د. فهد العرابي الحارثي

ليس من العدل أن توصف الدول التي لا تطبق النموذج الديمقراطي في الغرب، بأنها دول ديكتاتورية أو استبدادية، فتصرفٌ كهذا سيقصر –  مع الأسف – صفات العدل والحرية على منهج واحد في الحكم، وهو المنهج الديمقراطي الغربي. إن هذا يناقض بالفعل مبدأ العدل ذاته، ذلك العدل الذي ما يفتأ الفكر الديمقراطي الغربي، يعلن، في كل مناسبة، بأنه يستند إليه في توجهه العام. لعلنا نرى أن مبدأ العدل يجب أن يمتد ويتسع، ليطال التعامل الموضوعي مع التجارب الإنسانية الأخرى. وهذا أمر يلتقي أساساً مع فكرة جذرية في الخطابين السياسي والثقافي الغربيين، وهي فكرة احترام “الاختلاف” ودعم “التنوع” في الثقافات البشرية المتعددة، فتلك حقيقة تاريخية وحضارية لا يمكن القفز عليها، أو تجاوزها، إلا إذا كانت النية هي الوصول في النهاية إلى مسخ الآخرين، وإلى تجريدهم من خصوصياتهم، وإلى أن يُفرَضَ عليهم نماذج ثقافية، ذات قوة، أو ذات هيمنة، أو ذات حظوة إعلامية أو دعائية مؤكدة.

لقد ظلت دول كثيرة، في هذا العالم، مستبعدة أو منتبذة، من جنة العدل والحرية الغربيين، وذلك لمجرد أنها لم تأخذ بالنموذج الغربي في الحكم وإدارة شئون الناس، فلم يكن لدى الأجهزة الدعائية، في الغرب، الاستعداد الكافي أو الـمطلوب للالتفات إلى الخصوصيات الثقافية لتلك الدول، أو للنظر والتمعن والتفكر في تجاربها الخاصة، والمختلفة، بالضرورة، عن التجربة الديمقراطية في الغرب. ولعل بلادي (المملكة العربية السعودية) هي واحدة من الدول التي عانت من وطأة تلك المشكلة، فظلت تجربتها الخاصة في الشورى مغفلة من الاهتمام المطلوب، أو حتى من أي محاولة للفهم والتقويم، فهي تجربة تبدو مصادرة من الأساس، وليت الأمر اقتصر ذلك ولكنها تعرضه إلى بعض التجريح ولاسيما عند بعض الأجهزة الدعائية التي لا تلتزم دائماً بمنهجية دقيقة منصفة، أو بموضوعية مجردة ومحايدة كشرطين من الشروط الأولية للحكم على التجارب، أو لاتخاذ مواقف منصفة منها.

لقد تهيأ لي أن أشارك مؤخراً في “المؤتمر الدولي الحكومي للثقافة من أجل التنمية” وهو مؤتمر نظمته اليونسكو، في نهاية مارس الماضي، في مدينة ستوكهولم. وقد لاحظت أن جميع المشاركين في المؤتمر (عددهم يفوق الألفين) يؤكدون كلهم على ضرورة احترام الخصوصيات الثقافية للشعوب، بل لعل هذا الأمر بالذات كان هدفاً أساسياً من أهداف انعقاد المؤتمر نفسه. لقد أسعدني ذلك كثيراً لأن مثل الفكر الذي ساد مؤتمراً عالمياً بهذا الحجم، يحل، لا شك، جزءاً من مشكلتنا الدائمة مع البعض مـن القوى السياسية أو الدعائية غير العادلة في هذا العالم، ونعني تلك القوى التي لا تريد أن تعطينا حقنا في “الاختلاف”، وفي الحفاظ على خصوصيتنا، ومن ثمَّ الاستمرار في تنميتها.

 إن من شأن هذه اللقاءات الدولية أن تنمي الوعي لدى الناس، ولدى وسائط الاتصال، في العالم كله، بالتنوع البشري، وبضرورة احترامه، والمحافظة عليه. فهل يمكننا، بعد مؤتمر ستوكهولم المشار إليه، أن نظن بأننا نقف اليوم على بوابة عصر جديد، سيتسم  بالارتقاء بمستوى التفاهم بين الشعوب، ذلك التفاهم الذي يكون أساسه الاحترام، ويكون من أبرز نتائجه – بعد ذلك – التعاون من أجل الرخاء، ومن أجل السلام، ومن أجل الحرية؟!

