والتاريخية الجديدتين مقارنة بالعهدين اللذين سبقا (العثمان والهاشمي).

ولكن تلك المرحلة الأولى – لاسيما في سنواتها الأولى – كانت لازالت تعاني من الإصابة الدامية القديمة، وهي الجهل، فهنا ندرة المدارس، وهنا ضعف وسائل التعليم، وهنا محدودية توجهاته. والناس لما يفرغوا بعد من ترتيب شئون البيت الواحد الذي كبر واتسع في هذه الجزيرة التي كانت من قبل مشتتة، تتوزعها الفتن في الداخل، وتنهشها الأطماع من كل جانب في الخارج. لقد كانت الإضاءة الأولى هي جريدة “أم القرى” إذ آذن صدور هذه الصحفية ينذر “بدء عهد صحفي جديد اتسم بالاستمرار والاستقرار” ويلاحظ أن “أم القرى” قد “قامت بدور مهم في رعاية الحركة الأدبية (والفكرية) وإنعاشها” ثم جاءت بعد أم القرى جريدتان أخريان هما “صوت الحجاز، والمدينة المنورة، وثلاث مجلات هي: “الإصلاح” و”المنهل” و”النداء الإسلامي”.

 ليكن هناك نور

كم يبدو بعيداً ذلك اليوم هو الآخر!.. بعيداً بحجم الثقة الجديدة في المواطن الجديد، وبعيداً بحجم الرهان الذي قبلناه في مضمار الحضارة المعاصرة! لقد بدأ يتشكل منذ تلك الإشراقة وعي اجتماعي نابه، ولقد أخذ الإنسان السعودي يحدد مواقفه من الحياة، والأشياء بوضوح أشمل، فأمامه عدة أهداف غالية وثمينة ليس أهونها: التقدم، أو الإسهام الحقيقي في الحضارة البشرية المعاصرة. فهذا الإنسان لم ينس لحظة واحدة أنه صاحب تاريخ، وصاحب ميراث إنساني باهر، وعليه تقع مسؤولية دينية ضخمة هي خدمة الحرمين الشريفين وحراسة الأماكن المقدسة. ومن هذه الخطيو تكامل وعيه الإعلامي الجديد فاتخذ صحافة كان لبد أن يكون شعارها “ليكن هناك نور” في عالم أصبح الإعلام فيه هو “السيد الأول” وهو العامل المباشر في تشكي الصياغات النهائية لتفكير الناس وعواطفهم ومواقفهم. إن مسؤولياته التاريخية في هذا العالم تحتم عليه أن يطور وسائل اتصاله وأدوات إعلامه، وهذا ما كان!وإن مهماته الحضارية والاجتماعية لتدفعه إلى أن يؤكد في سلوكياته أن الصحافيين “هم خدم عموميون غير رسميين هدفهم الأولى العمل على رقي المجتمع”. فأعاد تنظيم صفوفه في المرحلة الثانية من العهد السعودي وهي مرحلة نظام المؤسسات الصحفية، والتي حجبت وراءها مرحلة صحافة الأفراد. فصدر النظام الجديد للصحافة في العامل 1383هـ، وقد جاء فيه البيان الذي أذاعته وزارة الإعلام بهذه المناسبة مانصه وقد لاحظت الجهات المسؤولة في حكومة صاحب الجلالة (الملك فيصل) أن صحافتنا الوطنية قد أخت تلعب دوراً هاماً في توجيه الرأي لدى المواطنين، كما تبين لها على ضوء تجاربها المستمرة أن انفراد شخص واحد أو شخصين بالحصول على امتياز الجريدة وحريرها دون الاستعانة بعدد من المواطنين من ذوي التجارب والقدرة على الإدارة والتوجيه أمر لا يخلو من المساوئ، كما أنه لا يتيح للصحيفة فرصة إدارتها وتوجيهها من قبل مجموعة مختارة من المواطنين القادرين، بل غالباً ما تكون الجريدة وسيلة للتعبير عن رأي صاحب امتيازها ورئيس تحريرها في كثير من القضايا الهامة، لذلك فإن الدولة استمراراً منها في سياستها الهادفة إلى النهوض بمستوى صحافتنا إلى المستوى اللائق الرفيع وتمكينها من أداء دورها المثمر في توجيه الرأي العام وتوجيهاً يحقق الغاية من وجودها، فقد رأت أن تعزز كيانها، وتعهد بامتياز الصحف والمجلات الصادرة في البلاد إلى مجموعة ووجود منظم يأخذ شكل المؤسسة الأهلية أو الشركة الأهلية دون أن يكون للدولة أي ارتباط بها إلا بما تمليه المصلحة العامة وفي حدود ما يفضي به النظام، وكان صدور نظام المؤسسات الصحفية إيذانا ً بوعي إعلامي مسؤول ومتكامل فالصحيفة لا يتحكم في مواقفها وتوجهاتها شخص واحد هو صاحب الامتياز بل هناك مجموعة المؤسسين الذين ينص النظام على ضرورة إسهامهم في توجيه تحرير الجريدة (المادة 10 من النظام) وأن يكون ذلك التوجيه بأغلبية ثلثي “جميع” الأعضاء (المادة11). لا بل لقد نص النظام (مادة 29) على لجنة إشراف على التحرير من المؤسسين وتكون مهمتهم مراقبة سير تحرير الصحيف. والصحيفة لم تعد مشروعاً استثمارياً يجعل همه الأرباح والمكاسب المادية وتصاعدها مهملاً الغايات الوطنية العليا التي يجب أن تضطلع بها الصحيفة فالمادة (5) من النظام أوضحت هذه النقطة وحددتها، فيجوز للمؤسسة أن تحقق أرباحاً معقولة، ولكن شرط أن لا يتعارض ذلك مع غاية وجودها، كما لا بد من “إعداد الدخل اللازم لتطوير الصحف التي منحت المؤسسة امتياز إصدارها”.

مؤسسات وتنمية وطنية

 إن ما يفضي إليه فحوى هذا النظام من نتائج هو بداية مسار جديد للصحافة السعودية، ولابد هنا أن تكون المسؤوليات أكثر وضوحاً، وهي تنتهي – في النتيجة – عند الاستهام الفاعل والمؤثر في التنمية الوطنية والاجتماعية والثقافية في البلاد، وليس غير.

وقد تكونت أثر هذا التحول الجديد ثماني مؤسسات صحفية كبرى تصدر سبع صحف يومية صباحية، وجريدة يومية مسائية، وثلاث مجلات أسبوعية، وثلاث صحف يومية باللغة الإنجليزية. ولم يشمل نظام المؤسسات ما يصدر عن أجهزة الدولة ومصالحها، أو الدوريات العلمية، وبعض الدوريات الثقافية التي يصدرها الأفراد مثل مجلة “المنهل” أو مجلة “العرب” للعلامة الشيخ حمد الجاسر، ويورد أحد المهتمين بالتاريخ الصحفي لتلك المرحلة هذه المعلومة المدهشة، وهي أنه قد صدرت خلال هذه المرحلة الثانية من مراحل تاريخ الإعلام السعودي مائة وإحدى وستون دورية. وحسب آخر إحصائية حصلنا عليها من الإدارة العامة للمطبوعات فقد اتضح أنه تصدر اليوم في المملكة العربية السعودية تسعون دورية ما بين صحف يومية، ومجلات عامة، ودوريات علمية وتجارية في مختلف الفنون والاهتمامات. ويشترك في إصدار هذه الدوريات إلى جانب المؤسسات الصحفية: “الوزارات والمصالح الحكومية، الهيئات شبه الحكومية، الهيئات والمنظمات المستقبلة، الغرف التجارية، المؤسسات والشركات” وكما هو واضح فقد “تميزت هذه المرحلة بظاهرتين بارزتين هما: الزيادة الملحوظة في إعداد الدوريات، وتنوع الفئات”. وهذا يعني أمرين هامين: الأول: إن الاستقرار المستمر الذي تعيشه البلاد قد هيأ في هدوء وطمأنينة – لمثل هذه الولادات المعرفية المشرقة، وقد تركزت في شكل شركات صحفية كبرى، أو دور أخرى، تدرك – جميعاً – مسؤوليتها الجسيمة في توجيه الرأي العام، وإثراء الفكر، وتغذية الوجدان الوطني والقومي والإسلامي. الثاني: أن المؤسسات التعليمية الحديثة والتقليدية في البلاد قد آتت أكلها، وأن المجتمع السعودي لم يعد ذلك المجتمع الذي يعز في التفتيش بين أفراده عمن يفك الحرف، أو عمن يكتب عقد مبايعة، أو رسالة ركيكة للأهل البعيدين. ففي البلاد اليوم رقم كبير جداً من المدارس الإتبدائية والمتوسطة والثانوية، وفيها رقم هائل من المعاهد العلمية والمهنية ومراكز التدريب والتأهيل الفني، وفيها سبع جامعات، واحدة منها فقط (وهي جامعة الملك سعودي بالرياض) كان عدد طلابها عند افتتاحا أقل من عشرين طالباً وهي تضم اليوم حوالي خمسة وثلاثين ألف طالب. ومجموعة المنخرطين في سلك التعليم في مراحله المختلفة من التلاميذ يزيد عن المليونين. هذا عدا الآلاف من الذين تلقوا تعليمهم خارج البلاد، وعدا الذين أكلموا دراستهم وانخرطوا في الحياة العملية مشكلين الكوادر السعودية الفاعلة والنشطة، أو الجيل السعودي الجديد الذين يحمل الآن على عاتقه مسؤولية التنمية الوطنية الشاملة في بلاده.

