في كل مرحلة من مراحل مخاض التاريخ يختلط “الثقافي” بــ “السياسي” ليشكلا، بفاعلية ملحوظة، ملامح “الإستراتيجي” الجديد، وقد كانا ماضياً، بالحتم، النواة الأم في “الإستراتيجي” الآفل. وما الفلسفة إلا الأرضية التي ينمو من داخلها التصور الممكن للمستقبل بتحدياته وصراعاته، وبوسائله ومناهجه ونتاجاته المحتملة.

والعالم قبل انهيار الاتحاد السوفياتي، وانهيار الشيوعية معه، كان متجاذباً، ثقافياً وسياسياً، بين أيديولوجيتين رئيسيتين: الليبرالية الغربية والشيوعية: وهو قبل ذلك وبعده، متجاذباً بين تينك الأيديولوجيتين استراتيجياً.

أما ما عدا ذلك من عقائد أخرى، وديانات، ويقظات قومية، فلم تكن لتشغل سوى بعض الأطراف والهوامش في الصراع، وفي نتائجه.

لقد كان هناك، فعلاً، صراع سياسي واضح الملامح والقسمات، وكان هناك، في الوقت ذاته، تنافس ثقافي لا يقل عنه أهمية ووضوحاً. فالأيديولوجيتان تمتدان باتساع الأرض في مختلف الحقول الممكنة والمتاحة. والخطابان الفلسفيان السائدان، باتساع الأرض أيضاً، هما الخطاب الليبرالي الغربي بكل مثالياته، والخطاب الماركسي، أو الشيوعي، بكل أنماط جدلياته.

كان الصراع والتنافس يمتد، إذن، خارج الاتحاد السوفياتي وخارج الغرب بجناحيه: أوروبا وأمريكا فالماركسية، كثقافة وليس كأنظمة فسحب، تغطي مساحات معتبرة من جغرافيا العالم وكذلك الليبرالية الغربية. بل لقد كان ذلك الصراع وذلك التنافس يسيران حثيثاً في توسعهما دون أن يأبها للعوائق التي يمكن أن تثيرها العقائد المحلية كالإسلام في الشرق الأوسط، أو البوذية والديانات الأخرى في الهند والشرق الأقصى مثلاً. كما أنهما كذلك لم يكونا يأبهان لليقظات القومية في بعض أقطار العالم الثالث: إفريقيا وأمريكا اللاتينية مثلاً أيضاً. فالأيديولوجيتان تنطويان على بريقهما الذاتي الأخاذ، ويسندهما في الوقت نفسه قوة عسكرية، وأخرى اقتصادية، ولا ينافسهما أي منافس آخر في أي مكان.

لعل السياق السابق ينطوي في داخله على بعض ملامح الإستراتيجية التي كان يهدف إليها ذلك الصراع وذلك التنافس، أو أنهما يقتضيانها ويفضيان إليها في آن معاً. فلم نعدم، والحال هكذا، إمكانية تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ ليس فقط عسكرية واقتصادية ولكن أيضاً ثقافية. فلقد انقلبت بعض الفئات الثقافية على نفسها في كثير من مناطق العالم وشمل حتى المناطق التي كانت تتحصن بعقائدها الخاصة القوية العريقة. نقول: انقلبت بعض الفئات على نفسها لتجد أنها تخترق إطارها الخاص (المحلي) لتتشبث، سياسياً وفكرياً وثقافياً، بإحدى الأيديولوجيتين.. نعم لقد حدث ذلك في أقطار لها ديانات عريقة كالإسلام. وقد حدث ذلك أيضاً في مناطق تمتاز بيقظاتها القومية.. تلك اليقظات التي تمثل الأس الأصيل في وقود بنياتها الاجتماعية والسياسية والثقافية.

