بتاريخ 4/4/1427هـ

محاضرة للملتقى الذي نظمته مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية  تحت عنوان

“نحو استراتيجية وطنية لنشر الثقافة العلمية”

 د. فهد العرابي الحارثي

يقول توماس فريدمان في إحدى مقالاته المنشورة مؤخراً: كلما أجريت المزيد من التغطيات الصحفية للشئون الخارجية تمنيت أن أكون قد درست التربية، لأنني كلما سافرت إلى منطقة اكتشفت أن أكثر المساجلات سخونة، في الكثير من الدول، تدور حول التعليم. والمثير للاهتمام في هذه القضية أن كل دولة تعتقد أنها متأخرة في هذا المجال”.. وكلام فريدمان هذا ينطبق على دول كبرى ومتقدمة مثل أمريكا وبريطانيا كما ينطبق في الوقت نفسه على دول مازالت تتدرج، ولكن بسرعة، في السلم الطويلة للنمو والتطور مثل الصين والهند. ومن الدلالات التي يحملها كلام فريدمان أن السباق الحقيقي للأمم والشعوب هو في مجال التعليم، وأن أي فرص للتطور إنما هي فرص تأتي من خلال ما يحققه التعيلم، وكل دولة أو شعب أو أمة يكون هاجسها الدائم مزيداً من الرقي فإنها تحس أبداً بأنها “متأخرة” في التعليم، وأنها في حاجة إلى مراجعة مستمرة برامجها ومناهجها: أهدافاً ومنطلقات واستراتيجيات. ويبدو أن الصحفي الأمريكي توماس فريدمان وجد نفسه محاصراً بمشكلة التعليم في كل مكان يذهب إليه، ولاسيما في البلدان التي زارها، واختلط بأهلها، وتحاور مع أصحاب القرار فيها. فما من أحد يختلف اليوم على حقيقة أن مفتاح المستقبل هو التعليم، ولا أمل في المنافسة وكسب التحدي إذا لم يكن هناك تقويم مستمر لا ينقطع لمقومات التعليم، ودعائمه، وأهدافه، وبرامجه، ومدخلاته ومخرجاته. فالتعليم ذو الطموحات الكبرى ليس فك الحرف، أو قراءة الأشعار، والأبراج، والصحف، وليس القدرة الفذّة على الكلام والإسهاب في الخطابة. التعليم ذو الطموحات الكبرى لم يعد كذلك اليوم، فالكمبيوتر، وكوابل الألياف البصرية، والإنترنت، قربت بين النشاطات الاقتصادية، وأصبح في إمكان الناس في أي مكان المشاركة فيها. “وستنتقل رؤوس الأموال بطريقة أسرع مما كانت عليه للاستفادة من أفضل المواهب في العالم بغض النظر عن مكانها، لذا لا تنفك كل دول العالم تتسارع في تجديد قاعدة المواهب البشرية لديها. وعندما يمكن لكل شخص الحصول على نفس التكنولوجيا فإن المواهب البشرية هي الحد الفاصل، أنت تستطيع في النهاية أن تشتري التكنولوجيا، كما يفعل عالمنا الثالث المسكين، لكن استنبات القوى البشرية المبدعة الخلاقة التي ستراهن عليها في مواجهة تحديات النمو والتطور هي في واقع الأمر عملية معقدة وطويلة النفس ولا علاج لها سوى التعليم، والتعليم وحده.

ولعل الإعلاميين والصحفيين في عالمنا العربي الواهن المستريح هم من أول من فوجئوا بالانفجار العلمي المدوي من حولهم، فلم يتمكنوا من التقاط أنفاسهم حتى وجدوا أنهم محاصرون، في مهنتهم نفسها، بكم كبير من التقنيات التي لا يعرفونها، ولا يجيدون التعامل معها، والتي بغيرها أو من دونها لن تستطيعوا تحقيق الانسجام المطلوب مع الشروط الجديدة لمهنتهم. وأمام المفاجآت المهولة هناك من المشتغلين بصناعة الإعلام في ديار العرب من اعتبر الإصرار على الكتابة بالقلم هو تمجيد للتاريخ، ووفاء له، وتعلق به وبقيمه المشرقه، وهو انتصار للموروث وترسيخ له في الأجيال، وهو مقاومة للغزو الفكري الداهم، وتشبث بالهوية ودعم للخصوصية، ومنهم من مازال يعتبر التعامل مع الإنترنت هو خيانة عظمى للمؤسسين الأوائل منذ عائلة تقلا في مصر حتى المرحوم عمرو بن بحر الجاحظ  في بغداد، ومن هم من لا يدرك بعد أن بإمكان فريدمان نفسه أن يكتب مقالته في نيويورك تايمز مباشرة، في العامود المخصص له على صفحات الجريدة، وهو في نيودلهي أو سنغافوره أو بكين، وأن بإمكانه أن يدخل إلى مكتبة الكونغرس، أو المتحف البريطاني أو أرشيف جريدته، وهو في الرياض أو القاهرة أو نيروبي، وأنه بإمكانه استخراج نسخة من الإندبندنت أو لوس أنجلس تايمز أو سواهما وهو في وارسو أو سردينيا أو في قرية صغيرة في جنوب فرنسا.