إن هذا الوعي الجماعي الجديد هو الذي أرهص بميلاد هذه النتاجات الإعلامية الكبرى التي تتميز عن المراحل السابقة في كل شي:

ففي اليوم الذي هللنا فيه لوجود بضع عدد من المطابع في البلاد تقول بعض الإحصائيات الجديدة إن بالمملكة العربية السعودية اليوم حوالي ألف وثلاثمائة مطبعة ومعظمها يحتوي على أفضل ما توصلت إليه التقنيات المعاصرة في فن الطباعة في العالم. وفي اليوم الذي كانت تحتفل فيه الدورية بتوزيع بضع مئات فقط من نسخها هناك اليوم بين الصحف السعودية من يفوق توزيعها المائة ألف نسخة في اليوم الواحد.

وفي اليوم الذي كان فيه الصحفي السعودي يقف في الصفوف الخلفية في فعاليات الأداء الإعلامي في بلاده نجده اليوم هو الذي يتولى بنفسه صناعة إعلامه، وصناعة صحافته. فهو الذي يتابع الحديث، وهو الذي يصنع الرأي، وهو الذي يتخذ المواقف، وهو الذي يحدد التوجهات، ودائماً باستقلالية تميزه، وبحسب ما تمليه عليه أخلاقيات الفريدة ومصالحه الوطنية العليا. فإلى جانب صحفي الخبرة، الذي صقلته التجربة، وصنعه المراس، هناك التأهيل الأكاديمي الراقي الذي تتولاه ثلاثة أقسام للإعلام المتقدم في ثلاث جامعات سعودية هي جامعة الملك سعود بالرياض، وجامعة الملك عبدالعزيز بجده، وجامعة أم القرى بمكة المكرمة وهذا إضافة إلى كلية مستقلة “الدعوة والإعلام” في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.

 الأداء وحرية التعبير

إن هذا التشكل الجديد للإعلام السعودي يدفع المتابع أو الباحث إلى تحبير بعض الملاحظات وإبرازها بالشكل الذي يعكس الصورة الحقيقية والمنصفة للأداء الإعلامي في بلد يتمتع بكل هذا الثقل الديني والتاريخي والحضاري، فالتطور الكمي في عدد المطابع وعدد الصحف والدوريات والمطبوعات مؤشر هام وحيوي على النمو الثقافي والتطور الإعلامي، ولكن طبيعة الأداء، وملامح اللغة الإعلامية في تلك الدوريات والمطبوعات، هي الأخرى على جانبها الكبير جداً من الأهمية في الإشارة إلى القيم الموضوعية للطروحات المتداولة، وإلى حيوية التناول في المسائل التي تهم المجتمع الجديد. إننا نصدر اليوم مطبوعات على أرقى ما تكون صناعة المطبوعات – تقنياً – من تقدم ورقي، وهنا قد يقول البعض أن هذا هو المحصلة الطبيعية للتطور المادي الذي عم جميع أوجه النهضة في البلاد، فيبرز على التو سؤال: ولكن ماذا عن نوعية الأداء نفسه، ولغته، وأخلاقياته؟ والإجابة على هذا السؤال لا أن تنقسم إلى شقين، الشق الأول: ويتعلق بالأنظمة التي تحدد مسار الرسالة الإعلامية في البلاد، أما الشق الثاني: فيتعلق بالإنسان الصحفي نفسه فهو الذي يصنع الرسالة الإعلامية، ويبدعها، ويتابعها حتى تحقق نتائجها المرجوة  وحين نتحدث عن هذين الشقين: فإنه يرد إلى الذهن حالاً ثلاثة أنواع من الأنظمة التي ترسم الطريق المطلوب أمام الإعلامي المسؤول في بلد له مسؤوليات المملكة العربية السعودية والتزاماتها الحضارية والتاريخية والدينية. وتلك الأنظمة هي:

1)    نظام المؤسسات الصحفية.

2)    نظام المطبوعات والنشر.

3)    السياسة الإعلامية.

وقبل أن يقول قائل: إن تعدد الأنظمة يعني كثرة القيود، وإن كثرة القيود تعني الحد من حرية التعبير، وإن الحد من حرية التعبير يعني تعطيل أحد الأدوار الرئيسة للصحافة والإعلام بشكل عام. قبل أن يقول أحد بهذا القول نشير إلى ما نصت عليه المادة (24) من نظام المطبوعات والنشر في هذا الصدد حيث تقول بوضوح تام: “حرية التعبير عن الرأي بمختلف وسائل النشر مكفولة” ولكن المادة تعود فتحدد مجال هذه الحرية ومساحتها كحتمية اجتماعية مرتبطة بثقافة البلاد ومعتقداتها ومورثاتها. فتقول: ولكن “في نطاق الأحكام الشرعية والنظامية ولا تخضع الصحف للرقابة إلا في الظروف الاستثنائية التي يقررها مجلس الوزراء”،  إن العبارة السابقة تستثني من الحرية المكفولة في التعبير ما يمكن أن يسئ إلى العقيدة أو يخدش الشعور الديني للمسلمين، ونظام المطبوعات يلتقي في هذه النقطة مع “السياسة الإعلامية” التي تؤكد في مادتها السادسة والعشرين على أن “حرية التعبير في وسائل الإعلام مكفولة ضمن الأهداف والقيم الإسلامية الوطنية التي يتوخاها الإعلام السعودي.

كما نلاحظ أن نظام المطبوعات في مادته السالفة الذكر يذكر استثناءً آخر ويشمل كل ما يخالف الأنظمة والقوانين، وهذه أمور لأخيار للدولة نفسها في التأكيد عليها، والهدف البعيد هو حماية أمن المواطن نفسه. فهذا المواطن لا يقبل بما يجرح مشاعره الدينية أو يخدشها، وهذا المواطن نفسه لا يرضي إلا أن تحترم حقوقه الإنسانية التي تحميها الأنظمة والقوانين التي يجب أن لا تكون مجالاً للتحدي أو الانتهاك في مختلف وجوهما. ومثل هذه المعاني تشير إليها مادتان أخريان في نظام المطبوعات فالمادة (23) تقول: “يجب أن يكون من أهداف الصحف المحلية الدعوة إلى الدين الحنيف، ومكارم الأخلاق، والإرشاد والتوعية لكل ما فيه الخير والتقدم والصلاح.

والمادة (33) تعطي الحق لوزارة الإعلام “باتلاف أي عدد من أية صحيفة صادرة في المملكة وبدون تعويض إذا تضمن ما يمس الشعور الديني أو يعكر الأمن أو يخالف الآداب العامة أو النظام العام”.

