فصل في كتاب (إمضاء لذاكرة الوفاء)

* * نفتقد أناساً غادروا الوظيفة العامة أو المشهد الإعلامي في وقت مبكر من عمرهم أو تجربتهم؛ ونظن – غير آثمين – أن لإمكاناتهم مكاناً شاغراً يستحق أن يشغل بهم، وبخاصة أن الكم لا يغني عن الكيف وأن الشهادات لا تصلح عنواناً أو حد للجدارة بعدما كثير المتعلمون وقل العلماء، وتعدد الممارسون وتضاءلت المهنية، واصطفّ العاطلون رغم الفراغات التي لم تملأ؛ لكنها قصور الكفاءة وندرة الأكفياء.

* *  لا نفتأ نذكر أننا خسرنا فهد الدغيثر ومحمد الطويل ومنصور التركي وسليمان السليم وعبدالرحمن الشبيلي وآخرين تواروا في أوج عطائهم ولا تزال كراسيهم تتذكر حضوراً لهم وغياباً من بعدهم ولبُعدهم، ودون أن يمس ذلك انتقاصاً من خلفائهم، لكنها طبيعة الحياة ترتبط بالأحياء  أحياناً؛ فلا تكاد تنفصل فيها المدارات عن الأدوار، والمساءات عن النهار.

* *  كذا نحس حين يمر ذكر الدكتور فهد العرابي الحارثي الذي خسرته الصحافة المطبوعة؛ حين غادر «ليمامة» و «الوطن»، ولم نعد نراه حتى كاتب زاوية –مثلما عهدناه- مؤثراً – كما فعل المنسحبون غيره – التفرغ لأعمالهم الخاصة، مسرورين أن نأوا؛ فقد وجدوا في العمل “الحر” بمختلف أنماطه ما أيقظ فيهم أحاسيس أخرى أستهلكها العمل العام فلم يدروا أنها تنتسب لهم أو يأنسون بها؛ حتى إذا جربوها أسفوا على ما ضاع لا ما ضاء قبلها.

* *  فهد الحارثي صحفي من قمة رأسه حتى أخمص قدمه، وكنا – الجيل التالي لجيله – نتابع ذلك البدوي «الباريسي» وهو يذيل مقالاته من «الحي اللاتيني»؛ حتى سار بنا الزمن، وجدنا أنفسنا – دون تفكير – ننقاد – برغبة – إلى مقاهي ذلك الحي العتيق؛ فالفتى الأنيق كان هناك، مثلما كان سهيل إدريس وعبدالرحمن بدوي، وكما مشت خطى طه حسين ورفاعة الطهطاوي وزكي مبارك وغالي شكري ومن جاء معهم وقبلهم وبعدهم، مستذكرين مقولة كامل الزهيري (1937 – 2008م) «فرنسا هي باريس، وباريس هي الحي اللاتيني».

* *  كان الحارثي يكتب من باريس، وكنا نتأمل كلماته التي تشبهنا، دون أن نغادر ملابسنا وحاراتنا ولغتنا الوحيدة ووجه الأم الجميل ودعوات الجدة الصادقة، ثم نحلم أننا نحلم، فنصحوا على الثريا الصاعدة نحو الشمال؛ فنظنها تمر بديار هوغو ولا مارتين لتبلغهم تحيات سهيل اليماني فتقول: «صلوا أو مروا طيف الخيال يزور».

* *  هكذا أثر بنا “أبو محمد” دون أن يدري، وهكذا طللنا نتابعه بعد

عودته و«اليمامة» تعانق الذرى، و«الوطن» يوثق العرى،

ولم يكن من المهم أن نلتقيه أو نأخذ عنه؛ فقد وعينا

عنه ومنه ما كفانا زمنا لعله أجمل الزمن.

* *  اثنا عشر عاماً أستاذا جامعياً ورئيس تحرير،

ومثلها عضواً في مجلس الشورى، ومؤلفا ومحكما

ومراجعاً ومستشاراً ومحاضراً ورئيس مركز

للبحوث والدراسات الإعلامية، وقلما يحمل جمالاً

وجزالة وجرأة، هكذا نعرف الحارثي وهكذا نألفه،

مؤملين أن يعود إلى الحضور الكتابي المنتظم فمثله

يُفتقد.

العاديون (فقط) يتكررون