هل تعلمون – أيها السادة – أن بعض الماثلين أمامكم الآن من الإعلاميين الكبار، وربما كنت أولهم، من مازال يمليّ مقالته عندما يغترب عن بلاده، بالتليفون، أو يبعثها عبر الآلة السحرية التي يسمونها الفاكس (سبحان منطق الحديد ومقرب البعيد) ثم يتولى الدرر التي نثرها على الورق بعد ذلك ثلة من الأشخاص حتى تستوي للنشر: ناس يفكون عقد الخط الذي يشبه مواقع أقدام الدجاجة، وآخرون يصفون حروفها، وآخرون يطابقون النتيجة بالأصل.. وهكذا، ولا أدري كيف أوكل، اليوم وفي هذه المناسبة، لبعض هذا الجيل من الإعلاميين العرب، أن يساهموا في بحث طرق ووسائل تعميم ثورة العلم وهم أنفسهم ينعمون ولله الحمد بكل هذا العدد من الإعاقات، بل بأكثر منها مما لم نقله حفاظاً على ماء الوجه. فالواقع ليس أن “باب النجار مخلوع” بل في الحقيقة أنه ليس هناك من باب أصلاً، ولكن لا بأس، سنتكلم مادام “ليس على الكلام جمرك” كما يقال في أمثالنا الشعبية. وسنغرقكم اليوم بالنصائح والمواعظ، وعليكم أن تنسوا ولو لمدة قليلة موضوع “القدوة الحسنة” لأننا اعترفنا لكم بكل أمانة بأن تعاملنا نحن الإعلاميين مع العلم ومفاجآته وتحدياته ليس على ما يرام. فنبدأ بالقول:

إن نموذج الدولة التي تتضخم فيها نسبة العقول البشرية ذات المستوى العالي دون حاجة واضحة إليهم، مضافاً إلي ذلك نموذجاً آخر للدولة –أو بالأحرى الدول– التي تصب اهتماماتها على الكليات والمؤسسات التعليمية النظرية يعني أنها ستخلق – تالياً – القوة البشرية العبء. وستضاعف أزمة الجانب الآخر الملح والذي كنا ومازلنا في أمس الحاجة إليه ولاسيما في هذه الفترة الحضارية الانتقالية الحرجة، ونعني الجانب العلمي التكنولوجي. إن هناك من يؤكد “أن التعليم التكنولوجي (في البلاد العربية) قاصر حتى الآن عن توفير الكم المطلوب من القوى البشرية اللازمة في التنمية الشاملة”.

وتشاء الصدف أن يكون كاتب هذه السطور من الذين شغلتهم هذه المسألة منذ زمن طويل، فقد كتبت فيها عدداً من المقالات (ثلاث عشرة مقالة) منذ أكثر من خمسة عشر عاماً تقريباً، وعندما دعيت للمشاركة في هذه المناسبة اليوم رجعت إلى مقالاتي القديمة، وبعد أن أعدت قراءتها وجدت أن شيئاً لم يتغير في واقعنا، وأن مقالاتي مازالت صالحة للعرض والتسويق، فخفف عني ذلك عبء البحث والكتابة من جديد، وقررت أن أختار من مجموع تلك المقالات مقاطع من هنا وهناك فأوصلها وأربطها ببعض العبارات والجمل لتبدو وكأنها كتبت هذا اليوم. (الله لا يغير علينا) كما هي عبارات الكسل التي لا نمل ولا نكل من ترديدها كلما وجدنا أن التغيير أو الإصلاح له ثمنه وتكاليفه، ولو لم يكن من تلك التكاليف سوى بعض التعب.

قلت قبل أكثر من خمسة عشر عاماً:

إن الخطأ في تكريس المفهوم التقليدي الاستهلاكي للعلم، والنكوص عن مراجعة المناهج وتجديدها، والارتكان إلى الوسائل التقليدية في التربية، وعدم تحريض كوامن الإبداع لدى الجيل، هي التي أدت إلى إفشال أي محاولة للاقتراب من الشعار الذي أطلقه فرانسيس باكون: “المعرفة قوة” فالدكتور طيب تيزيني في “مشكلات الثورة والثقافة” يعلن بوضوح أن العرب – تحديداً – لم يلامسوا ذلك الشعار ولو بالحد الأدنى. وبغض النظر عن وجاهة المبررات الآيدلوجية التي أدت بالدكتور تيزيني إلى هذه النتيجة إلا أنه يعود فيؤكد أن المؤسسات التعليمية في العالم العربي التي تخرج هذه الأعداد الكبيرة من “حاملي الشهادات” تعتبر ضمن الواقع الضحل، صناعياً وتخطيطياً، قطاعاً استهلاكياً أخطبوطياً يضاعف ويعقد المشكلات المطروحة فهناك “ظاهرة تتعاظم في خطورتها في بعض أقطار الوطن العربي، وهي الاتساع التعليمي الأفقي دون أن يرافقه عمق علمي، وتركيز على مبدأ الاختصاص العلمي”، وهو هنا يشير من بعيد إلى أجيال “الموظفين” وأشباح العلماء، لكنه في الوقت ذاته يدعو إلى تلافي مشكلة أخرى من مشكلات العلم وهي عدم تعميق “الاختصاص” الذي يراه معضلة كبيرة وذلك في حالة تكون فيها إمكانات العمل محدودة بحيث يتحول ذلك الاتساع الأفقي في التعليم إلى عبء اجتماعي. وهذا ما هو حاصل في كثير من بلدان العالم الثالث اليوم والتي لم تعد تجد أمكنة كافية لاستيعاب إفرازات الاتساع في التعليم الأفقي.