الأنظمة والقوانين إنما تؤخذ استقراء من طبيعة حياة الناس، ومن فحوى أعرافهم ومعتقداتهم بحيث تكون متوازية تماماً مع نفسياتهم وعواطفهم، ومع ما يحقق لهم الأمان والاطمئنان، ويضمن لمدخراتهم وموروثاتهم السلامة والصون. والإنسان السعودي صاحب معتقد. وصاحب ميراث حضاري وأخلاقي، وهو لا يقبل لأي كان بأن ينتهك هذه الأشياء أو يسئ إليها من قريب أو بعيد. والأنظمة إنما جاءت متجاوبة مع هذه الحقيقة، ومع هذا الواقع، وهي لا تستطيع أن تكون على غير ذلك. حتى لو أراد لها أحد غير ذلك. فلو كانت حرية التعبير – نظاماً – مطلقة فإن الإنسان السعودي نفسه سيقف في وجه كل من يتحدى معتقداته أو يخدش أخلاقياته. والمادة (6) من النظام نفهس تقول: يحظر طبع أية مطبوعة تكون مخلة بالنظام أو الآداب العامة في المملكة، أما المادة (7) فهي تتضمن بعض التفصيلات للمعاني التي تكررت أكثر من مرة في المواد التي أسلفت ذكرها، فهي تحدد من جديد المساحة التي يجب أن يتحرك في إطارها الإعلامي أو الكاتب أو الناشر ويمكن تلخيص مضمون أهداف فقراتها في الخطوط الأربعة التالية:

1)  مال يخالف أصلاً وشرعاً، أو يمس قداسة الإسلام وشريعته السمحة أو يخدش الآداب العامة أو يفضي إلى الدعوة للمبادئ الهادة، وكل ما من شأنه تحبيذ الإجرام.

2)  تجنب ل ما يؤدي إلى زعزعة الطمأنينة بين العامة، أو بث التفرقة بين المواطنين، وكل ما يحض على الاعتداء على الغير، أو يتضمن القدح أو التشهير بالإفراد أو الابتزاز بتهديد أي شخص – طبيعي أو معنوي – بنشر أي سر بقصد إرغامه على دفع عوض عيني أو معنوي، أو لإجباره على تقديم منفعة للفاعل أو لغيره، أو لحرمانه من ممارسة أي حق من حقوق المشروعة.

3)  الابتعاد عن كل ما ينافي أمن الدولة ونظامها العام، والتقارير والأخبار التي لها مساس بسلامة القوات المسلحة العربية السعودية وكل ما من شأنه تعريض أفراد القوات المسلحة أو أسلحتها أو عتادها للخطر.

4)  عدم التعرض لكل ما يمس كرامة رؤساء الدول، أو رؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمدين في المملكة، أو ما يسئ إلى العلاقات مع تلك الدول.

والمادة (13) من النظام نفسه تمد ذراعها إلى المطبوعات الواردة من الخارج فتكيفها بحسب المناخ المهيأ في الداخل إذ تقول: “ويجب أن تخلو المطبوعات الواردة من الخارج من أي من المحظورات المنصوص عليها في هذا النظام” وكأن الهدف العام دائماً – وكما قلنا سابقاً – هو حماية المواطن السعودي مما يخدش مشاعره وأحاسيسه، وحماية مدخرات هذا المواطن الحضارية، وموروثاته التاريخية ومعتقداته الدينية، فهذا التزام من الدولة لحراسة الثغور في الخارج، وتهذيب الإنتاج في الداخل. في زمان أصبح الإنسان فيه في مواجهة الكثير من التحديات والكثير من الإغراءات، والكثير من الاستدراجات والعالم اليوم كما يقول خبراء الاتصالات تحول إلى “قرية إليكترونية صغيرة” كل شيء فيها مكشوف، وكل شيء فيها مكشوف، وكل شيء فيها يغري بالمحاولة والتجريب، ولابد أن يجاهد الشعب صاحب الحضارة المميزة من أجل يحتفظ استقلاله، ومن أجل أن يبقى على تميزه، وإلا فإنه سيضيع، أو يذوب في هذا المحيط الهائل من الحضارة الغربية، المتداخلة، المتآكلة، أو الحضارة المائعة التي اختلطت فيها الألوان والخطوط، وأحجام الإضاءات.

وهذا هو – تماماً – ما يفكر فيه المواطن السعودي الحقيقي، والدولة بحسب ما ورد في الخطوط الأربعة السابقة تريد أن تجيب المواطن على هواجسه ، فلا أحد ينتهك حريته، أو حرمته، أو وقار دينه، أو حقوقه الإنسانية، أو استقلال بلاده، وقوتها وعزتها ومنعتها، وهي بعد هذا كله، ولكي يتحقق له الأمن والاستقرار، والتكريس على التنمية الداخلية، تريد أن تحتفظ بعلاقات نقية ونظيفة مع الدول الصديقة فذلك أدعى للهدوء، وأوجب للتفاهم والتعاون، وتبادل الخبرات، ورعاية المصالح المشتركة وصيانتها.

 الإسلام.. أيدلوجية حتمية للإعلام

إن النظام الثاني وهو “السياسة الإعلامية” إنما يهدف في النهاية إلى تحقيق هذه النتائج نفسها والت تصب جميعاً في رفاهية المواطن وحمايته وصيانة مدخراته وموروثاته، والسياسة الإعلامية هي أعلى نظام إعلامي في المملكة يحدد الاتجاهات العامة لوسائل الاتصال الجماهيرية عموماً. فحرية الإعلامي السعودي مكفولة دائماً ولكن شرط أن لا تستغل من بعض الأفراد أو الفئات فيما يسبب أضرار للمواطن أو كيانه، أو حضارته، أو عقيدته، وليس هناك بلد في الدنيا يخلو من المنحرفين أو المارقين أو الطائشين أو الجهلة أو المغرر بهم، وهؤلاء جميعاً لإمكان لهم في الإعلام السعودي على الإطلاق وعلى النظام أن يحمي الناس من هؤلاء، وأن يحد الغايات المثلى التي يجب أن يصل إليها الأداء الإعلامي في بلد مسؤول أمام الله –سبحانه وتعالى – وأمام التاريخ البشري كله. لكل هذا جاءت السياسة الإعلامية كما يقول سمو الأمير نايف بن عبدالعزيز (رئيس المجلس الأعلى للإعلام)، في مقدمة “السياسة الإعلامية”: “استجابة لمتطلبات المجتمع الحضارية” وفي هذا تأكيد على المحرك الذي يقف وراء مثل هذه الأنظمة، وهو هنا – ودائماً – المواطن أو المجتمع حسب تعبير سمو الأمير نايف، الذي يعود فيقول: إن هذه السياسة “تنبثق من الإسلام وتلتزم به، ويستمد معانيها من شريعته، وتستند في قوتها ومتانتها على الفكر الإسلامي الواعي والضمير الإنساني الحي، والانتماء الوطني الصادق، وهو يؤكد هنا تلك الركيزة الأولى التي تلح عليها جميع الأنظمة السعودية، والتي لا تقبل المساومة أو التنازل، وهي الركيزة الدينية، الركيزة نفسها التي وردت في الخط الأول من خطوط “نظام المطبوعات والنشر” الصادر في عام 1402هـ كملمح رئيسي من ملامحه. تلك الركيزة التي لا فكاك منها دائماً ومنذ صدور أول نظام مطبوعات في المملكة في عام 1347هـ 1926م. كما أن المادة الأولى في السياسة الإعلامية تؤكد عليها بما نصه: “التزام الإعلام السعودي بالإسلام في كل ما يصدر عنه، ويحافظ على عقيدة سلف هذه الأمة ويستبعد من وسائله جميعها كل ما يناقض شريعة الله التي شرعها للناس” ثم تدعو السياسة الإعلامية في موادها التالية” الثانية، والثالثة، والحادية والعشرين، والثانية والعشرين” إلى ما يؤدي – في النهاية – إلى تأكيد هذه القيمة فتوجب أن “يعمل الإعلام السعودي على مناهضة التيارات الهدامة، والاتجاهات الإلحادية والفلسفات المعادية ومحاولات صرف المسلمين عن عقيدتهم. ويؤكد الإعلام السعودي على أن الدعوة إلى الله قائمة دائماً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولذلك فهو يقوم بأداء نصيبه في هذا الواجب” وكذلك الواجب الآخر وهو “الدعوة إلى تضامن العرب، وتعاونهم والدفاع عن قضاياهم، فهذا جزء واضح ومهم من مسؤوليات السعوديين التاريخية ودورهم الذي يجب أن يلعبوه في العالم الإسلامي ، وعلى وسائل الإعلام نفسها أن “تدأب على خدمة المجتمع، وذلك عن طريق تأصيل قيمة الإسلامية الثمينة وترسيخ تقاليده العربية الكريمة والحفاظ على عاداته الخيرة الموروثة” وهذه مسؤولية داخلية تلتقي معها غايات نظام “المطبوعات والنشر” التي ألمحنا إليها سابقاً في الخط الأول من الخطوط التي يجب أن يتحرك ضمنها الإعلامي السعودي. أما الخط الثاني الذي يرسمه نظام المطبوعات فيجد نفسه في المادة السادسة من السياسة الإعلامية. والتي تقول: “تقوم وسائل الإعلام بتوثيق روابط الحب والتآذر بين أفراد الشعب السعودي”، وهذا يفهم منه أيضاً استبعاد كل ما يؤدي إلى زعزعة الطمأنينة بين الناس، أو بث التفرقة بين المواطنين. وتقول المادة الرابعة والشعرون: “يؤكد الإعلام السعودي على احترام حقوق الأفراد فيما يخصهم وحقوق الجماعات فيما يعمها”، وتدعو المادة الخامسة والعشرون الإعلام السعودي إلى الابتعاد عن “المبالغات والمهاترات وأن يقدر بعمق شرف الكلمة، ووجوب صياناتها من العبث، وأن يرتفع عن كل ما من شأنه أن يثير الضغائن ويوقظ الفتن والأحقاد”.