لقد كانت التجربتان السوفياتية والغربية (الأمريكية تحديداً إن شئت) هما التجربتان السائدتان باتساع الأرض، فتضمحل في مواجهتهما في كثير من الأحيان كل التجارب المحلية، أو أنها تندمج بإحداها دون تردد. والمجتمعات أو الشعوب، الصغيرة الضعيفة، قد تضطر، استجابة لوضع كهذا، أن تبحث في داخل موروثاتها عن مسوغات، وهمية مفتعلة أحياناً، لاعتناق إحدى الأيديولوجيتين. فهي، في واقع الأمر، تتطلع إلى الخلاص من دواعي فقرها، وظروف تخلفها، وأنواع الاضطهادات التي تقاسيها، لاسيما باتجاه السلطات المحلية التي كانت تعجز – فعلاً – عن أن تقدم لها الرخاء الاقتصادي الذي تريد أو الحريات التي تبتغيها وتطمح إليها. فوجدنا أنفسنا، في العالم العربي مثلاً، أمام نتاجات ثقافية متدفقة، تناغي نماذج الحريات في الغرب، أو تبشر فردوس البروليتاريا الموعود في الشرق، إبداعياً: في الشعر والمسرح والرواية والقصة. أو فكرياًُ: في الأبحاث والدراسات والمراجعات. وقد ذهب المثقفون العرب، مدفوعين أحياناً ببعض الأنظمة السياسية المؤدلجة، إلى التعمق في البحث عن مسوغات اعتناق الأيديولوجيا الوافدة، إلى درجة اكتشاف/ اختلاق علاقات صميمية كامن بين الإسلام، الذي يعتنقه الناس ويؤمنون به ويثقون في مستقبله، والأيديولوجيا الوافدة، سواء أكانت غربية أم شرقية، فالاشتراكية هي بنت الإسلام، والاقتصاد الحر هو روحه ومنطقة.

هكذا كان يتفشى الصراع بين الأيديولوجيتين، إلى أن أصبح موضوعاً حيوياً ومصيرياً للبيئات الثقافية المختلفة خارج الاتحاد السوفياتي والغرب. ولقد تجاوز، حتماً، مستواه السياسي (توزُّع مناطق النفوذ) إلى المستوى الثقافي: إبداعاً وفكراً. بل لقد برز على خريطة العالم الثقافية أكثر من نموذج للمحافظة، وأكثر من نموذج للثورية. أكثر من نموذج لليبرالية، وأكثر من نموذج للماركسية أو الاشتراكية. أكثر من نموذج للرجعية، وأكثر من نموذج للتقدمية، حتى داخل الغرب نفسه (أوروبا تحديداً) وهي كلها نماذج مستلهمة من الأيديولوجيتين الأم، أو هي نتاج طبيعي لتطور الصراع والمنافسة وتوالدهما.

يومها كانت الوجاهة الثقافية، بمعناها الإيجابي، في عالمنا العربي، هي في التمكن من أدوات أحد الخطابين، فكل واحدٍ منهما له فلسفته، وله مبرراته في التبشير بالخلاص والمستقبل الأفضل. وقد أخلص لهما العديد من المثقفين الذين يصدرون في أرائهم وأفكارهم ومواقفهم عن إيمان صادق وإخلاص.

ويومها لم تكن الأصوات الثقافية الأخرى تجد مساحتها المتوخاة من حيث الصدى والتأثير، فهي موصومة بالتخلف والتكلس والانغلاق والانكفاء على الذات.

وقد تزامن، في العالم العربي، فشل آخر المشروعات الثقافية أو السياسية المنتمية إلى أي من الأيدلوجيتين مع نذر فشل المشروع السوفياتي نفسه، في داخله، أو في ملحقاته من الإتباع الآخرين. وقبل أن ينهار الاتحاد السوفياتي تماماً كانت قد طفحت على السطح أصوات واضحة لم تعد ترى في التجارب العربية، الليبرالية أو الماركسية المختلفة، سياسياً على الأقل، إلا الفشل والهزيمة، ومزيداً من الفقر، والبطالة، والاضطهاد، والتشرد. أما عندما أنهار الاتحاد السوفياتي تماماً فإن العرب (بعض فئات من المثقفين) كانوا قد قطعوا شوطاً بعيداً في محاولات أستلهام ما هو “محلي”: الدين، والموروث الثقافي في كل جوانبه وتجلياته. وربما كان فشل التجارب الأخرى السابقة التي لم تجرنا إلا إلى تكريس الهزائم والاضطهاد، إضافة إلى العودة النهمة في استلهام “المحلي” نقول ربما كان ذلك كله هو، بمعنى ما، المقدمات الصحيحة التي أدت إلى ظهور ا”الصحوة” الجديدة، أو نشوء ما يسمى بالجيل الأصولي الذي بات لا يخفي عدائيته الشديدة للشرق وللغرب معاً.