مُنْطلِقاً من هذا الأساس الفكري والنفسي، ومستنداً إلى هذه البيئة الصحية الوشيكة للحوار، أجدني هنا مغتبطاً بالحديث إليكم عن تجربة بلادي في الشورى، وهي التجربة التي تعني في الفكر السياسي الإسلامي: المشاركة الفعلية في الحكم، وإدارة شئون الناس، وفق ضوابط قانونية وشرعية، تفرضها نظرة الإسلام نفسه إلى موقع الوحي ( الكتاب والسنة)، وموقع الحاكم، وموقع الشعب أو الأمة، من الآلة السياسية في المجتمع المسلم، أي المجتمع الذي اختار أن يكون النموذج الإسلامي هو نموذجه في الحكم.

ونقول ابتداءً بأن هذه الشورى، كما هو هدفها الذي ذكرناه أعلاه، لم تكن، ولن تكون، في أي يوم، خياراً للحاكم ، فيأخذ بها إن شاء، ويدعها متى شاء، بل إن الشورى واجبةٌ على الحاكم، وهو ملزم بالأخذ بأسبابها، وملزم بتفعيل آلياتها، لما في ذلك من امتثال واجب لما أمر الله به ، ولما في ذلك أيضاً من تأكيد لمصالح عامة للناس، ولما فيه من النأي بالحاكم عن الجور، وعن الاستبداد، وعن الانفراد بالرأي في الحكم، أو هو ما اتفق على تسميته، في كل مكان وزمان، بالديكتاتورية. والإلزام بممارسة الشورى، كأحد مقومات الحكم في الإسلام، مستمد من نصوص، صريحة وواضحة، في القرآن الكريم، يقول الله تعالى: “وشاورهم في الأمر”، ويقول عز وجل: “وأمرهم شورى بينهم”، ومن موقع القدسية المطلقة لنصوص القرآن الكريم، ومن موقع فوقية القرآن نفسه على الحاكم، ليس لهذا الأخير إلا أن يطبق كل ما ورد فيه، دون استثناء، ودون انتقاء، وهذا هو، بالفعل، ما تم الأخذ به، خصوصاً من لدن الحكومات الإسلامية التي تعاقبت سريعاً بعد وفاة صاحب الرسالة محمد r، بصور مختلفة.

وإذا كانت قد جاءت حكومات إسلامية أخرى عطلت الشورى، أو لم تأخذ بها فيما بعد، فتلك حجة على الحكومات نفسها، وليس على الشورى، من حيث إنها أساس أصيل من أسس الحكم في الإسلام.

هذا هو موقع الشورى من فلسفة الحكم، ومن ممارساته، في الإسلام. وهذا هو موقع الدستور الإسلامي أو النص المقدس (الكتاب والسنة) من حيث فوقيته على الحاكم، وعلى الشورى وعلى ما يمكن أن تخلص إليه من نتائج وقوانين. وهنا لابد أن ينساق الحديث إلى مظنة من مظان الاختلاف بين مصادر الحكم ومرجعياته في الإسلام، ومصادره ومرجعياته في غير الإسلام، وهي، في الحقيقة، مظنة جديرة بالتوقف والتأمل، نظراً لخصوصيتها، بل تفردها وتميزها. فدستور المسلمين -كما نعلم جميعاً- هو الكتاب والسنة، أي الوحي من الله عز وجل. فالقرآن هو نص كلام الله ، والسنة هي كلام رسول الله وأفعاله وهو لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يُوحى. وإذا كانت الأمم الأخرى، بناء عليه، تملك في أي مكان، وفي أي زمان، حق التغيير والتبديل، والحذف والإحلال، في دساتيرها، فإن أمة الإسلام لا تملك أبداً هذا الحق، ولا يجوز لها أن تمارسه، تحت أي ظرف من الظروف.