ويتفق الكثيرون من دارسي الحضارات على أن الثروات الطبيعية لا تكفي وحدها لصناعة التقدم والرقي، (البترول مثلاً في حالتنا) بل إنهم يرون أن دور هذه الثروات يأتي ثانياً لدور الثروة البشرية المؤهلة الكفؤة، وقد يذهبون إلى أبعد من ذلك فيؤكدون بأن هذه الثروة البشرية – وحدها – تستطيع أن تحقق التفوق مهما كانت الثروات الطبيعية متواضعة أو ربما معدومة، وهم يضربون على ذلك مثلاً بالظاهرة اليابانية الفريدة والمتميزة في التاريخ الإنساني.

وهناك أمثلة أخرى غير اليابان استطاعت أن تحقق باستغلال ثرواتها البشرية مراكز متقدمة في مدارج الرقي الحضاري المعاصر. ويقول البعض إن الحياة الإنسانية الحقة المتقدمة التي يعيشها أفراد المجتمع الغربي إنما يعود فضلها بالدرجة الأولى إلى أن المجتمع الغربي هو أول مجتمع استطاع أن يفيد من تقدمه “العلمي والصناعي” في تحقيق ذلك النوع من الرفاه لأفراده، وذلك المستوى المتقدم في التفاعل مع الحضارة لشبابه.

ود. هشام شرابي في كتابه “مقدمات لدراسة المجتمع العربي” يرى أن القوى البشرية المؤهلة والمثقفة هي التي – في قدراتها العقلية والتقنية والعلمية – تمثل قوة المجتمع الحقيقية، وطاقته الإنسانية والمؤثرة والفعالة. وكل ما سبق يعني أن إعداد الأجيال لـ “المهمة” الحضارية المتجاوزة هي مسؤولية تاريخية ملحة تأتي في أهميتها وحساسيتها قبل أي مشروع آخر مهما كان حجمه ومهما كان مردوده المادي أو غير المادي. إن عقول “العلم” تستطيع أن تخلق المجد وأن توجد الثروة.. من العدم. وإن الثروة بدون تلك النوعية من العقول تشبه المال السائب، فتضيع وتتبدد، وتستغل من الآخرين حتى آخر قطرة، أو حتى الرمق الأخير. ولهذا يتردد كثيراً أن الغرب – بعد مآسي الحربين ومضاعفاتهما – استطاع أن يستأنف حضارته الجديدة على حساب ثروات العالم الثالث التي استغل فيها جهل هذا العالم وإعاقته العقلية والعلمية.

يجب أن نتذكر إذن أن القوى البشرية المؤهلة المتمكنة هي الثروة الحقيقة الخالدة للوطن.

بل ربما كانت الثروات البشرية هي عنصر الحسم الوحيد في مسألة التقدم والتخلف، وكما يقول د. حامد عمار “في اقتصاديات التعليم”: فإن التخلف الواضح في بعض البلدان يعود – على الرغم من توفر مصادر الثروة الطبيعية في بعضها – إلى إهمالها نظم التعليم.

ود. شرابي يرى أن دور القوى الوطنية المؤهلة – علمياً ومهنياً – هو دور “لا يقوى الخبراء أو الأخصائيون الأجانب على تأديته. وإذا أعطي الأجنبي هذا الدور فمعنى ذلك أننا فقدنا زمام التاريخ، ورضخنا لإرادة خارجة عن إرادتنا”. وكل هذا يعني أن الثروات الطبيعية وحدها لا تكفي لبناء الحضارة، بل إن هذه الثروات تعد مسؤولية في حد ذاتها، وهي عبء تاريخي ووطني ثقيل جداً إذا لم نهيئ القنوات اللازمة لاستيعابها وصيانتها واستغلالها وتطويرها.

وما “نقل التكنولوجيا” في غاياته الموضوعية، إذن، إلاّ تكوين البنى البشرية الرائدة التي تستطيع استغلال ما يتهيأ لها من إمكانات وثروات.

وهذا الدكتور أسامة أمين الخولي يحاول تحديد الكفاءة في التعامل مع التكنولوجيا، ويتحدث عن مستويات تلك الكفاءة هكذا: المستوى الأدنى: ويكون التركيز فيه على الدراية بها، ومتابعة تطوراتها، وتطبيقاتها، وتحديد الاحتياجات الوطنية لها حسب أولياتها. المستوى المتوسط: وهو يعني القدرة على تطويع التكنولوجيا، وربما الابتكار فيها، دون اكتمال متطلبات استغلال هذا الابتكار استغلالاً اقتصادياً. المستوى الأعلى: وهو الذي تتوفر فيه القدرة على تصميم وتصنيع المعدات وتسويقها والدخول في حلبة المنافسة الدولية في هذا المجال. (راجع المستقبل العربي. عدد 85) ونتساءل: ما هي درجة الوعي بهذه المستويات لدينا، وما الذي نفعله اليوم من أجل تحقيقها وبلوغ أرقاها؟ أم أننا – حقيقية – منشغلين باستهلاكها، وبتحديد “مجال” العلم وتحجيم تطلعات المؤسسات التعليمية في مناهجها ووسائلها، تلك التطلعات التي يجب أن ترمي إلى علاقة منطقية ومؤثرة ورائدة بحركة التنمية الشاملة. إنه يجب أن نسهم إسهاماً جاداً وسريعاً في تحقيق المستوى الأدنى من الكفاءة في مواجهة التقدم التكنولوجي، وأن نتعرف على المدخل المناسب للاحتياجات الوطنية، وعلى ضوء ذلك نصل إلى مهمة أخرى أكثر إلحاحاً، وهي تخطيط المناهج والمقررات، وبدء الدراسات في تخصصات جديدة، واستخدام ما تتيحه هذه التكنولوجيا نفسها من إمكانات جديدة في طرق التعليم نفسه (راجع د. أسامة الخولي. المستقبل العربي عدد 85)