وفي ظل معطيات جديدة: هي انهيار الاتحاد السوفياتي وانهيار أيديولوجيته، وهي أيضاً ازدياد عنفوان الغرب وسيادة أيديولوجيته، وهي، أخيراً، ظهور طبقة ثقافية واسعة تعول على المحلي، والمحلي هنا هو الإسلام: عقيدة وثقافة.. نقول في ظل هذه المعطيات الجديدة: كان لابد أن نجد أنفسنا أمام تحديات حضارية وثقافية جديدة أحسب أننا لم نشهد لها مثيلاً من قبل: تكتيكياً واستراتيجياً. فإذا حذفنا من المعادلة القديمة الاتحاد السوفياتي الذي أنهار، فإن النظام القائم (النظام الدولي الجديد) يبدو لنا بوضوح “أحادى القطب”. وهذا ينذر حتماً باستبداد جديد (استراتيجية ليس لها بديل في المنظور القريب على الأقل). وأحادية القطب هنا تعني التفرد بالسيادة، وهذا يقتضي بالضرورة تكتيكات تختلف عما كان الأمر عليه في الماضي، أيام كان هناك قطب آخر، ينافس ويصارع ويسابق إلى اكتساب مساحات جديدة في الجغرافيا والثقافة.

ويمكن اختزال تصورنا للنظام الدولي الجديد في أنه جملة من المتغيرات الهائلة التي بدأت عام 1985م وبلغت ذروتها عام 1989م بانهيار النظم الشيوعية في أوروبا الشرقية، وما أفرزته هذه المتغيرات من حركة في موازين القوة الدولية. ولمزيد من التفصيل فإن المتغيرات التي شكلت أرضية النظام الدولي الجديد يأتي في مقدمتها:

‌أ.        انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية 1989م.

‌ب.   انهيار حلف “وارسو” الذي كان يمثل مركز القوة المكافئ لحلف شمال الأطلنطي (الناتو) منذ الخمسينيات.

‌ج.    حرب الخليج وما نجم عنها من إجماع دولي وتعاون سوفياتي/ أمريكي، ونتائجها المتعددة على الساحة الإقليمية (العالم العربي) والدولية.

‌د.       سقوط الاتحاد السوفياتي نهائياً كدولة عظمى، وتفككه إلى دويلات متعددة مستقلة.

‌ه.      توحيد ألمانيا لتصبح قوة رئيسية.

‌و.       الوحدة الأوروبية المقترحة (1993م) وهي وحدة ستجعل من أوروبا (الجناح الغربي الآخر) قوة ذات إمكانات مادية وتكنولوجية وبشرية هائلة.

هذه المتغيرات مجتمعة، وتفاعلاتها، جعلت الولايات المتحدة (أيديولوجيا الغربية عموماً) تبرز كقوة عظمى وحيدة في العالم.

إن النظام الدولي الجديد إذن مصمم لخدمة المصالح الوطنية الأمريكية، أي، بتناول آخر، الغرب وأيديولوجياته وثقافته عموماً. وفي هذا الصدد يلاحظ:

1) أن العالم العربي ليس بمقدوره البتة أن يكون شريكاً في صنع ذلك النظام، بل إنه في أحيان كثيرة لم يتمكن من هضم عناصره أو اللحاق بمستجداته السريعة.