وهنا يجب أن ننبه إلى أن تقييد الحاكم المسلم بالوقوف عند الكتاب والسنة لا يعني أن الشريعة الإسلامية التي إليها يحتكم، وبها يحكم، ليس لها رأي فيما جد ويجد من قضايا في مختلف مناحي الحياة، لا: ليس هذا هو المقصود، فأحكام الفقه الإسلامي لم تقف عند الأحكام التي وردت بها النصوص التشريعية في القرآن والسنة، ولا عند الأحكام التي استنبطها الأئمة المجتهدون السابقون بل، إن لها معيناً لا ينضب، ومداداً لا ينفذ، وهي الطرق الاجتهادية التي مهدها الشرع الإسلامي للاستنباط والتقنين لكل ما يحدث من الوقائع التي لا نص فيها. وشروط الاجتهاد والمجتهدين فيما لا نص فيه معروفة وليس هنا مكان التفصيل فيها.

إن ذلك الموقع الرفيع الذي يتخذه الكتاب والسنة (فوق الحاكم، وفوق الناس، وفوق أي قوى سياسية أو غير سياسية) هو الذي يحقق لمشروع الحكم في الإسلام ما لم يتحقق لغيره من المشروعات الوضعية الأخرى، ولا سيما فيما يتعلق -مثلاً- بمسألة “الفصل بين السلطات” فالسلطة التشريعية في الإسلام اختص بها الوحي، وأقوال الرسول  r وأفعاله، فهي فوق الشورى، وفوق الحاكم، وفوق أجهزته التنفيذية، فلا يستطيع أحد من هؤلاء أن ينقضها، أو يعدلها، أو يستبدل غيرها بها. وهذا، كما قلنا، لا يتحقق في أي نظام وضعي آخر، حيث تتداخل السلطتان التشريعية والتنفيذية، إلى درجة أن الأغلبية الحزبية في البرلمان هي التي تحكم، وهي التي، في الوقت نفسه، تضع التشريعات، والقوانين، وتغيرها وتبدلها وتعطلها متى شاءت.

ولموقع الحاكم في هذا كله، وجه آخر، غير ما ذكرناه أخيراً، وهو أن الحاكم  لا يستطيع أن يحكم إلاّ إذا بايعه المسلمون بذلك، فهذه البيعة هي تفويض له بالحكم، وهي تفرض على المسلمين طاعته، فطاعته هنا واجبة، وهي لازمة لضمان الاستقرار للأمة والدولة.  ولكن البيعة، في الوقت ذاته، ليست مطلقة، بل هي مقيدة بامتثال الحاكم للكتاب والسنة ، وهما مصدرا التشريع الإسلامي، الذي، بطريقته، وبتصوراته الخاصة للعمل السياسي، يناهض الديكتاتورية، ويحارب الاستبداد، ويأمر بالعدل والمساواة والحرية. وعلى الحاكم إذا ما أراد استمرار البيعة له، أن يظل وفياً للكتاب والسنة، فلا ينكرهما، ولا يخرج عما جاء فيهما، وهو لو أنكرهما، أو اقترف كفراً بواحاً جاز الخروج عليه ” لا تنزع يداً من طاعـة إلا أن  ترى كفراً بواحاً عندك فيه من الله برهان ” كما صح الخبر عن الرسول r، وهو لو أمر بغير ما جاء في الكتاب والسنة، فأمر بمعصية لوجب عصيانه كما يقول الرسول r ” لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق” وقول الخليفة الأول للرسول “أطيعوني ما أطعت الله فيكم”.

فالبيعة للحاكم إذاً مقيدة بالكتاب والسنة. والحاكم، بالتالي، مقيد بحدود قانونية ودستورية، تضمنتها الشريعة الإسلامية التي هي فوقه، وفوق كل أجهزته، بل هي فوق الشورى نفسها، التي يجب أن تعمل في استحداث النظم ، وسن القوانين الجديدة ، بما لا يتناقض أو يتعارض مع ما جاء في القرآن، أو ما ورد في السنة المطهرة. وما دام الأمر كذلك، أي أن الشورى يجب أن تنطلق في أعمالها من إدراك عميق لكل هذه التوازنات الدستورية والقانونية، إن صح التعبير، فقد اشترط الإسلام في أهل الشورى أن يكونوا من “أهل الحل والعقد” أي من أهل العلم والخبرة والاختصاص، فالشورى بناء عليه، ليست مفتوحة لكل الناس، بل مقيدة بشرطها المذكور آنفاً.

