شغلت القراء بالكتابة عن (عبث) اليمامة بالمقالات التي أكتبها، والتي بتُّ أصر على أن تنشر فيها. فهذه هي المرة الثالثة التي (أعلن) فيها براءتي من كل ما ينتشر في تلك المقالات من أخطاء مطبعية ونحوية، ومن كل ما تحفل به من عبارات ناقصة وركيكة وغير مفهومة في أكثر الأحيان.

شغلت القراء بكل ذلك، ولكن ما ذنبي أنا عندما تأبى مطابع هذه المجلة إلا أن تحملني كل أوزارها.

ستقولون: إنني – هنا – أداري السمعة كمتخصص في اللغة العربية وآدابها. فالمطابع المسكينة لا يمكن أن تنصب فاعلاً، أو ترفع مجروراً، كما لا يمكن أن تُعدي فعلاً لازماً، أو (تُلزم) فعلاً متعدياً، إلى ما هنالك من قضايا النحو والصرف وسلامة التركيب.

ولكن صدقوني أن في الطابق الأرضي في مبنى مؤسسة اليمامة، الواقع في شارع الخليج بالرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية مطابع لا تخاف الله. (لاحظوا أنني منعت كلمة مطابع من الصرف، وأنا أكتب هذه السطور، فلا تستغربوا أن رأيتم أنها بعد الطبع أصبحت مصروفة).

يوم كنت محرراً أدبياً في جريدة الرياض، كان أحد الزملاء القديرين مصححاً فيها، ورغم كفاءته اللغوية وتيقظه لبعض غفلاتي في هذا الميدان، كنت دائماً أُصِّر على مراجعة البروفات من بعده، حتى أن بعض الزملاء كان يحلو له أن يثير حولي بعض الشائعات المداعبة، مثل قوله: إني بعد كتابة الموضوع أقوم بـ(إعرابه) من أوله إلى آخره.

وحرصي الشديد هذا لا يعني أنني لم أكن أخطئ –جل من لا يُخطئ- ولكنه كان يعني أنني كنت (لا أريد) الخطأ، وأبذل كل جهدي لتلافيه.

كنت كذلك لأن الناس يشتدون في محاسبة خريجي الأقسام الأدبية –خصوصاً- ومعهم كل الحق في ذلك.

يقول بعض الأصدقاء: لا تهتم فالناس لا ينتبهون للأخطاء اللغوية والنحوية.

وهذا صحيح بالنسبة للسواد الأعظم منهم، ولكن هناك بعض (الخاصة) ممن يتوسمون في متخصص الترفع عن بعض الهفوات المشينة المخجلة، وهؤلاء هم الذين يصعدون في رأسي نسبة القلق والإرهاق. هذا بغضِّ النظر عن المسؤولية التي يضيق خناقها عليَّ كلما زعمت لنفسي بأنني (كاتب)، أو على الأقل أطمح لأن أكون كذلك. وهذه الأخيرة لا تأتي إلا في حالاتي النادرة من (التواضع) أجاركم الله.

أكتب الموضوع لليمامة وأنقحه وأصححه، ثم أودعه إحدى طائرات (السعودية) المتجهة إلى الرياض، ويوم الثلاثاء من كل أسبوع (أشرع) كالمجنون إلى الطابق الأرضي في العمارة التي أسكنها، أبحث في صندوق رسائلي عن العدد الأخير لأطمئن على سلامة ما بعثت للنشر، أي إحدى صور إدعائي بأنني أعرف الكتابة. وهنا تكون الكارثة، حيث أجد أن مجلتنا الحبيبة –كالعادة- لا تعمل إلا على إفساد كل صور هذا الادعاء، وهذه محمدة قد يشكرها لها أهل الفضيلة، لو أنها تتوقف عند مجرد (فضحها) حماقاتي، كما أرسمها أنا. ولكن المصيبة أنها تزيد في (تخربش) بأظافرها الطويلة بعض ما يستقيم مما أكتب، تحذف، أو تغفل كلمات  وعبارات، وأحياناً سطوراً بحالها، فينتقض معنى الجملة، ويضيع السياق، وربما ترتب على هذا الحذف أو هذا الإغفال بلبلة نحوية، يفوت على القارئ أن ليس للكاتب ذنب فيها.

وهي من وقت لآخر يحلو لها – وهذا هو الأدهى – أن تُحوِّر في إعراب بعض الكلمات وتبدل، حتى ليخيل إليّ أحياناً أنها غير مقتنعة ببعض ما (قعَّده) نحاة العرب، وسارت عليه الأمة إلى يومنا هذا.

في أحد مقالاتي الأخيرة كتبت هذه العبارة: يمارسون مع أنفسهم أعنف ما يمكن أن يطبقه مازوشتي ضد ذاته، وأقصى ما يمكن أن ينفذه سادي في حق الآخرين).

كدت أختنق عندما وجدت (اليمامة) بعدي تنصب كلمتي: مازوشستي وسادي.

يحلو لها كذلك أن تبدل في رسم بعض الكلمات ليحتسبها القراء أغلاطا  إملائية على الكاتب. أكتب: الناشئون،  فتكتب اليمامة: الناشؤون أكتب: يأبى فتكتب اليمامة: يابا، ولن أذهب أكثر من ذلك في استقصاء الأمثلة.

أحياناً أعجز عن الاقتناع بأن مثل هذه الأمور تكون أغلاطاً مطبعية، فيصعد في رأسي الإيمان بأن وراء هذه المكائن (شيطاناً) يريد أن يؤذي الوادعين في حقوقهم وفي أنفسهم، ولكني أعود فأضحك عندما أتذكر أن الشيطان لا يلج صفحات مجلة تحتفي بكتابة (البسملة) في أولها.

تتعبني محاولة العثور على تفسير لما تقترفه هذه الغالية في حقنا، فألجأ إلى الراحة والصمت.

في حومة الغضب يحدث أن أتخذ قراراً بأن (أصفعها)، أو أن أشكوها إلى أبيها (رئيس التحرير)، ولكني أتذكر فجأة أن اليمامة عشيقة لعينة تتمكن من كل شيء في نفسي، فيذوب قراري، تماماً كما أذوب أنا وهي، ترمي برأسها الصغير على صدري مرة في كل أسبوع.

أشهد أنها في الأشهر الأخيرة – إلى ما قبل شهرين- قد استطاعت أن  تتغلب على مرض الأخطاء، أو على الأصح الإهمال الطباعي، فكنت كغيري من المستبشرين بما تنشره لي.

اليوم و(حليمة تعود لعادتها القديمة)، أتوسل لسيدها أن يعيدها إلى الطريق الصواب قبل أن يتحول حبنا إلى جفوة، وقبل أن يردد الناس من جديد: سبحان الله! مرة أخرى يقتتل عاشقان.

(ملحوظة)

الجزء الخاص بـ( الخنيفر والجزيرة) غير موجود.