 2) الحق الغزو العراقي للكويت وحرب الخليج ضرراً بالغاً بالموقف العربي كله. ولسوء حظ العرب فقد جاءت تلك الأزمة في اللحظة الحاسمة من مخاض النظام الدولي الجديد، ليبدو العالم العربي ممزقاً سياسياً، وضعيفاًن ومليئاً بالعداوات. ومن المؤكد أن تلك الصورة لم تكن لتؤهل العالم العربي لاحتلال أي مقعد حول الطاولة التي كانت تعيد تشكيل مراكز النفوذ في العالم.

وربما كان من سوء حظ الهيمنة الغربية الجديدة أنها – هي بدورها – جاءت في وقت كان يتصاعد فيه، بصورة مذهلة، التعلق بالمحلي، والتشبث به، والثقة فيه. والذي هو، عند الغرب، معادل للإرهاب والتخلف، أي مشروع النقيض الجديد، بعد انهيار الشيوعية، وهو نقيض سيجده مطروحاً في طريقه في عناد لا يستهان به. وقد اخترنا لفظة “عناد” لأنها الأقرب في نظرنا إلى عكس واقع المواجهة المحتملة بين الأيديولوجيا الغربية والإسلام. فواقع المسلمين اليوم لا يتيح التفكير في “صراع” حقيقي مع الغرب، وذلك لضعف هذا الواقع من جهة، ولما اعتاده العرب من تبعية للأقوى، في الاقتصاد، والسياسة، والثقافة بشكل عام من جهة أخرى. وحتى وإن لم يكن هناك صراع حقيقي مع الإسلام، حالياً على الأقل، فإن الغرب تقلقه أية يقظة حقيقية عند المسلمين، وذلك لظروف آنية، وهي أن هؤلاء يتمكنون من أضخم مصدر للطاقة والمواد الخام في العالم، كما أنهم يشكلون سوقاً هامة (مليار وربع نسمة) لمنتجاته الصناعية، فضلاً عن صناعاته العسكرية أو الحربية التي يستهلكونها في حروبهم وصراعاتهم الداخلية. كل هذا إضافة إلى مصدر آخر لقلق الغرب من أية يقظة حقيقية عند المسلمين وهو مصدر مرتبط في الأساس بالفكرة الإسلامية التي تتمحور حولها عالمية الإسلام، وأنه دين لكل البشرية، وأن واجب الدعوة إليه، وواجب نشره في الأرجاء، أمر يطال كل مسلم إلى يوم يبعثون. كما أن “الجهاد” ومحاربة الشرك والمشركين جزء أصيل في العقيدة المحمدية، وقد ألح عليها القرآن الكريم في آياته، ورددتها السنة النبوية المطهرة في أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله. وتاريخ الإسلام القديم مع الغرب تاريخ مشهود في الفتح، وفي شرعية الدعوة إلى الإسلام. فإذا نظر الغرب، فوق كل ذلك، إلى “الجزر الإسلامية” التي تشكلت، اليوم، في إطاره، وضمن محيط حدده (المهاجرون والجاليات الإسلامية) إضافة إلى انتشار الإسلام بين صفوف مواطنيه (السود في أمريكا مثلاً) مهما بدا هذا الانتشار محدوداً، فإن ذاكرة الغرب الحضارية والتاريخية، في هذه الحالة، ليس بمقدورها الإنعتاق من فكرة “فتح” جديد، مهما بدا، في الوقت الحاضر، بعيداً، بل مستحيلاً، ومهما تعددت احتمالات أوجه ذلك الفتح وأنماطه وأساليبه. والغرب اليوم بعد أن تمكن من سيادة العالم، أيديولوجيا وسياسياً، فإنه لا شك يسعى حثيثاً إلى تعميق هذه السيادة، وإلى حشد كل الضمانات والاحترازات اللازمة لبقائها واستمرارها. لا بل أنه سيفعل كل شيء من أجل حمايتها حتى من مجرد منغصات أو مزعجات قد تعكر صفوها. إن نشوة انتصار الأيديولوجيا الغربية على نقيضها الحقيقي في المعسكر الشرقي، لن تسمح بقيام أية احتمالات لأيديولوجيات نقيضة.