إن عقد البيعة، الذي يفوض الحاكم بإدارة شئون الناس، لا يعني، إذاً، أن يقوم الحاكم بهذه المهمة وحده، بل لا بد له من أن يستعين بمن يتوخى فيهم الصلاح، والكفاءة العلمية، والخبرة، كما هو شرط أهل الشورى. ووجود هؤلاء إلى جانب الحاكم، كما سبق أن ألمحنا، ليس وجوداً يتم فقط لمجرد الاستجابة لشرط سياسي أو إداري إجرائي، يفرضـه تطور معين، وإنما هو يأتي امتثالاً لأوامر إلهية وواجبات دينـية، وأهل الشورى هنا، بصفاتهم المذكورة آنفاً، هم أحرى الناس بإبداء الرأي في شئون الدولة.  والحاكم حريٌّ به أن يأخذ بآرائهم (ممارسة برلمانية) وهو لهذا السبب جمعهم حوله.

إن شرط أهل الشورى، إذن، هو الذي يحصر الشورى في فئة من الناس الذين يجب أن يتوافر فيهم ذلك الشرط، ومن هنا جاءت فكرة اختيار الحاكم نفسه لهؤلاء -عبر الأجهزة أو القطاعات أو النشاطات المختلفة – ومن ثم تعيينهم.

إن شرط الشورى الإسلامية قد لا يتحقق عن طريق الانتخابات المعروفة، كما تطرحها التجربة الغربية المعاصرة؛ لأن المشاهد، في الكثير من التجارب الديمقراطية وفق النموذج الغربي، أنها قد تأتي بمن لا يتوافر فيهم شرط الشورى. والاعتراض هنا ليس على فكرة الانتخـابات مطلقة، وإنما الاعتراض هو على ما قد توصل إليه من نتائج، قد لا تتفق مع شرط الشورى. ولو افترضنا أن الانتخابات، في يوم ما، ستوصل إلى مجالس الشورى من يتوافر فيهم شرطها المهم، فلا نظن أن هناك من سيمنع ممارستها. فالنظر في تطوير آليات اختيار أعضاء مجلس الشورى أمر ممكن. فإذا طرحت الآراء والأفكار والوسائل التي من الممكن أن تحقق الغاية في تسهيل مهمة الحاكم أو ولي الأمر، في طريقة تجديد الدماء، وتغيير الوجوه والعقول، في مجالس الشورى، وفق الضوابط والقواعد الشرعية، فلن يعرقلها أو يقف في وجهها أي أحد.

هكذا يجب أن توضح وتؤصل مفاهيم “ثقافة الحكم” ضمن التصور الإسلامي الذي اختارته وتشبثت به السعودية، والدول الإسلامية الأخرى، التي تطبق نظام الشورى.  وهو يختلف، كما نلاحظ، عما تقترحه ثقافة الحكم في التجربة الديمقراطية الغربية، وفي فكرها وآلياتها. لكن التجربتين، في كل الأحوال، تسعيان إلى أن يتحقق للناس مبدأ المشاركة في الحكم، وتهدفان، في النهاية، إلى تحقيق مزيد من الرخاء والحرية والكرامة والعدل.

إننا في واقع الأمر أمام ثقافتين متمايزتين، في مصادرهما، وفي بُناهما العقائدية والمجتمعية والمعرفية. ومن حق كل أمة أن تحافظ، بكل ما أوتيت من قوة، على خصوصياتها الثقافية.