أما الخطان الثالث والرابع فيلتقيان مع السياسة الإعلامية في المادة الرابعة: التي تقول: “تعمل وسائل الإعلام على خدمة سياسة المملكة القائمة على صيانة المصالح العليا للمواطنين خاصة والعرب والمسلمين عامة” ويفهم من هذا أيضاً استبعاد كل ما ينافي أمن الدولة ونظامها العام، وكل ما يمس علاقاتها مع الدول الصديقة أو يؤثر على طبيعة التفاهم والتعاون المؤديين إلى تحقيق العديد من المصالح المشتركة.

وبعد هذا كله فلقد ظل المواطن هو هدف هذه الأنظمة وهو مادتها الأولى، وقد نضيف في هذا الاتجاه – بشكل مجمل – بعض مادعت إليه السياسة الإعلامية وهو مما يصب في هذه القناة نفسها. لقد دعت تلك السياسة إلى الاهتمام بالأسرة، والطفل، والمرأة والشباب، كما دعت إلى ضرورة محاربة الأمية، ونوهت بالدور التثقيفي الذي يجب أن تضطلع به وسائل الإعلام، كما دعت إلى تشجيع الباحثين والعلماء والمفكرين، ورعاية المواهب، وتشجيع الندوات والمؤتمرات العلمية ودور النشر.

 الحرية المسؤولة وحرية المزايدات

إن الصحافة السعودية ضمن هذه الهوية الحضارية والفكرية والأيدلوجية الفريدة، وضمن هذه المساحة من الحرية المسؤولة في الحركة، وفي التعبير، قد استطاعت أن تتميز عن يرها في لغتها، وفي روحها، وفي نوعية طروحاتها، وفي أدائها الاجتماعي بشكل عام.

إن الحرية الممنوحة للصحافة السعودية هي حرية منضبطة وليست عبثية، حرية مدركة وذات غاية وليست فوضوية، حرية تنموية هادفة وليست حرية مزايدات أو مكاسب آنية، فالوقت كان ثميناً ، والرهان كان صعباً وقاسياً، ولا مجال للعبث، أو الفوضى، أو المزايدات. فكثير من الحريات في بعض البلدان إنما تحولت إلى معامل نشطة لتفريخ الفتن، والاضرارات، واختلاط المفاهيم، وتعطيل القدرات، وتمييع المصالح الوطنية العليا، أو إهمالها والمساومة عليها. وأنا أعرف أن مثل هذا الكلام قد لا يعجب البعض ولكن رأسي يزدحم الآن بعدد ضخم من الأمثلة لبلدان فقدت توازنها، أو أهدرت طاقاتها، أو ظلت حبلى بتفاعلات شرسة انفجرت أو بقيت قابلة للإنفجار وكل ذلك بدعوى حريات كرتونية غير واعية ولا مسؤولة.

الحرية مسؤولية ضخمة يحاكمها الوطن، ويحاسب عليها التاريخ، والحرية وعي متقدم، وإدراك لتنظيم عد هائل من الأوليات في الذهن وفي السلوك وفي الممارسات الحضارية، والصحافة السعودية تدرك كل هذا، ولذلك فقد اتخذت من الأنظمة مساعدا على الانضباط، ومشعلاً يهدي إلى هذه الطريق النقية الحرية المتزنة، والمزانة بمحبة الوطن، وبالولاء لتراثينا الحضاري والفكري والديني. ولهذا فإنه يشهد لها بأنها:

داخلياً: استطاعت أن تسهم بوعي في حركة التنمية الشاملة في البلاد، والوسائل المدية لمثل هذا الغرض معروفة للجميع، فهي تبدأ بالمشاركة في حركة التثقيف والتنوير وتبصير الرأي العام، وتنتهي بالمساهمة الفاعلة والمؤثرة في تحديد مسارات دواليب التنمية ودرجة حركتها، وسرعة دورانها. وهي في كل هذه الأحوال لا تخلو من نقد، ولا تخلو من طروحات إضافية أو حلول بديلة. كما لا تخلو من محاكمات صريحة ومخلصة لكل ما يستوجب المراجعة، أو التصحيح، أو إعادة ترتيب الحسابات، مستقطبة – من أجل ذلك جميع فئات إلا نتلجنسيا السعودية التي تشعر دائماً أن الحوار النظيف سمة حضارية، وواجب وطني تحتمه المصلحة العليا للبلاد. ولقد تمكنت الصحافة السعودية من أن تحقق بالفعل ذلك الشعار القديم ليكن هناك نور، فكانت عونا قوياً وفعالاً للأجهزة المعنية بالبناء. فهي تقدم الرأي، وهي تناقش القرار، وهي أحياناً تحاكم التجربة.

عربياً وإسلامياً: ظلت الصحافة السعودية تحتضن الهموم القائمة، وتفتح قلبها وعينيها على الجروح الماثلة في الجسد المثخن للأمتين العربية والإسلامية، فهي تعتبر تلك الهموم هموماً لها، وترى أن تلك الجروح إنما تنزف من أ؛شائها.

فالقضايا العربية والإسلامية هي قضاياها والمصير الواحد المشترك هو مصيرها. التنمية في مصر أو السودان أو المغرب العربي هي مسألتها، والمصالحة السورية الأردنية أو السورية العراقية، أو الليبية التونسية، أو المغربية الجزئارية هي همها وطموحها، والفتنة في لبنان هي أرقها، والحرب في الخليج هي وجعها، واجتياح أفغانستان هو غضبها، وأوضاع المسلمين في الفلبين أو روسيا أو الصين الشعبية هي مشكلتها.

إن الصحافة السعودية تقدر الدور الذي يقوم به نظامها أو حكومتها بثقلها السياسي والاقتصادي، وتقدر المسؤوليات التي يلقيها عليها موقعها الديني والتاريخي والجغرافي من العالمين العربي والإسلامي، ولهذا فهي تعتبر اهتمامها بهذا الجانب حتمية حضارية وتاريخية لا فكاك منها. وعليه فإن الحضور العربي والإسلامي في الصحافة السعودية هو الدائم والماثل والسائد. وهنا يرد إلى الذهن فحوى المادة العشرين من السياسة الإعلامية والتي ترى ضرورة أن “تعمل وسائل الإعلام السعودية على توثيق أواصر الإخاء والتآزر والتضامن بين المسلمين.”