فالمعضلة – إذن – تتجسد في صورتها الأولية ضمن تساؤلات تتداعى هكذا: هل نحن على معرفة حقيقية علمية، ميدانية، باحتياجاتنا الوطنية وبأولياتها؟ وهل نؤمن بأن المناهج التعليمية مادة طيِّعة قابلة للتشكُّل حسب تلك الاحتياجات، وحسب أولياتها؟ وأبعد من هذا، هل هناك وعي واضح بالمسألة التنموية ككل؟ وهل هناك إدراك صاف لشروطها وتحدياتها ورهاناتها؟ ماذا أعددنا من أجل تجاوز مرحلة الاستهلاك إلى مرحلة استيعاب التقدم التكنولوجي وفهمه، ثم – بالتالي – مرحلة الابتكار فيه؟ إن نتيجة المواجهة الموضوعية الصادقة لهذه التساؤلات “الحادة” الجادة ستوضح حجم المعضلة ثم حجم المسؤولية القائمة. وهذه المواجهة الموضوعية مناطة بجميع القوى الوطنية: السياسية والثقافية. وهي يجب أن تكون موضوعاً لسجال طويل هدفه إعادة النظر في استراتيجية التعليم برمتها.

ودور وسائل الإعلام هنا هو دور أساسي ومفصلي، فالإعلام هو الوعي بحقائق الحاضر وموهماته وهي أيضاً الإدراك التام لشروطه وتحدياته، وهو كذلك إستشراف المستقبل وسبر آفاقه ومحدداته وإرهاصاته. الإعلام هو حصان الأفكار، وهو ينبغي أن يكون “ناصية للخير” كما التعبير النبوي الشريف، فعبره يكون “الحوار” ومطارحة الآراء، وهو الخطوة الأولى للدخول في مشروع تشكيل وعينا بالمستقبل. فمسألة إشعال النقاش حول المناهج هي مسألته الأولى، ولابد أن يعيد ويكرر بأن العناية بأهداف التعليم ومناهجه هي مطلب وطني ملح وحاسم، وأكثر من ذلك فإن غربلة تلك الأهداف وتجديد تلك المناهج أمر يحتاج – دائماً – إلى تقويم وإلى إعادة نظر، والاحتكام في ذلك إنما يعود بشكل قطعي إلى الضرورات المستجدة التي تطرأ على حياة البلاد وعلى نموها وتطلعاتها، والتربويون يؤكدون على أن تلك المستجدات هي المنعطف الهام في العملية التعليمية، لأنهم يريدون للعملية التعليمية أن تحقق غايتها الكبرى، التي تعني نمواً مضطرداً وسباقاً متصلاً نحو الأفضل. “فالتغيير السريع الذي يطرأ على المجتمع نتيجة التقدم العلمي والتقني يفرض تغييراً موازياً في أهداف التعليم واستراتيجيتها، فالأهداف التي كانت سائدة منذ ربع قرن – مثلاً – قد لا تكون مناسبة لمطالب المجتمع الحالي وحاجاته (..) وهذا يفرض تعديل المناهج القائمة، أو تعميم مناهج جديدة تتناسب مع تلك الأهداف” (راجع عبدالمجيد نشواني، علم النفس التربوي).

ونحن نعلم – مع الأسف – أن هناك بلداناً لم تراجع مناهجها التعليمية منذ نهضتها الحديثة، وأن الهدف الكبير الذي ظلت تنزوي تحته جميع الأهداف الأخرى هو إكساب الطلبة معارف متنوعة ليس لها سوى غاية واحدة – على العموم – وهي أن يستطيع الطالب، عندما يصبح رجلاً، أن يملأ مكانه في “المجلس” فيتحدث عن أخبار العرب وأيامهم وأحسابهم وأنسابهم وأشعارهم وإمبراطورياتهم العظمى في بلاد الفرس والأندلس وبغداد ودمشق. وأن يستطيع الرجل الذي مازال صغيراً أن يتبيَّن أسباب الصراع الفكري والكلامي بين المعطلة والمرجئة والمعتزلة وأهل السنة والجماعة.

نحن لا نريد أن نقلل من أهمية هذه الأمور وضرورتها في مجالها، ولا نريد أن يتخذ موضوعنا هنا منحى آخر نتورط به في مناكفة أيدولوجيات الصراع المحتدم اليوم حول الدعوات إلى إعادة النظر في مناهج التعليم، إن لتلك الدعوات منطلقات أخرى لا تلتقي بحال مع ما نحن فيه. فنحن هنا ننطلق من اعتبار التعليم هو حجر الزاوية في التطور والتقدم العلمي الذي بات اليوم هو مناط المنافسة في النمو والاستغلال الأفضل للثروات والإمكانات، بينما نجد أن ما يقال وما يردد اليوم إنما جاء بدافع هواجس وهموم أخرى، معظمها أمنية بطبيعة الحال، وهذا ليس موضوعنا هنا، ولا نريد أن ننساق إليه وإلى فرضياته ومخاوفه وأوهامه. لذا نعود إلى موضوعنا الذي نحن بصدده لنؤكد أن القيم والاستهلاكية في التعليم هي التي عطلته عن النمو وعن التفاعل مع احتياجات العصر وطموح التفوق على القوى الأخرى التي ظلت وستظل تملي علينا شروط الحضارة وتحدد لنا شروط البقاء. إن “الدورة” الحضارية التي ستعيد لهذا العالم المغلوب “تسيده” لن تأتي وحدها، وإنما يجب أن نعلم أن من أبرز مستحثاتها تكوين الأجيال القادرة على استيعاب ما يجري، ومن ثم توظيف ما تستوعبه للتجاوز نحو ما هو أفضل .. أي باتجاه مغامرة أصيلة.. ومراجعة واعية ومسؤولة لموقع جديد لنا في هذا العالم.