إن من حق الغرب أن يختار ما يراه مناسباً لتحقيق الطمأنينة والعدل لشعوبه، ونحن ندرك أن التجربة الديمقراطية ما هي إلا نتاج لتراث ثقافـي واجتماعي، وما هي إلاّ إفراز لمنهج فكري وأيدلوجي وعقائدي متداول، وهي تتناسب حتماً مع الذين يشكل ذلك الفكر، وذلك التراث، أصلاً في بنيتهم النفسية والذهنية والعقلية، ونحن لابد أن نحترم ذلك ونجله. لكن في مقابل هذا، نرى أن من حقنا، نحن من جهتنا، أن نختار ما نراه مناسباً لتحقيق الطمأنينة والعدل لمجتمعنا. فالشورى، هي بدورها، نتاج موروث تنظيمي، يعطيه وجوب التطبيق أنه مرتبط بالوحي، الذي هو، عند المؤمنين، أمر لا يجوز، بأي حال، مخالفته أو التهاون في تطبيقه.  والسعوديون هم من أحرى الناس بحماية تراث الإسلام، وصيانة فكره، والمحافظة على قيمه ، وتمثل مبادئه وتعاليمه. فقد جعل الله مقدساته فوق أرضهم. وهو أنزل وحيه بلغتهم ، وعلى ترابهم. وهو اختار نبيه مـن بينهم. فالشورى هكذا لا تشير إلى خصوصية ثقافية فحسب، ولكنها ، فوق ذلك ، تنطلق من منهج الإسلام الذي هو عقيدة الناس. ولا أحد يستطيع أن يطالب الشعوب، أو يفرض عليها، التخلي عن عقائدها. ثم إننا من جهة أخرى، لا نعتقد أن الأوطان  يتوجب أن تدار، أو تعالج مصالح شعوبها، بأسلوب واحد يدعي، بدوافع الرغبة في الهيمنة، أنه وحده الذي يمتلك الحقيقة، فلا حقيقة أخرى غير حقيقته.

هذا هو المستوى الحقيقي، والواضح ، لعلاقتنا بالشورى ، سواء من حيث موقعها في المشروع الإسلامي في الحكم ، أم من حيث نظرتنا إليها بوصفها تجربة أخرى مغايرة ، لابد أن يزيد في تمسكنا بها ، حق “الاختلاف” بين الشعوب، ولا بد أن يبيح إصرارنا عليها قانون “التنوع” في التجارب بين الأمم، وهو ما يعني إفساح المجال لتعدد الخصوصيات، بقدر تعدد الثقافات.

وإذا كانت علاقة أهل الجزيرة، تاريخياً، بالشورى، قد انطلقت في فجر الإسلام، وهي بدأت ببدايته، قبل خمسة عشر قرناً، فإن الملك عبد العزيز -رحمه الله- هو منْ أسس المملكة العربية السعودية الجديدة ، وهو الذي أعاد الشورى إلى الممارسة السياسية الفعلية، قوية جلية، منذ أن دخل مكة، وبعد أن ضمّ هذا إقليمها إلى مشروعه الوحدوي الرائد، عام (1924م)، وقد كوَّن – غفر الله له – مجلساً كان مقره مكة المكرمة، وكان قوامه 14 عضواً من التجار والأعيان، وكان لذلك المجلس حق النظر في الأمور الإدارية والتنظيمية في البلاد. ولم تمض سنة واحدة حتى زاد عدد الأعضاء إلى ستة عشر عضواً. وبعد سنة أخرى (عام 1926م) صدر أول مرسوم ملكي بتكوين مجلس الشورى وبصدور نظامه. إن ذلك المجلس كان، كما يوضح ذلك نظامه، يضع السياسات العامة الداخلية والخارجية، ويعتمد الميزانيات وأعمال الدولة. بل إن ذلك المجلس، الذي وصل عدد أعضائه بعد سنوات قليلة أخرى إلى 25 عضواً، كان ينظر حتى في أمور قد تعد اليوم أموراً تنفيذية، ومنها على سبيل المثال: إقرار مشروعات الدولة وتأديب الموظفين وترقياتهم. وظل يعاد تشكيل المجلس المذكور كـل سنة إلى حلول العام (1373هـ/1953م) عندما صدر أول نظام لمجلس الوزراء، إذ انتقلت بعض صلاحيات مجلس الشورى إلى مجلس الوزراء. ثم في عام( 1377هـ/1957م)، صدر المرسوم الملكي الذي يعطي لمجلس الوزراء اختصاصات تشبه اختصاصات مجلس الشورى، على أن ذلك لا يعني أن مجلس الشورى قد توقف عن العمل، بل إنه كان يجتمع، ويناقش موضوعات، ويراجع أنظمة، ويحيلها إلى الحكومة.