دولياً: ظلت الصحافة السعودية على مقربة شديدة مما يشغل العالم من أحداث، فهي تعتبر أن بلدها والبلدان العربية والإسلامية جزء من الكيان البشري الشامل، يؤثر فيه ويتأثر به، ولا يمكن – حتى لو أردنا – أن نكون في منأى عن المخاطر التي تهدد ذلك الكيان، ولا يمكن أن ثغيب – بالمقابل – عن المكاسب العلمية أو الاقتصادية أو الحضارية التي يحققها الإنسان على أي جزء من سطح المعمورة، كما أنه تربط بلداننا ببقية شعوب الأرض اتفاقات، ومبادلات، ومصالح سياسية وعسكرية وإستراتيجية مشتركة. وهذا العالم لا يخلو من أصدقاء لنا يجب الحفاظ عليهم، كما أنه لا يخلو من أعداء يجب الاستعداد لمواجهتهم. فالصحافة السعودية في كل الأحوال – ظلت تطل على العالم من هذه النافذة الواسعة، فهي تهتم بصراع القوى الدولية الكبرى لأن بلداننا لن تنجو منه، وهي تعني بتطور مباحثات الحد من الأسلحة النووية لأن شعوبنا لن تكون في منأى عنه، وهي تتابع الانتخابات في فرنسا وبريطانيا وإيطاليا لأن قضايانا ستتأثر بالنتائج على أي الوجوه جاءت. وهي تراقب بقلق الغزل الإسرائيلي للشعوب الأفريقية لأنها تعرف أن في ذلك هزائم جديدة للعرب، وهي تترصد أخبار بترول بحر الشمال، وحركة “وول استريت”، ومشاغبات بورصة لندن، وأسعار الذهب في اليابان، واضطراب الدولار، وصعود المارك، لا،ها تدرك أن كل ذلك له مساس بنا وبمصالحنا الاقتصادية والتنموية، وهي قبل هذا وبعده جزء من الإعلام السعودي الذي ترى السياسة الإعلامية ضرورة أن يتجه في صلاته الخارجية وجهة إنسانية، تقوم على احترام الإنسان بأن يعيش في حرية على أرضه، ويستنكر كل اعتداء من أي نوع يقع على حقوق الشعوب والأفراد، ومكافحة الأطماع التوسعية، والوقوف بجانب الحق والعدل والسلام ومناهضة الظلم والتفرقة العنصرية.

 صحافة ودولة

إن الصحافة السعودية الحديثة تتابع هذه المهمات بإمكانات مادية وبشرية نستطيع أن نقول – دون خيلاء – إنها لا تتوفر للكثير من نظيراتها في الدول ذات الأوضاع والفرص الشبيهة بأوضاعنا وفرصنا. فإلى جانب الوسائل التقليدية في الحصول على المعلومات الحديثة من أجزاء العالم (وهي وكالات الأنباء العربية والعالمية) والتي تشترك فيها – جميعاً – كل الصحف السعودية، فإن العديد من الصحف السعودية قد افتتحت لها مكاتب مجهزة في الكثير من العواصم العربية والعالمية الكبرى: مثل القاهرة، وتونس، وباريس، ولندن، وواشطن. هذا إلى جانب العديد من المراسلين المعتمدين والمتعاونين في أنحاء مختلفة من العالم، والهدف هو مواكبة الحدث، ولكن أيضاً محاولة كل صحيفة في أن تحقق من خلال مكاتبها ومراسليها الخاصين سبقاً أو تميزاً عن رصيفاتها تراه شرطاً لتفردها في عيون قرائها ومتابعيها، وهي تعتقد على حق أنه من وسائلها للحفاظ عليهم أو حتى اجتذاب آخرين غيرهم، والنتيجة – في النهاية – أن تلك الصحف تكمل بعضها البعض في تقديم صورة شاملة مكتملة لما يدور في بلداننا وبلدان العالم أجمع من أحداث وانجازات وتفاعلات.

ولأن الدولة تدرك جسامة المهمات التي تضطلع بها الصحف في إعلام الناس وتوعيتهم، ولأنها تقدر أهمية الدور الذي تلعبه على مستوى الرأي العام في التثقيف والتوجيه، وإرشاد التنمية، وتوضيح السياسات وإبراز المكتسبات، والتأثير على صناعة القرارات، والدفاع عن المصالح الوطنية الخاصة والقضايا العربية والإسلامية العامة، فقد ظلت – أي الدولة – تسندها، وتأخذ بيدها، وتقدم لها العديد من ألوان المساعدات والمعونات التي تهدف في النهاية إلى تمكينها من أداء واجباتها على خير وجه مطلوب، وأتذكر الآن حين صدور نظام المؤسسات الصحفية عام 1383هـ (أي قبل أربعة وعشرين عاماً) أن النظام نفسه قد أعطى تصوراً طموحاً يومذاك لجهاز الجريدة اليومية، وذلك في المادة (31)، فحدد ذلك الجهاز بأحد عشر شخصاً فقط: رئيس تحرير، وأربعة محررين، ومترجمان، ومصور فوتغرافي، وثلاثة مراسلين. أن هذا الجهاز بعدده المتواضع هذا، قد يقل عن جهاز مكتب واحد من المكاتب الفرعية لبعض الصحف اليوم، وإن بعض المؤسسات الصحفية يزيد عدد مندوبيها الآن عن خمسائة شخص ما بين محررين وإداريين وأجهزة للتوزيع والإعلام.

إن من أهم ما تقدمه الدولة للصحف من معونات خلال هذه السنوات من عمرها، والتي بلغت في نهايتها هذا المستوى من الاتساع والتطور يمكن إجماله فيما يلي:

1)                       أنشأت الدولة وكالة أنباء وطنية هي “وكالة الأنباء السعودية” وذلك في 25/11/1390هـ 23/يناير/1971م، وهي تقدم منذ ذلك التاريخ جميع ألوان الخدمات المنتظرة منها للصحف السعودية مجاناً.

2)                       تمنح الدولة إعانات سنوية للمؤسسات الصحفية والجرائد والمجلات، فلكل جريدة يومية مليون ريال في السنة، وكل مجلة ستمائة ألف ريال في السنة أيضاً، وقد بلغ عدد الإصدارات التي منحت إعانات في 1406/1407هـ أثنين وعشرين إصداراً ما بين جريدة يومية ومجلة.

3)                       تمنح الدولة إعانات إصدار (للإصدارات الجديدة) وهي تصل إلى مليون ريال ولا تقل عن الخمسمائة ألف ريال للإصدار الواحد.

4)                       منحت الدولة المؤسسات الصحفية أراض واسعة لإقامة مقراتها ومبانيها عليها، وبعض هذه المؤسسات استلمت بالفعل الأراضي المخصصة لها، ولا تقل مساحة كل أرض عن سبعة آلاف متر مربع مجاناً.

5)                       منحت الدولة قروضاً للمؤسسات الصحفية لمساعدتها في بناء مقراتها، وتحديث مطابعها، أو لحيازتها أحدث أجهزة الاستقبال، ومن المعروف أن الدولة لا تتقاضى اية فوائد عن هذه القروض.

6)                       تتحمل الدولة نفقات نقل الصحف على الخطوط السعودية، والبريد من الداخل إلى الداخل، ومن الخارج إلى الخارج، كما تنقلها على شركات الطيران الأخرى في البلدان التي لا تصلها طائرات الخطوط السعودية.

7)                       تشترك الدولة بأعداد كبيرة في الصحف والمجلات للموظفين، كما تعمل على تأمين جريدة ومجلة لكل مبتعث سعودي في الخارج.

8)                       في عام 1399هـ صدر قرار مجلس الوزراء بأن تتحمل الدولة جميع نفقات تدريب الصحفيين الذين يوفدون لهذا الغض إلى الخارج.

9)                       إن قراءة أخرى لهذه الأناع من المعونات تضعنا أمام عدد من الغايات التي تهدف إليها الدولة، ومنها:

أولاً: الحرص على أن تبدو هذه الإصدارات في أوضاع مشرفة من حيث المباني والمقرات واستخدام الآليات الحديثة لتنسجم مع مظاهر النهضة الأخرى في البلاد وليساعدها ذلك على التهيؤ لتقديم خدمات إعلامية أفضل.