إننا نخرِّج من مدارسنا وجامعاتنا ومعاهدنا العليا أفواجاً من الطلبة “المتعلمين” .. والمتعلمين فقط.. وهذه كارثة حقيقية تفسد الاستراتيجية التي رُسمت لنقل التكنولوجيا (هل هناك استراتيجية؟!)، وتعطل الوسائل التي تفضي إلى تحقيقها. فمفهوم نقل التكنولوجيا – إذن – ينكمش على نفسه، يضيق ويضيق، حتى يتحلَّق حول هذه النقطة: نقل تعني: شراء، وتكنولوجيا تعني: لعب المدنية الاستهلاكية، وهكذا تكون هذه المسألة المرهقة قد حسمت إلى الأبد. ويكون ذلك الشعار الجميل، الحلم    – الذي تردده خطط التنمية المختلفة، وتغنيه الأجيال في أروقة الجامعات والمؤسسات العلمية – مجرد جملة إنشائية فضفاضة، تشبه حبوب التهدئة، ونعني التهدئة من اليأس والإحباط.

إن الحقيقة القائمة الآن هي أن علاقتنا بالإنجازات الحضارية البشرية هي علاقة سالبة، فنحن لا نؤثر فيها، وتأثرنا بها هو تأثر استهلاكي يومي مدمر، والاستشراف المنصف لأبعاد المستقبل على ضوء اختبار الواقع يعني أننا سنظل مستهلكين للحضارة وأدوات المدنية وليس مبدعين لها.

طيب تيزيني في “مشكلات الثورة والثقافة” يلاحظ هذه الظاهرة السلبية في الوطن العربي والتي تعرقل التطور التعليمي وبالتالي الاقتصادي، فهو يقول مثلاً: “هناك التضخم المتزايد المرضي في أعداد الطلبة الجامعيين، وخصوصاً في الكليات النظرية التي تساهم في تخريج أشباح من “العلماء” فاقدي الصلة الحية بمشكلات التقدم في بلدانهم” ثم يضيف: “إن البعض يرى في ظاهرة التضخم هذه نوعاً من التقدم والعافية الثقافية ولكن الأمر في حقيقته، وضمن ظروف هذا الوطن عامة، ما هو إلا مضاعفة لمشكلاته”، وبغض النظر عن مفهوم طيب تيزيني للتقدم ولمحفزاته الأيدلوجية التي يؤمن بها إلا أنه ينبه هنا إجمالاً إلى سوء توزيع الأجيال على قنوات التعليم المتعددة حسب ما تمليه الضرورات الحضارية والمدنية المعاصرة، وحسب ما تمليه احتياجات البلاد نفسها – أي بلاد – ويبدو أن هذه مشكلة مازال يعاني منها العالم النامي كله، وليس بلادنا وحدها.

وفي هذا السياق هناك أرقام ستضع أيدينا إذا استعرضناها على العمق الحقيقي للجرح وعلى الأبعاد الصحيحة للمعضلة. يقال: أن من بين مليون وثلث تقريباً من المنخرطين في التعليم العالي في العالم العربي لا يوجد إلا حوالي 200 ألف طالب وطالبة في فروع الهندسة والتكنولوجيا والزراعة. أي أن نسبة الدارسين في التخصصات التكنولوجية لا تتعدى 16% فقط. أما الثلثان من المنخرطين في التعليم التكنولوجي العالي فيتخصصون في الهندسة، والثلث الباقي ففي تخصصات زراعية “وتختلف نسبة المنخرطين في كل واحد من هذين المجالين من العدد الإجمالي من الدارسين في التعليم العالي اختلافاً كبيراً من قطر عربي إلى آخر، فبينما يدرس أكثر من الخمس بقليل دراسات هندسية في كل من العراق وسوريا، فإن هذه النسبة تتأرجح حول العشر فقط في كل من مصر والكويت وليبيا ولبنان والسعودية، وتتدنى إلى أقل من الواحد بالمائة في المغرب. وبالمثل فإن نسبة الدارسين في التخصصات الزراعية تصل إلى حوالي 9% من إجمالي الدارسين في التعليم العالي في العراق ومصر، وحوالي 7% في سوريا وليبيا، 2% في السعودية” هذا فيما يتعلق بالتعليم التكنولوجي العالي. أما بالنسبة إلى التعليم التكنولوجي الثانوي فالوضع يتشكل هكذا: “هناك حوالي ثلاثة ملايين تلميذ وتلميذة في المرحلة الثانوية. يبلغ عدد المنخرطين منهم في سلك الدراسة الفنية أقل من ثلاثة أرباع المليون، أي نسبة تقل عن الربع من إجمالي الدارسين في المرحلة الثانوية. وتتفاوت هذه النسبة من قطر عربي إلى آخر، فبينما تصل إلى 52% في مصر و 45% في البحرين فإنها تتدنى إلى أقل من 2% في المغرب و 2.4% في الإمارات، بينما تتأرجح حوالي نسبة 20% في العراق والصومال وسوريا وتونس. وإذا ما دققنا الرؤية لنتعرف على عدد التلاميذ الدارسين في التعليم الفني الصناعي والزراعي تضاءلت الأرقام والنسب حتى تصل إلى أكثر قليلاً من المائة ألف تلميذ، أي حوالي 3% فقط من إجمالي الملتحقين بالتعليم الثانوي (لا تشمل هذه الأرقام جمهورية مصر العربية والتي قد تزيد هذا العدد ضعفاً أو ضعفين)، 90% منهم في التعليم الفني الصناعي” (د. أسامة الخولي. المستقبل العربي عدد 85) إن هذه النسب الضئيلة في التعليم التكنولوجي هي التي تلح على ضرورة المراجعة، والتفكير في عمل شيء ما في هذا المجال. (ملاحظة: هذه الأرقام والإحصائيات عمرها يتجاوز الخمسة عشر عاماً، ولا نظنها قد اختلفت كثيراً اليوم).