فاليابان لن يكون مصدر التنغيص أو الإزعاج، فهو النموذج “الغربي” الأمثل في الشرق، وهو يرتبط بالعديد من المصالح العريقة القوية مع الغرب. والصين، على أنها لازالت على الماركسية، إلا أنها ما تفتأ تتقرب إلى الغرب، وتلوي وجهها عن افتعال أية صراعات حقيقية معه، وإلا فإنها ستنتهي إلى ما أنتهى إليه الاتحاد السوفياتي. فهي، إذن، غير قادرة على تسلم راية الصراع العقائدي، والحرب الأيديولوجية، من الاتحاد السوفياتي المنهار. والهند بعيدة كل البعد عن أية يقظة دينية صميمية ممكنة، نظراً لظروفها الخاصة اقتصادياً وثقافياً. وخصوم الغرب في العالم، ومنه الجزء العربي، أنحشروا في زاوية ضيقة، وأصبحوا تحت ضغط هائل، ومصير مجهول لا يظهر منه إلا الجانب الأسوأ.

في ظل هذه المعطيات جميعاً لابد من “نقيض” شرس، مهما بدا، من ناحية موضوعية منصفة، موهوماً وغير حقيقي، وليكن في نظر الغرب: الإسلام وكثير من أدبيات الأيديولوجيا الغربية، في القديم، كانت ما تنفك تواصل تحذيراتها من الإسلام/ الفتح والجهاد. وكثير من تلك الأدبيات، حالياً، لم تعد تحفل إلا بالتركيز على “النقيض” الوحيد، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وهو طبعاً الإسلام/ الإرهاب، والتخلف وغياب الديمقراطية، وحقوق الإنسان وقد تصادف، كما ألمحنا في مكان سابق، أن هذه الحملة على الإسلام تأتي في وقت تشتد فيه الصحوات المحلية المنادية بالإسلام بديلاً لكل ما سواه من أفكار وأنظمة وأيديولوجيات أخرى، وفي وقت تلتهب فيه بشراسة عدائية فئات من المثقفين لأمريكا والغرب كله، وفي وقت ترتفع فيه لأول مرة، منذ دهور طويلة، راية “الجهاد” الحقيقي لتدحض أعنف قوة عسكرية محتلة: النموذج الأفغاني في مواجهة الاتحاد السوفياتي وفي وقت يقف فيه المثقفون العرب والمسلمون وقفة جادة من مراجعة تراثهم وتقويمه وإعادة إنتاجه. وهنا كان لابد لأدبيات الأيدولوجيا الغربية أن تجد في هذه العناصر بالذات مبرراتها، أو المسوغات التي تتيح لها أن تنصب من الإسلام الخصم الأشرس للغرب، ولطروحاته، واقتراحاته، وثقافته. وما فرنسيس فوكوياما في “نهاية التاريخ” وفي غيره من المقالات الأخرى إلا واحدا من المثقفين الغربيين الذين كرسوا، ويكرسون، هذه النظرة إلى الإسلام.