ثانياً: الحرص على أن تستطيع تلك الإصدارات إيصال رسالتها الإعلامية للناس بأيسر السبل وأحدث الطرق وأفضلها.

ثالثاً: الحرص على أن تصل الرسالة الإعلامية في وجوهها المختلفة إلى أكبر عدد ممكن من المواطنين، ولهذا كانت اشتراكات الدولة لموظفيها وللطلاب المبتعثين في الخارج.

رابعاً: الحرص على انتشار الصحافة السعودية وتواجدها خارج البلاد، ولهذا جاء تحمل نفقات التنقل.

خامساً: الحرص على اكتساب الخبرة الصحفية وتحديثها، وتطوير قدرات الصحفي السعودي، وجعله في مواكبة مستمرة لكل جديد في عالم الاتصالات، ولهذا كان تحمل الدولة لنفقات التدريب في الخارج وتشجيعها عليه (مع أن المؤسسات الصحفية لم تفد بعد من هذه الميزة بالشكل المرجو والمطلوب مع الأسف).

إن حرص الدولة على أن تكون الصحف السعودية في أوضاع مشرقة ومريحة لتتمكن من الوفاء بواجباتها أمر يزيد في استحثاث الشعور لدى القائمين على المؤسسات الصحفية بأن يكونوا عند سمو هذه التقدير، لاسيما حين يتذكر هؤلاء أن تلك الأنواع من المعونات ليست معونات “إنقاذية” إن صح هذا التعبير. فأوضاع المؤسسات الصحفية المادية، في ذاتها، تعتبر في الأغلب الأعم أوضاعاً مريحة، لا بل إن هناك مؤسسات تحقق أرباحاً تعد كبيرة بمعايير المكاسب المعتادة في النتاجات الثقافية أو حتى معايير المكاسب في الاستثمارات الاقتصادية الأخرى. فأغلب هذه المؤسسات الصحفية لا تمر سنة واحدة عليها دون أن يتوزع أعضاؤها المؤسسون نسباً معتبرة من الأرباح. وتحديداً لعل ارتفاع تلك النسب الموزعة هو الموضوع الحيوي للجدل الشديد الذي يدور اليوم في الوسط الصحفي السعودي بين مناصري الاستمرار في التطوير، وبين غيرهم. فالأولون يرون تخفيض تلك النسب الموزعة إلى مستوى “معقول” وتوجيه الباقي إلى تطوير الأجهزة وزيادة الإمكانات المادية والبشرية في الصحف. أما الآخرون فيرون خلاف ذلك.

 الإعلان ووعي الاستهلاك

إن المصدر الرئيسي لتلك الأرباح التي تحققها المؤسسات الصحفية هو – كما تعلمون – الإعلان التجاري. والحديث عن الإعلان يجر إلى تناول تطور مستوى الوعي الإعلاني في المملكة وارتباطه بالنهوض الاقتصادي والصناعي والتجاري الذي عرفته البلاد. فلا زلنا نذكر أو نسمع عن تلك الأيام التي كانت تخرج فيها الصحيفة مرصعة بالمقالات والقصائد الشعرية، لكنها تخو تماماً من الإعلان ولاشك أن وللسبب الاقتصادي تأثيره، فلم تكن هناك صناعة، ولم تكن هناك تجارة مزدهرة. ولقد كان الإعلان يقف في آخر قائمة اهتمامات الناشر والمتلقي والتاجر، فالناشر يصدر عن مثالية غير مبررة، ربما رأى أن الإعلان وسيلة من الوسائل الدنيا في الابتزاز فيترفع بمطبوعته عنه، أو أنه على الأقل لا يجري وراءه. والمتلقي ربما نظر إلى الإعلان إلى أنه طريقة من طرق الضحك على الذقون، وربما الغش والتزييف، هذا فضلاً عن أن الحياة الاستهلاكية نفسها لم تكن بذلك المستوى من التنوع وتعدد الإغراءات. فالخيارات المطروحة أمام المستهلك في حياته المعيشية اليومية وفي مأكله وملبسه ووسائل راحته، هي خيارات محدوده وضيقة ولا تصلح لأن تكون مادة للدعاية، بل أنها ليست على مستوى من التعدد بحيث تكون موضوعاً ثرياً لإعلان منافس.

إن التطور الاقتصادي في البلاد، أسهم في خلق صناعات وطنية، ودفع الحركة التجارية إلى الانفتاح على العالم كله. وهذا هيأ لميلاد جيل من “رجال الاعمال”. الذين يديرون أعمالهم وصناعاتهم وتجارتهم بتفكير حديث، وبالتالي فهم يدركون تماماً جميع الوسائل والطرق الفعالة للتسويق واستقطاب اهتمام المستهلكين. وهذا يعني أن التطور الاقتصادي نفهس جعل السوق السعودية فضاء رحباً وميسراً لكل الخيارات الاستهلاكية الموجودة في العالم. وهنا كان لابد أن يدرك المستهلك السعودي أهمية الإعلان ودوره في التوعية الاستهلاكية بأخلاقياتها الصحيحة. وهنا أيضاً كان  لابد أن يدرك الناشر السعودي “الخدمة” المطلوبة التي يجب أن يقدمها التاجر أو الصانع من جهة وللمستهلك من جهة أخرى، فيفتح نافذته على مصدر من أهم المصادر المالية لتموين مطبوعته، والعمل على تطويرها، وإمدادها بكل ما تحتاجه من تقنيات وإمكانات من شأنها أن تساعدها –  في الهدف القريب والبعيد – على الاضطلاع بمهماتها والأساسية في الإعلام والتوجيه والتثقيف.

إن كل هذا قد دفع إلى خلق مناخ خصب للإعلان المنافس، فكانت المنافسة بين “رجال الأعمال” وكانت المنافسة أيضاً بين الناشرين وحدث بالتالي ازدهار مذهل للإعلان الذي تحول إلى “فن” له أساليبه، وله لغته، وله أشكاله المثيرة المتعددة. أما الشركات الدولية فقد تسابقت إلى العبور إلى المستهلك السعودي عن قناة الإعلان وظلت تعتبر أن السوق السعودية هي السوق العربية الأولى التي يجب التركيز عليها ولابد من الحضور القوي والدائم فيها.

إن اهتمامنا بالوعي الإعلاني في المملكة هو جزء من اهتمامنا بالتطور الصحفي نفسه، ليس من ناحية مادية فقط، ولكن من ناحية مهنية أيضاً، فالإعلان اليوم هو جزئ راسخ في الرسالة الإعلانية نفسها، ولفرط الاهتمام به فقد عمل المهتمون به – ومنهم الإعلاميون – على تطعيمه بالأبحاث العلمية والسيكلوجية والفسيولوجية والتحليلات النفسية، ومعرفة كل الغرائز والميول الفطرية عند الإنسان. ولقد أصبح الإعلان في بعض البلدان مقتصراً على الترويح للسلع والصناعات وإنما تجاوز ذلك إلى استخدامه في الحملات الانتخابية. ولقد ظل “الإعلان” في الصحافة السعودية ملتزماً بالأخلاقيات والمبادئ، والنظم نفسها التي تحكم الأداء الإعلامي في عمومه. لابل أنه ينأى عن الترويج لكل ما هو ضار، أو غير نافع، هذا فضلاً عما ينافي الدين والأخلاق العامة.