فكما يقول د. طيب تيزيني في كتابه: “مشكلات الثورة والثقافة”، أنه “قد ساد خلال فترة طويلة من تطور وطننا بعد الحرب العالمية الثانية فهم بدائي سطحي للعلم، فتحت هذا التعبير “علم” كانت الجماهير، وإلى حد كبير المثقفون منهم، لا تستوعب بشكل أساسي سوى الجانب التعليمي المباشر والسلبي: أي كون العلم ما هو إلا حصيلة اكتساب معلومات ومعارف علمية يحتفظ بها الإنسان للوجاهة الاجتماعية، أو للارتزاق المباشر، كالحصول على وظيفة لدى الدولة” ونعتقد أن طيب تيزيني قد لمس هنا عمق المشكلة في علاقة الجماهير في البلدان النامية بالعملية التعليمية. فالجامعات والمؤسسات العلمية الأخرى في مجملها تكاد أن تقتصر مهمتها على تخريج “موظفين” وليس جيلاً فاعلاً ومؤثراً في حركة النمو الاجتماعي والاقتصادي والتقني. ولا غرابة أن نجد أن العديد من الشباب لا يبتعدون في علاقاتهم بالجامعة عن الطموح الفردي في الحصول على “وثيقة” التخرج والتي تؤهل لــ “مرتبة” وظيفية ما في مصلحة أو إدارة حكومية ما.

وفي بلادنا هنا بدأنا نلاحظ في السنوات الأخيرة ما هو أدهى من ذلك وأمر منه، فالطالب عندما يتخرج من الثانوية، مسكوناً بهاجس الوظيفة، ولاسيما الوظيفة المضمونة، لا يدور في تصوره سوى إحدى الكليات العسكرية لأن خريج هذه الكليات سيجد الوظيفة تنتظره دون عناء، ودون الحاجة إلى وساطات أو تدخلات من المؤثرين أو ذوي النفوذ، ومادام أن الوظيفة هي الهدف، وهي الغاية فإن هذه الطريق هي الأسهل وهي الأمثل من أجل الوصول إليها. ويبدو أن تزايد أعداد طالبي الوظيفة من أجل تحقيق لقمة العيش، الذي يقابله الشح الشديد في الفرص هو الأمر الذي زاد في تفاقم المشكلة.. أي مشكلتنا مع التعليم.. ومشكلة التعليم معنا.. فهو بمفهوماته، وبأهدافه غير الواضحة، يضعنا أما الطريق المسدود الذي ليس له سوى منفذ واحد وهو منفذ “الوظيفة”.. والوظيفة السريعة على وجه التحديد. والناس ليسوا  ملومين على الانخراط في أتون هذه المعادلة الحرجة، فالسؤال الذي يقول: ما هو هدف التعليم؟ ليس له عندهم سوى إجابة واحدة: هي الوظيفة؟ وبيئات العمل والإنتاج عندنا ليست معقدة، أو أنها لا توحي بالتنوع والثراء فهي يكفيها من يقرأ، ويكتب.. ويخطب إذا أمكن! هي هكذا بيئات العمل عندنا أو هذا، على الأقل، ما يشي به التعليم ومدخلاته ومخرجاته وهذا على الأقل أيضاً، ما توحي به الفرص المتاحة – بيسر وسهولة – للعمل بالنسبة إلى الشباب.

إن تكوين مجتمع العلم هو مهمة وطنية وتاريخية ومصيرية ملحَّة لكل العرب، والأكثر إلحاحاً في هذه المهمة هو بناء جيل تكنولوجي رائد لأنه – كما يقول د. إنطوان زحلان: “لا يفسح في المجال لتطور المجتمع بالمعنى الكامل للكلمة إلا عندما يكون المجتمع عازماً على التفاعل مع التكنولوجيا عبر مؤسساته القومية، وهذا الموقف من القوة البشرية والمؤسسات القومية هو شرط مسبق لظهور المجتمع العلمي” والتثقيف التكنولوجي، الذي لم نعطه بعد الاهتمام اللازم، هذا التثقيف الذي يعيش في – في مستوياته الوسطى – على فتات الجامعات والأكاديميات النظرية هو هدف أساسي لدى المجتمعات المتقدمة أو التي ترمي إلى التقدم والتفوق، فهي تأخذ له القوة البشرية “المختارة” لتنقل إليها “البراعة المهنية” اللازمة.

والدكتور هشام شرابي يسجل على المسيرة العربية هذه الملاحظة: “إذا كنا قد تمكنا أخيراً من الوقوف في وجه التحدي الغربي، وانتزاع بعض حقوقنا المشروعة منه، فإننا لا نزال على الصعيد النفسي والحضاري تحت سيطرته” ثم يضيف: “وهنا يكمن، في نظري، العامل الحاسم في مجابهتنا للتحدي الغربي”.