إن فوكوياما، مثلاً، يدرك “أن الليبرالية الغربية بانتصارها على العقيدة الماركسية الشيوعية تكرس مركزاً عالمياً متفوقاً، وانتصاراً عاماً ليس له منازع. وقد يكون هناك أخطار فرعية أو هامشية ولكنها لا تغير من حقيقة انتصار قيمها الليبرالية الغربية وفكرها. وتلك الأخطار لا تتمثل، في رأي فوكوياما، في عقائد الصين والهند والدينية: من بوذية وكونفوشيوسية، أو وضعية: من ماركسية وغيرها. بل تتمثل في الإسلام، والحركات الأصولية، واليقظات القومية. وأغلبها يتمركز في العالم الثالث: آسيا وإفريقيا يقول الدكتور نذير العظمة (الرياض 20/7/1992م) “ولا نعلم شيئاً عن مركز أمريكا اللاتينية في فكر فوكوياما فهو ضمنياً يدرجها في إطار الليبرالية الغربية، مع أن أمريكا اللاتينية تتمخض عن حركات قومية وأصولية في آن في إطار الكنيسة الكاثوليكية والصحوة القومية. لكن المنتصر الذي يريد أن يرسخ حقيقته وقيمة يغيب شطراً من الخريطة الإستراتيجية ليصل إلى ما يريد. وتغييب الهند والصين وأمريكا اللاتينية لبزوغ نقيض الليبرالية الغربية يعني أن ينصب الاهتمام على نقيض وهمي، نظري وغير حقيقي، أو غير متجسد بعد في الحركة الفعلية للتاريخ. حتى أن فوكوياما الذي أعلن في مقاله الرئيسي الإسلام واليقظة القومية (العالم الثالث) كندٍ ونقيضٍ لا يمكنه التعايش مع الليبرالية الغربية وقيمها يعود فيعلن في مجلة Dialogue (حوار) عام 1990م في معرض ردِّه على خصومه: إن الخطر من الإسلام والثورات القومية لا يمكن (حالياً طبعاً!) أن يغير شيئاً من الصورة التي طرحها لانتصار الغرب وانتصار أيديولوجيته وفكره”.

إن الغرب، في حقيقة الأمر، لا يخفي إحساسه كما ألمحنا سابقاً، بأن الإسلام، في مواجهة انتصار الأيديولوجا الغربية، سيكتفي مرحلياً بدور المنغص، أو المزعج، أو المعرقل لبعض التطلعات الغربية التي تهدف إلى إحكام مزيد من وسائل الهيمنة والتسلط. وإن الغرب، في الوقت نفسه، غير قادر على التخلص من ذاكرته التاريخية القديمة مع الإسلام، مهما اختلف صورة واقع الإسلام والمسلمين اليوم عنها في الماضي، أيام الفتح وأيام الجهاد. ولكن المتتبع لأدبيات الأيديولوجيا الغربية حديثاً. وبالذات ما يطرحه أمثال فرنسيس فوكوياما، يمكن أن يتبين صورة “الآخر” الأيديولوجية “عندما يحاول – كما يقول الدكتور العظمة – أن يرسم صورتنا نحن فهي في جانب مهم من جوانبها تبريرية ولتبقي المنتصر منتصراً أو المهزوم مهزوماً، وهي تغلق أبواب التحول والتطور إلا في اتجاه القيم الغربية، ولتبقي أمم الشمال حيث هي، وأمم الجنوب حيث هي. وهي في بعض جوانبها الأخرى تحريضية، إذ تعلن سلفاً من أين سيأتي الخطر – الإرهاب. وهذا بحد ذاته قد يبرر الإجراءات الاحترازية، والقرارات السياسية، التي تتشكل دفاعاً عن الغرب، كما تحرض على إرهاب حضاري فعلى ضد إرهاب موهوم لم يولد بعد في العالم الإسلامي”.

إن العلاقة الحضارية الثقافية، هكذا، بين الغرب والإسلام علاقة يسودها التوتر، ويكسوها الحذر والتوجس والتربص. وعلى الرغم مما أعلنه مؤخراً ساسه البيت الأبيض، من أن الغرب لا يكن للإسلام إلا الخير والاحترام، إلا أن ما يتطلبه أو يستوجبه ظرف سياسي معين شيء، وما تقتضيه قيم ثقافية وحضارية وتاريخية شيء آخر. وإذا كانت السياسة تحكمها وتكيفها المصالح القائمة، فإن تناقض الأيديولوجيا لابد أن يؤخذ على أنه أكثر رسوخاً في المدى القريب والبعيد. فإذا كان المصلحة قد اقتضت أن يقف الغرب (أمريكا تحديداً) مع الأفغان في جهادهم ضد قوى الاحتلال السوفياتية، فإن تناقض الأيديولوجيا، وتنافر الثقافة، هو الذي جعل ذلك الغرب نفسه يكتفي بالتصريحات الصحفية في الانتصار للبوسنة والهرسك تجاه ما يلقون من مذابح على أيدي الصرب: ولم نعدم أن نسمع بوضوح شديد من يقول، في المعسكر الغربي، بضرورة عدم قبول أي تشكل إسلامي في محيط من الأوروبيين، والمسيحية، والليبرالية الغربية الحديثة المنشأ في أوروبا الرقية بالذات.