أجل لقد ذهب عهد “الدلالات” واختفى “فرقنا” من شوارع المملكة، ولم نعد نرى العربات التي تجوب الأزقة بصفوف من العطور والإكسسوارات والألبسة الجاهزة، فقد دخلت المملكة بحجمها الكامل إلى عصر السوبر ماركت أو “الأسواق المركزية”، التي تنتشر في جميع الأحياء، والتاجر اليوم هو في الغالب شركات كبرى ومحاسبون قانونيون، وخبراء في التسويق وفنونه المختلفة. أما المستهلك فقد تغيرت صورته، فهو لم يعد ذلك الإنسان البسيط الذي لا يعرف سوى خباز واحد، أو بائع لحم واحد، والذي تطهي وجبته على الدافرو أو الحطب أو الفحم، لقد تبدل هذا الإنسان إذا وجد نفسه فجأة أمام أنماط مثيرة من الحياة، وأمام أشكال مختلفة من الإغراءات الاستهلاكية في المأكل والمشرب والملبس وفي أنواع التسهيلات الميسرة له ابتداء من التليفون وانتهاء بالطائرة التي تنقله في مناسبات مختلفة إلى أية بقعة في العالم فيشاهد، ويجرب، ويحتشد خياله بالعديد من الخيارات التي يسعى إلى إشباعها مادام في إمكانه أن يفعل. ومن هذه الزوايا اقتحم فن “الإعلان” مضمار حياة المواطن الجديد. وهكذا تكونت في المملكة حتى هذا اليوم حوالي (700 مؤسسة للدعاية والإعلان ما بين فردية وشركات كبرى) وجميعها تمارس هذا الفن الجديد كل بحسب الإمكانات المتاحة لها. وهي تشكل في مجالها كما أسلفنا جزءاً من وسائل التوعية، وفناً من فنون الإعلام الأقرب إلى الصحافة نفسها.

 ألف دورية وقارئ

إن المواطن الجديد يدرك أن المداخلة الحقيقية في هذه المرحلة من تاريخ العالم إنما يستأثر بها الإعلام في أشكاله المتعددة، ولهذا فهو يقبل على هذا الواقع بحذر واع، ولكن أيضاً بنهم شديد.

ولم يعد مثيراً للدهشة أن نقول بأن عدد الدوريات التي يجدها في متناول يديه في المكتبات السعودية ومراكز البيع يفوق عدد الألف دورية في مختلف الفنون والاهتمامات، وبجميع لغات العالم الحية. وهي تصل إليه يومياً أسبوعياً وشهرياً من مختلف أرجاء الكرة الأرضية. ولعل السوق السعودية تعتبر بحق من أهم الأسواق العربية لاستهلاك مثل هذه الدوريات ونفادها وتداولها.

لقد توارت تلك الأيام التي كان المتلقي السعودي لا يكاد يتوافر بين يديه من الدوريات سوى العدد القليل.. القليل من الصحف المصرية، أو اللبنانية، والتي لا تصل إليه إلا بعد فترة من صدورها، فتفقد وهجها الحدثي، ولا يبقى فيها مما يمكن قراءته سوى بعض المواد الثابتة من الكتابات الأدبية أو العلمية.

 الصحفي السعودي.. وخيار الشرف

إن هذا الوعي الإعلامي السريع والمتحفز يدفع إلى أن يحاول المراقب رسم خطوط أولى لشكل القارئ، ومثلها لشكل الإعلامي أو الصحفي نفسه. فالقارئ هو هذا المدعو إلى المائدة الحافلة، والذي بدأ يكتسب القدرة على التمييز والاختيار والمحاكمة والإدانة، والصحفي هو هذا الإنسان المدعو إلى تحدٍ شرس مع أنواع المعروضات الإعلامية في السوق، ومع هذا القارئ الذي تعددت أمامه الخيارات والتي لا تخلو – في معظمها – من إغراءاتها وتحدياتها الذاتية. إن مثل هذا اواقع – على خلاف ما يظن البعض – سيفضي في النهاية إلى مستوى مفرح من الوعي المنافس، والإبداع، والتكفير المستقل. ولكن الذي يهمنا دائماً هو أن طبيعة التربية السعودية من أشانها أن تؤدي – بتوفيق الله – إلى خلق فرد مميز بأخلاقياته، وبمعتقداته، وباحترامه لحضارته، ولعلاقاته الإنسانية، والصحفي السعودي يعرف هذا في قارئه، وهذا الأخير – بين الأنماط التي يتعامل معها في قراءاته – يعطي للصحفي السعودي إقراره بحيازته على تلك القيم. إن المناخ الاجتماعي والثقافي والفكري الذي يتحرك خلاله الصحفي السعودي والذي حاولنا تحديد بعض ملامحه فيما سبق من هذه المحاضرة لا يتيح في عمومه أمام الإعلامي السعودي سوى خيار واحد هو خيار الشرف، حيث لم يضطره أي ظرف خاص أو عام إلى المساومة على كرامته، أو على مبادئه، أو على قيم المهنة نفسها فالطريق أمامه تبدو هكذا:

1-     حياة كريمة.. لم يلجئه عكسها إلى البحث عن بدائل غير نزيهة، أو التفكير في تنازلات تال شرف المهنة أو كرامتها.

2-     بنية نفسية وخلقية متينة أدى إلى تعزيزها قوة إيمانه بربه، وبدينه، وبالحتمية الحضارية والتاريخية لوطنه.

3-     خط تفكيري واضح، ولغة نقية شريفة جلتها الأنظمة والسياسة الإعلامية التي وضعت الإطار لمواطن مسؤول مسؤولية أخلاقي وروحية وحضارية.

4-     ثقة عريضة في مقوماته الاجتماعية، وموروثاته، ومكتسباته الوطنية. والصحفي السعودي مهما بدا في بعض صوره على خلاف ذلك (أو شيء منه) إلا أنه حين يشعر بأي تحد حقيقي لأساسياته ما يلبث أن يتلف حول نفسه ليبعث في داخله قيمته الأولى كإنسان صاحب رسالة في تاريخ البشرية الممتد. وهو يجسد كل ذلك فيما يكتب وفيما يقدم للناس من معلومات وأفكار. ولهذا فإنه من الممكن القول بأن الإعلامي السعودي مريح جداً في تعامله، مأمون في عواقبه، موثوق في آرائه ومواقفه.