والتصدي لتلك الاستهلاكية الأخطبوطية يجب أن يجيء عبر قناتين: الأولى: وهي “تحويل المؤسسات التعليمية إلى مراكز للبحث العلمي المنتج، أي البحث الذي يوظف في خدمة احتياجات المجتمع الراهنة والمستقبلة” بحيث تكون مهمة تلك المؤسسات هي البحث المتواصل عن المقومات الذاتية لنهضة الأمة، والتركيز المستمر على اكتشاف كوامنها الطبيعية، واحتياجاتها الحقيقية، التي تهيئ لها التكامل الشامل في مختلف جوانب النهوض، بحيث تتجاوز مرحلة الاستهلاك إلى مرحلة الإنتاج والقوة والتأثير. ثم إن تلك المراكز ستكون ميداناً لتفريخ المواهب الفذة، أو استيعابها وتنميتها والعمل على تطويرها،  وتهيئتها لاستغلال إمكاناتها ومكنوناتها. وكل هذا يقودنا إلى القناة الثانية، وهي تحقيق “نظرية العلم” أو “علم العلم” الذي يفتح لنا آفاقاً واسعة وخصيبة. ومن أهدافه الرئيسية: “أن نخضع النشاط العلمي نفسه لدراسة علمية تضبطه وتجعل منه قدرة منظمة عملاقة، نستطيع توظيفها في خدمة التنمية الاجتماعية الشاملة”. ومسألة علاقة البحث والتعليم بالتنمية الاجتماعية تضعنا أمام ملاحظتين جديرتين بالتأمل والفحص وإعادة التركيب:

الأولى: وهي ما يلوك الحديث فيها كثيرون اليوم، دون تحديد أي برنامج عملي جماعي تطبيقي جدير بالمتابعة والرصد والتقويم، فقد ظل الحديث عنها مقتصراً على الجانب “الإنشائي” من جهة المنظرين، وعلى الجانب “الإدعائي” من جهة القائمين على العمل ونعني بتلك الملاحظة مسألة ارتباط المدرسة والجامعة بالمجتمع، فالأطروحة التي لا زال يلوح بها المثقفون من خارج المدرسة والجامعة هي أنهما ظلتا تعيشان واقع انفصال مخيف عن المجتمع، فهما بعيدتان عن مشكلاته، وعن طموحاته وتطلعاته، وعن احتياجاته الصميمية، وهناك من يستبد به الخوف من مدخلات الجامعة في التنمية الاجتماعية، أو من تجاوزها – كما يظن – لأهدافها التعليمية!، فيعمد إلى تكريس المفهوم “البارد” للعلم والتعليم، إذْ يؤكد ضرورة أن تتخذ المدرسة والجامعة موقفاً محايداً من التنمية “وذلك لكي تؤدي مهمتها العلمية في هدوء وإبداع، بينما نجد أن هناك من يعطي للمدرسة والجامعة دوراً ناهضاً في تحسس متطلبات النهوض فيرى “أن الجامعات والمدارس والمؤسسات الثقافية الأخرى متوجب عليها المشي وراء المجتمع” ونحن نضيف: وأمامه أيضاً، أما الملاحظة الثانية: فهي أن هناك العديدين من الذين يرون “أن التربية العربية (كنظرية وبكاملها) لا تزال تشكو في محتواها وفي بناها من آفتين كبيرتين: أولاهما: ضعف ارتباط النظام التربوي كماً ومحتوى بحاجات التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، والثانية عدم وضوح الفلسفة التربوية التي تثوي وراء هذا النظام، وضعف ارتباطها بالفلسفة الاجتماعية العامة” (د. عبدالله عبدالدائم. المستقبل العربي عدد 85).

د. أنطوان زحلان يرى أنه رغم “أن المجتمع الإسرائيلي هو خليط معقد من المجموعات العرقية التي تختلف مواقفها من العقلانية اختلافاً شاسعاً (..) تتوفر جميع الأسباب للاعتقاد بأن المجتمع الإسرائيلي موحد في التزامه بدعم برامجه العلمية والتكنولوجية وتعزيزها، ولا ريب في أن تفوقه المتواصل في العلم والتكنولوجيا مقارنة بالوطن العربي (كله)، هو هدف استراتيجي أساسي”. وربما يتمثل تأكيد النزعة الإسرائيلية نحو هذه الغايات الحضارية المثلى في أحداث أخرى كان يرصدها العالم بكثير من الإعجاب والدهشة، وقد عشنا بعضها على المستوى الإعلامي بكثير من الضجيج، وقليل من الإدراك لأهدافها الاستراتيجية البعيدة، وربما كنا نعزو الحماس فيها إلى القيمة العنصرية اليهودية، وربما كنا نعزوه أيضاً إلى الطموح الاستيطاني الذي كان يجسده البيان الصهيوني الذي يدعو جميع اليهود إلى العودة إلى فلسطين، وهذه إشكاليات واردة بالتأكيد، لكنه كان هناك ما هو أهم، وهو تعزيز النفوذ العلمي الإسرائيلي. إننا نعني تلك الجهود التي بذلت – ولازالت تبذل – لاجتذاب العلماء اليهود الذين يعيشون في الشتات “Diaspora” لـ “العودة أو الزيارة أو الانتماء إلى شبكة علاقات دولية لدعم العمل العلمي في إسرائيل” كل هذا في الوقت الذي نلمح فيه – بكل حزن وحسرة – تشتت العقول العربية، وهجرتها، وتشردها في أنحاء مختلفة من الأرض، بعد أن وجدت الإهمال، وبعد أن ضاقت بالعيش في أوطانها.