ومرة أخرى فإن المصالح السياسية الماثلة القائمة شيء، وإن التناقضات العقائدية والثقافية شيء آخر. ولا ننصح العرب إلا بأن يكونوا سياسيين حينما يأتي وقت السياسة والمصالح الراهنة، وأن يكونوا أصحاب حضارة وثقافة “أخرى” حينما يجئ وقت الثقافة أو الحضارة. والغرب، مع ضرورة مراعاة مصالحه الآنية أو الراهنة، لن يفرط أبداً في أي شيء مما تحقق له من الانتصارات، وسيظل يرى منذ الآن، أن حضارته هي الحضارة السيدة المتفوقة، وأن الحضارات المتناقضة معها، أو المخالفة لها أو غير المنسجمة مع قيمها، هي حضارات همجية إرهابية متخلفة.

وفي ظل هذه الصورة لعلاقة الغرب بالإسلام، أو أكثر تحديداً، علاقة الغرب بالعرب، يمكننا أن نتحدث عن تصور بسيط لمستقبل ما للثقافة العربية هكذا:

أولاً: لاشك أن التطورات والأحداث والهزات التي شهدها العالم، منذ منتصف الثمانينيات، قد تركت تأثيراتها على العالم العربي، من حيث الانقلاب الذي أحدثته في فرضياته، ومسلماته القومية والسياسية، وتحالفاته الإستراتيجية، وسيكولوجيته.

ثانياً: يصعب عزل الثقافة عن واقعها الاجتماعي/ السياسي، ولهذا فالثقافة العربية في حاجة عاجلة إلى إرساء أولويات وأهداف قومية وسياسية واجتماعية واقتصادية جديدة.

ثالثاًُ: لن تحظى الثقافة العربية عموماً بالمكانة الدولية التي تسحقها إلا إذا استردت الشخصية العربية إحساسها بالكرامة والثقة بالنفس، ثم ازداد تعميق تشبثها بحضارتها وتاريخها.

رابعاً: الانعزال، أو الانكفاء على الذات، ليس هو الحل، أو ليس هو الموقف المطلوب، في مواجهة التحدي المتعدد الجوانب الذي يواجهه العالم العربي، ومن الضروري إزجاء مزيد من التشجيع على العودة إلى جذور الحضارة العربية وتاريخها، لاستلهام روح انطلاقة جديدة، مع الأخذ بالمتاح المباح مما أنجزه الغرب نفسه من مناهج ووسائل وأفكار.

خامساً: إن على منابر الفكر والثقافة في العالم العربي دوراً كبيراً في الأخذ بزمام المبادرة على صعيد مقاومة نزعة الاستسلام السلبي الغبي لكل ما هو مستورد من “قوى النفوذ” الجديدة في العالم. فحالة الصدمة العربية: الهزائم والاضطهادات، كانت، إلى وقت ليس ببعيد، ما تنفك تفرز شعوراً عميقاً بالشك في مصداقية كل ما هو عربي الهوية، بما في ذلك القيم الإنسانية والروحية التي يبشر بها الإبداع الثقافي في جميع مناحيه. فمن مهمة تلك المنابر أن تسهم في إذكاء الروح الجديدة التي ترمي إلى استلهام “المحلي”، والثقة به. ومن مهمتها أيضاً أن تبسط حقيقة العلاقة الحضارية مع الغرب، ومع قوى النفوذ الأخرى.