 التصور السعودي للصحفي ولمنسوبي المهنة

وإذا عدنا إلى قراءة أخرى للأطر التنظيمية التي تسهم في رسم هوية الأداء الصحفي في المملكة نجد أن تلك الأطر تفصح بنقاء عن تصورها الموضوعي للأشخاص الذين يريدون أن يكونوا على علاقة قريبة أو بعيدة بالمهنة، فنظام المؤسسات الصحفية يرى في الفقرة (ج) من المادة (9) أن من شروط عضوية المؤسسة الصحفية أن يكون العضو “حسن السيرة والسلوك، وأن لا يكون ق وقع عليه حد شرعي، أو صدر ضده قرار إداري تأديبي إن التأكيد على صفاء الآلة الصحفية في هذا المستوى الجاد يعني إدراك المسؤولين و واضعي الأنظمة لأهمية تحقيق مثل هذا الواقع الأبهى والأجمل. فبرغم البعد النسبي للعضو المؤسس عن الصحيفة كصناعة يومية أو أسبوعية، وكانتاج وتأثير، كعلاقة بالجمهور، إلا أن النظرة المتسامية لهذه المهنة ولوظيفتها المجتمعية، من حيث دقتها وحاسميتها، كان لابد أن تستبعد من مجالها أي عنصر تتعلق بسلوكه أو بسمعته أية شائبة أخلاقية أو نحوها. ولتعميق أهمية مثل هذا الاشتراط في  العضو (المؤسس) تجدر الإشارة إلى أنه – هو نفسه – قد يكون في يوم ما رئيساً للتحرير “منتخباً” أو مختاراً من بين الأعضاء كما تنص على ذلك المادة (24) من النظام. وهنا تبرز لزومية ذلك الشرط بشكل أوضح، فرئيس التحرير هو الأماكن والأقرب في تحديد نوعية علاقة المطبوعة بالمهور. ولهذا فلابد أن تكون الشروط المتوفرة فيه أكثر دقة، وأبلغ شدة. ثم يضيف النظام شرطاً أخلاقياً آخر في العضو المؤسس ليجنبه المساس بشرف المهنة أو النيل من كرامتها، إذ تقول المادة (11) “لا يجوز لأي عضو في المؤسسة أن يستفيد من عضويته للتأثير على رئيس التحرير أو المحررين تأثيراً يستخدم من ورائه تحقيق مكسب أدبي أو مادي” فموضوعية التناول ونزاهته، ونظافته هي قوام المطبوعة أصلاً، وهي أساس مصداقيتها، وهي العنصر الأول في ضمان مشروعية آرائها ومواقفها. وحين تتحول المطبوعة إلى نشرة أنانية تهدف إلى تحقيق انتصارات فردية، أو مكاسب شخصية ضيقة، أو رغبات آنية ضئيلة، فإنها بذلك لم تعد صحافة حقيقية، أو أنها – على الأقل – صحافة لا تصلح لنا، ولا تتناسب – بأي وجه من الوجوه – مع تصوراتنا لوظيفة الإعلام المثلى. ونفهم أيضاً أن المادة السابقة ليس المقصود بها عضو المؤسسة فقط، ولكنها تحمل “رسالة” أهم، هدفها العاملين في الصحيفة أنفسهم، إذ يتعين عليهم عدم الرضوخ، مهما كان الأمر، لأية ضغوط – من داخل المؤسسة أو من خارجها – تستهدف إفساد مهمتهم الحقيقية أو تعطيلها، كما يجب أن يدكوا أن الصحافة لم توجد من أجل الوصول إلى غايات فردية، أدبية أو مادية، فإذا انحرفت هذه المهنة إلى مثل هذه الغايات فإن في ذلك إلغاء للشعار البهي الذي يسير تحت لوائه كل صحفي نظيف منصف، وهو “ليكن هناك نور”. كما أن فيه تناقضاً مع السياق الأخلاقي للمواطن المسلم عامة، وللإعلامي السعودي خاصة. وهذا الإعلامي الذي يريد نظام المطبوعات والنشر” هو الآخر أن يعهد عما يمكن أن يدنس مهنته أو ينحرف بها عن أهدافها الوطنية إلى الانقياد – ربما! – وراء مغريات غير شريفة، فالفقرة (أ) من المادة (35) من ذلك النظام تحظر “على أية مطبوعة وعلى العاملين فيها قبول أية منفعة أو معونة مادية من الجهات الأجنبية من داخل المملكة أو خارجها، سواء كان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة فكأن النصر يسترجع في داخله صورتين مفروضتين لنوعين من الصحفيين، الأول: ذلك النوع المبتز الذي يسخر قلمه ومطبوعته لابتزاز الأفراد أو المؤسسات أو الأنظمة، فيهدد، ويتوعد، وربما يهاجم ويسب، ويشتم ويكذبن ويختلق، ويفتعل، بغرض الحصول على مال، أو رشوة، أو أي نوع من أنواع “الترضية” الأخرى. والثاني: ذلك النوع الحرباوي المدلس والمنافق الذي يمدح أحداً بما ليس فيه، فيهول، ويبالغ، ويغالي في الحب، ولا يقول كلمة الحق لوجه الحق، ولا يدفع الباطل لأنه باطل، بل يفعل كل ذلك بغرض الحصول على ما يطمح إليه من هدايا أو عطايا أو هبات. وكلا النوعين غير مأمونين في أعمالهم، أو في كتاباتهم، أو في سلامة مواقفهم ونزاهتها وثباتها.   فالذمة آخر ما يفكرون فيه، والأخلاق ليس لها في قواميسهم أي مضمون أو معنى أو دلالة. والعالم كله يعج بأمثال هؤلاء، وهم – بحكم مسؤولياتهم وتأثيرهم المباشر على الرأي العام – يخلقون الاضطرابات، ويتسببون في الفتن – بتربيته، الاجتماعية، وثقافته الدينية والأخلاقية، ولكن الأنظمة – كاستقراء موضوعي لكل تلك القيم – تريد أن تقطع الطريق على قبول أية معونة أجنبية مباشرة و غير مباشر، حتى لو لم تبلغ المساومة إلى التنازل عن المواقف التي يؤمن بها، أو المصالح الوطنية التي يضطلع بالدفاع عنها. إن هذه المهنة في التصور الشريف يجب أن تنأى عن مواطن الشبهة حتى لو لم يقع المحظور نفسه، وإن الصحفي المؤمن برسالته وبحساسيتها يجب أن لا تتدخل في تفكيره وطريقة فهمه للأمور والظواهر أية مؤثرات، غير ما يؤمن به هو وغير ما يعتقد أنه الحق، وأنه لا يناقض سياقه الفكري أو الوطني.

 وأخيراً

إن الجرائد اليومية العشر، وإن الثمانين دورية الأخرى التي تصدر في المملكة العربية السعودية، هي – دون شك – ظاهرة تقدمية وحضارية تستحق التأمل والمتابعة. ولكن هذا الرقم الكبير من الإصدارات يصبح بلا معنى، وبلا قيمة، وبلا دور، وبلا هدف، إبذا ما تناقض – كله أو بعضه – مع الوظائف المجتمعية والتنموية المنتظرة منه، تلك الوظائف المستقرأة من تاريخ الأمة ومن طموحاتها الصميمية، ومن عقائدها وآدابها العامة. إن كل ذلك الكم من الأوراق يظل بلاد جدوى حيوية، وبال تأثير إيجابي إذا ما تعارض مع المضامين الفكرية للناس، وإذا ما قابل موروثاتهم، وإذ ما خرج على أنساق مكتسباتهم الحضارية وسياقاتها الطليعية. لا بل إنه في مثل هذه الأحوال سيكون عبئاً على النهضة، ومعرقلاً لها، ومعطلاً لإيجابياتها، فهو سيضعف استقلالها، وسيوهن ثقتها في مقدراتها ومقوماتها الذاتية وبعبارة أخرى فإنه ربما كان تشوهاً يجب التخلص منه، ومرضاً لابد من علاجه، وعواً تتحتم محاربته.

وماذا كان يهمكم في شيء لو تحدثنا عن تلك الإصدارات كإنجازات مادية؟ وماذا كان يعنيكم من قريب أو من بعيد لو عددناها مجردة من القيم التي تحكمها، ومن الوعي الذي يحفزها، ومن المسؤولية التي تستحثها، ومن الأخلاق التي تؤطرها وتزينها؟

ماذا تعني تلك الإصدارت (أو ذلكم الكم من الأوراق) دون تحديد نوعية الإنسان الذي يقودها، ويبدعها، ويوجهها، ويصنع مادتها، ويودع فيها قلبه وروحه وفكره وعواطفه.

إن الإصدار هو الإنسان الذي يقف وراءه، بقيمة، وبأخلاقه، وبثقافته، وبحسه المجتمعي، وبهاجسه النهضوي الدائم المتقد.

إن الإصدار هو الإنعكاس الصحيح لذلك الإنسان بكامل هيئتهن وبكل هيبته، ولقد حاولنا – فيما تقدم من حديثنا – أن نحدد بعض ملامح هوية الأداء الصحفي من خلال الأطر التي تنتظمه، وان نضع خطوطاً أولي في “بورتريه” الصحفي السعودي، أو الإعلامي بوجه عام، من خلال الأنظمة والمبادئ والسياسات التي تواضع عليها.

لأن جميع تلك الأرقام من كميات الأوراق ليس لها أي ثقل ماظلت بدون هوة واضحة وما بقي صانعها لغزاً يحتاج إلى حل أو واقعاً مجهولاً يحتاج إلى كشف، أو سؤالاً غامضاً محيراً يبحث عن إجابة.

أما وقد تبدت ملامح الهوية، أما وقد تماثل أمامنا التصور السعودي للصحفي في منطوقة المثالي النظري، وفي حقيقته الواقعية التطبيقية فقد حق لنا أن نقول: إن تلك الإصدارات في حجمها العددي تعتبر إنجازاً كبيراً يستحق الوقوف ويستحق المساءلة.

وكم يبدو بعيداً ذلك اليوم.. أعني اليوم الذي صدرت فيه جريدة “حجاز” في العهد العثماني بلغة عربية ركيكة أو بلغة تركية مستعجمة.

كم يبدو وبعيداً ذلك اليوم .. أعني اليوم الذي صدرت فيه جريدة (القبلة) في العهد الهاشمي، وكانت بلا أية وظيفة مجتمعية، فهي لا تحمل سوى بلاغات الشريف حسين.

كم يبدو بعيداً ذلك اليوم أعني اليوم الذي صدرت فيه “أم القرى” وهي لا تحمل – في أغلبها سوى مقالات الأدب وقصائد الشعر ولم يكن بها اية تطلعات تنموية تستحق النظر.

إن ذلك يبدو بعيداً قياساً إلى جسامة إنجازنا اليوم، ومقارنة بحجم طموحنا للغد.

للغد القريب جداً.