وقد بلغ عدد لجان المجلس القديم سبع لجان هي: اللجنة المالية، واللجنة الإدارية، ولجنة تمييز الصكوك التجارية، ولجنة التأديب، ولجنة الأنظمة، ولجنة الاقتراحات، ولجنة الثقافة العامة.

وهذه اللجان لا تختلف كثيراً عن عدد لجان المجلس الحالي، بعد أن جدد نظامه على يدي خادم الحرمين الشريفين (في عام 1412هـ/1992م) إذ بلغ عدد أعضائه الستين عضواً، وزاد – حفظه الله –  في عدد أعضائـه بحيث أصبح 90 عضواً في العام (1418هـ/1997م).

ومعظم أعضائه هم ممن يحملون أرقى الدرجات العلمية من أرقى الجامعات في العالم، وتخصصاتهم تشمل مختلف الحقول في الشريعة والقانون والإدارة والاقتصاد والتربية والإعلام والطب والهندسة والزراعة والسياسة والشئون الأمنية والمال والأعمال ويبلغ عدد من يحمل الدكتوراه من أعضاء المجلس 59 عضواً أي ما نسبته 64%، ومن صلاحيات المجلس الحالي، كما ينص علـى ذلك نظامه، أن يبدي الرأي في السياسات العامة للدولة الداخلية والخارجية، وله مناقشة الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وإبداء الرأي حولها. وله أيضاً دراسة الأنظمة واللوائح وتفسيرها ومناقشـة المعاهدات والاتفاقيات الدولية والامتيازات وأن يقترح ما يراه بشأنها.  للمجلس كذلك مناقشة التقارير السنوية التي تقدمها الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى.

ويحق لكل عشرة أعضاء من المجلس حق اقتراح مشروع نظام جديد أو تعديل نظام نافذ.

ونظام المجلس يقول برفع قرارات مجلس الشورى إلى رئيس مجلس الوزراء، ويحيلها بدوره إلى مجلس الوزراء للنظر فيها، فإن اتفقت وجهات نظر المجلسين صدرت بعد موافقة الملك عليها، وإن تباينت وجهات النـظر فللملك إقرار ما يراه، إما أن يعيده إلى هذا المجلس أو ذاك أو يطلب جلسة تجمع المجلسين.

وللجان المجلس أن تستعين بمن تراه من غير أعضاء المجلس للدراسة أو لإبداء الرأي حول الموضوعات المطلوب مناقشتها.

إن هذه الممارسات الشورية تقتضي بطبيعتها المشاركة في صناعة القرار، بالرأي، وبالنصيحة، وبالدراسة. فوليُّ الأمر في الإسلام يجعل
من أهل الشورى مركزاً لصناعة الأفكار، ولتقويم الأعمال، ولإبداء ما يرونه حيال كل ما يحال إليهم من قضايا الأمة. والهدف هو كما قلنا ـ سابقاً ـ تحقيق مزيد من الرخاء، ومزيد من العدل، ومزيد من الحرية.

لقد انقضى على مجلس الشورى ، في نظامه الجديد ، أكثر من خمس سنوات، وأستطيع أن أقول بأن المجلس خلال تلك السنوات قد قام بدراسة العديد من الأنظمة واللوائح ، والعديد من القرارات ، وهي تتعلق كلها بأوضاع الناس ، وبتنظيم أعمالهم ونشاطاتهم ، وهي كلها أيضاً تحدد واجباتهم تجاه المجتمع ، وتؤكد حقوقهم ، وتضمن الحد الأقصى لحرياتهم. كما أن المجلس يضطلع بمهمة التقويم المستمر لأداءات أجهزة الدولة ومؤسساتها من خلال اطّلاعه المستمر على ما ترفعه من تقارير سنوية عن أعمالها ومنجزاتها.

السيدات والسادة:

إنني أشكر لكم حسن إصغائكم متمنياً أن أكون قد وفقت في تقديم بعض ما كنتم تنتظرونه من هذا اللقاء.

وشكراً،،،