وبسبب تطور ذلك المجتمع من الناحية التكنولوجية، فإن براءات الاختراع التي أصدرتها إسرائيل وحدها لمواطنيها قد بلغت في عام 1972م (أي قبل 34 عاماً من الآن) حوالي 158 براءة (د. سينوت حليم دوس في بحث له عن قضية التكنولوجيا وبراءات الاختراع في الدول النامية)، ولم يتحقق مثل هذا العدد في البلدان العربية رغم الفارق الكبير في عدد السكان ورغم العمق الاستراتيجي البعيد في الموروث الحضاري! والمدهش أن طبيعة المناخ الذي يسود العلاقات بين إسرائيل وجيرانها وهي طبيعة صراعية لم يكن لها أي تأثيرات إيجابية على الطرف الآخر من معادلة الصراع وهم العرب، فلم يستفزهم هذا التفوق الإسرائيلي، ولم يدفعهم إلى آفاق المنافسة الحقيقية وهي شيء آخر غير التشبث بمثل لم تعد تكفي لتأكيد التفوق أو الأخذ بزمام الأمور، فـ”الحق” وحده لا يكفي لتحقيق الانتصار، والنتيجة دائماً هي تلك التي أكدها بكثير من الألم د. أسامة أمين الخولي، وهي أن الظاهرة الحضارية التي أخذت تتشكل منذ بداية العقد الماضي على هيئة عدد من التكنولوجيات الجديدة مثل الإليكترونيات، والهندسة الوراثية، واستخدامات الفضاء، أي ما يجمع العالم الآن على أنها تمثل نقلة نوعية في شكل الحضارة، قد أصبح لإسرائيل فهيا إسهامات رائدة ومشهودة وهي حريصة على امتلاك ناصيتها، ومن ثم تطويعها لخدمة أغراضها المدنية، والعسكرية.

فالإسرائيليون أدركوا منذ البدايات شروط “التفوق” ولوازمه، وهم بالتالي عملوا على تمثلها وتجسيدها، وكان يقف على رأس قائمة تلك الشروط واللوازم: الاهتمام بنظم التعليم وتحقيق القوة التكنولوجية الضاربة في المنطقة.. وإذا كنا قد اتفقنا على أن التحدي الصهيوني هو أول وجوه التحدي الغربي بالنسبة إلى شعوب المنطقة، وهو الألزم بالمواجهة فـ “إن الرد على التحدي الصهيوني لابد أن يكون رداً حضارياً أولاً وقبل كل شيء” وهذا الرد الحضاري في سماته العربية المتميزة هو مشروع ضخم، وطويل المدى، ومن أبرز مقومات بنائه، كما يرى د. عبدالله عبدالدائم، التربية والتعليم، أو بمعنى آخر تكوين مجتمع العلم.

ولأن إسرائيل نفسها قد أدركت هذه الحقيقة، فقد عملت بموجبها منذ بداياتها حتى استطاعت – على خلاف العرب – أن تنشئ مجتمع “النوعية” في مقابل “الكم” العربي الهائل الذي تعيث فيه الأمية من جهة، ويختنق بجحافل الموظفين، و “أشباح العلماء” من الجهة الأخرى.

ود. أسامة الخولي يقرر بأن “أمام إسرائيل فرصاً كبيرة على صعيد النوعية والفكر” ويقول بأن “وجودنا موضوع في الميزان القائم بين الكم العربي والنوعية اليهودية” .. فمنذ عام 1948م كان على الصهاينة أن ينظموا التعليم على أسس علمية سليمة، فقد أيقنوا أن قوتهم تكمن في التقدم الكمي والنوعي المعرفي بالمقارنة مع الفلسطينيين العرب الذين لم تسمح لهم حكومة الانتداب أن يتعلموا كما كانوا يرغبون، وكما يقول د. سمير هوانة في بحث له عن “نظام التعليم العام في الكيان الإسرائيلي”: “وقد استلزم هذا من قادة الدولة هذه أن ينظروا للتربية والتعليم نظرة جدية لبناء كيانهم الحربي، فقد قال جاكوب كلاتزمان وهو تربوي صهيوني معروف في إسرائيل: “التربية هي أيضاً من مستلزمات الدفاع الوطني” وكان أول عمل قامت به الدولة الجديدة هو فرض قانون التعليم الإجباري عام 1949م الذي كان من القضايا المستعجلة”. كل هذا كان يفعله الإسرائيليون في الوقت الذي كان العرب يسجلون فيه عجزهم الملحوظ عن إقامة قاعدة علمية صحيحة لمجتمعاتهم ولأجيالهم ولتطورهم. وكل هذا كان يهتم به الإسرائيليون لأنهم يعلمون أنه أمام حقيقة وجودهم غير المستقر، وأمام الكم البشري العربي الهائل، لا يستطيعون أن يستمروا دون “علم” ودون تكنولوجيا تجعلهم دائماً في مركز “المتفوق”، وتحفظ لهم دائماً أيضاً كل شروط الانتصار.

وفي بحث له عن “التعليم التكنولوجي وأثره في تحقيق أهداف الكيان الإسرائيلي” يقول د. انطوان زحلان: “إن أي كمية من التبرعات الخارجية، ومن القوة البشرية المهاجرة أو الأسلحة لم تكن لتجعل وجود إسرائيل ممكناً”. أما القوة التكنولوجية فقد جعلت ذلك ممكناً.. وأكثر!

ويا خوفنا الشديد من “أكثر” هذه!