سادساً: نحن لا نصادر “الآخر” ولا ننكر أهمية الالتقاء به.. سياسياً ضمن ما تمليه مصالحنا. وثقافياً ضمن ما تقتضيه ضرورات الحوار، وشرعية الاقتباس، وتلاقح التجارب، ومراجعات الانجاز. ولكن هذا المفهوم للعلاقات المتوخاة بالغرب لا يمكن أن يحجب الحجم الصارخ لحضوره القوي بيننا، ومثوله الشديد في تفكيرنا، ورسوخه المتمكن في مناهجنا. فلابد أن نتفق على أن حضارتنا العربية المعاصرة، لاسيما في وجهها المادي، هي في التقويم النهائي حضارة مغلوبة، وبالتالي مقلدة وتابعة ومستهلكة (بكسر اللام) وفضلاً عن هذا المنظور الموجع لحقيقة الوجه المادي لحضارتنا المعاصرة فإن الخطر لا يقف عند حدود الإنجاز التكنولوجي في مجالاته المختلفة، بل يمتد إلى أدوات تشكيل الوعي العلمي والمعرفي والإبداعي، وهذا هو الأهم. فالثورة الكبيرة التي تحققت في مجال تنقل المعلومات، والتسهيلات العجيبة التي حدثت وتحدث في ميادين الاتصال عملت كلها على تكريس تبعية منطقتنا، وعلى تعزيز شهوات الاستهلاك فيها. إضافة إلى ذلك فإن انتصار الأيديولوجيا الغربية مؤخراً قد يعود فيخدعونا، ومعنا كل الشعوب الضعيفة الأخرى، فيزيد فينا الانبهار بــ “الآخر” المعجزة. ومهما كان حجم الالتفات إلى المحلي، والثقة به، إلا أن حجم الهجوم يعد أكبر مما نتصور. إنا نلح هنا على الإمعان في تعزيز كل إمكانات المحافظة على المقومات الذاتية، وحمايتها من أي ضعف طارئ، أو ذوبان في مغريات طروحات الآخر. ولكن دعوة كهذه تظل، في مؤداها الأخير، صيغةً فضفاضة لا تجد في المناهج العربية القائمة ما يمكن أن يحولها – فعلاً – إلى برامج طموحة، تستطع أن تقحم تلك المقومات الذاتية إلى واجهة الفعل بما يتلائم مع منطق العصر ولغته ومفاهيمه. فالحق أن هناك عدداً من العوامل التي تعرقل النية في وضع أمثال تلك البرامج الطموحة، أو هي تفسد التفكير فيها من الأساس، وليس أول تلك العوامل الضعف العام الذي يهيمن على الواقع العربي ككل، وليس آخرها بهوت العقلية العربية نفسها، ووهنها، وافتقادها إلى المنهجية العلمية وشجاعة التحليل، والتجرد من العواطف السمجة.

سابعاً: إن الإنجاز التكنولوجي الغربي ليس له أن يكون إنجازاً محايداً، على الرغم مما قد يبدو عليه مما هو خلاف لذلك. إن ذلك الإنجاز، واقعياً سيظل يحمل تحت معطفه شيئاً من أيديولوجيات “الآخر”، وطريقة تفكيره، ومفاهيمه، وأسلوبه في المعيش، وفهمه الحياة وموقفه منها. وفي الإنجاز التكنولوجي الغربي تعزيز لحضوره، وتأكيد لقوته، وأما هذا النوع من “السيادة” لابد من العمل، منذ الآن، على خلق أجيالا تستطيع أن تستوعب حركة الإنجازات العلمية، كي تتجاوز هذه الأمة، على المدى البعيد، من مستوى الاستهلاك إلى مستوى الخلق، وهذا يتطلب مراجعة شاملة وصميمية لكل مناهج التعليم، لتتواءم مع حاجات التقدم والقوة والمنافسة والانعتاق من ظروف الاتكال على الغير.

د. فهد العرابي الحارثي