أكد الدكتور فهد العرابي الحارثي رئيس مركز أسبار للدراسات والاستشارات أن الملك عبدالله له إيمان مطلق بأنه لا بد أن ينقل هذه البلاد إلى مستوى متقدم في ما يتعلق بعلاقتها بالمستقبل وبالعالم، في سياق النهج الإصلاحي، مدللاً على ذلك بما تشهده المملكة في عهده فيما يتعلق بالمرأة وحقوق الإنسان والحريات العامة وإصلاح القضاء والإصلاحات الإدارية الأخرى والمشروعات التنموية مثل جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاويست)، واهتمام جلالته الشخصي بتقنية النانو، مشيرًا إلى أن الملك عبدالله من الزعماء القلائل الذين اهتموا بهذا الموضوع، مبينًا أن المملكة تشهد حاليًا انفتاحًا في الحريات العامة وحرية الصحافة والرأي بشكل لم تشهد المملكة له مثيلاً من قبل. موضحًا أنه لم يأخذ أي موافقة من أي شخص على أول ظهور لي في قناة الجزيرة في برنامج «الاتجاه المعاكس»، مبينًا أنه تلقى الإشادة من قبل القيادة على هذا الظهور. مشيرًا إلى أن القول بأن صحيفة الوطن حصان جامح يرمي رؤساء التحرير كلام جميل لكنه ليس موضوعيًا، مؤكدًا أن ذهاب قينان الغامدي عن رئاسة تحرير «الوطن» مرده إلى صعوبة قينان في التعامل مع بعض «الجهات الحكومية»، أما جمال خاشقي وطارق إبراهيم فسببها عدم قدرتهما على التفاهم مع «المؤسسة الدينية». وادارة المؤسسة الصحفية.
تجربته مع مجلس الشورى، ونظرته لواقع الصحافة، ومشروع تطوير جريدة «الندوة» وغيرها من الموضوعات الأخري طي هذا الحوار مع الدكتور فهد الحارثي..

«الوطن» أول الثمار

* اتجهتم خلال السنوات الأخيرة نحو العمل في صناعة الإعلام من خلال مركز أسبار.. نود أن نعرف سبب الاتجاه نحو هذه الصناعة؟
عندما فكرنا في إنشاء مركز أسبار قبل 15 سنة كنا نحس أن المملكة تحتاج إلى مراكز بحث علمي ومراكز Think Tank، وهذا النوع من النشاط العلمي والبحثي موجود في الدول المتقدمة وأمريكا وأوروبا وسواها. من مهام هذه المراكز البحثية مساندة صانع القرار في اتخاذ ما يراه مناسبًا من القرارات سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، فهي تقوم بإنشاء الأرضية الصلبة التي يرتكز عليها القرار. أنشأنا المركز وبدأ يمارس نشاطه في ظل صعوبات كبيرة في البداية؛ لأن هذا النوع من النشاط كان جديدًا على المجتمع السعودي وصانع القرار فيه. كان من ضمن النشاطات التي يقوم بها المركز والفعاليات التي يهتم بها جانب الاستشارات الإعلامية، وصادف أن كان هناك توجه في تلك الفترة لدى الأمير خالد الفيصل لإنشاء صحيفة يومية في عسير، وحصل على الترخيص المطلوب في السنة الثانية لإنشاء المركز. كان أول مشروع لنا هو صحيفة «الوطن» في ما يتعلق بالدراسات والاستشارات الإعلامية، وهكذا شاءت الصدف أن يكون لنا نشاط في جانب الدراسات والاستشارات الإعلامية وأن كون هناك مشروع جاهز مهيأ للتنفيذ والعمل هو مشروع صحيفة «الوطن».
* لكن الكثيرون يرون أن ظهور «الوطن» سبق إنشاء مركز أسبار خلافًا لما تقول؟
عمر صحيفة «الوطن» عشر سنوات، وفترة التأسيس استغرقت ثلاث سنوات. المجموع بالتالي 13 سنة، وعمر مركز «أسبار» 16 سنة حيث تأسس في عام 1994م. التفكير في صحيفة الوطن تم بعد إنشاء المركز بسنتين. عندما شرفني الأمير خالد الفيصل واستدعاني للعمل على إنجاز المشروع والقيام بالدراسات والاستشارات المطلوبة لعمل صحيفة جديدة تضاف إلى الصحف السعودية وتضيف إليها كان المركز قائمًا.

إعادة تأسيس وليس تطويراً

* بدأتم بصحيفة «الوطن» وهي صحيفة جديدة والآن لكم مشروع مغاير في صحيفة «الندوة».. إلى أين وصلتم في هذا المشروع الأخير؟
أحد العوامل التي شجعت مجلس إدارة الندوة للمجيء إلى مركز أسبار هو تجربة الوطن. بما أن هناك نية لتطوير صحيفة الندوة وانتشالها من الوضع الذي تمر به. لم ندخل في مسابقة مع أحد وإنما دعينا مباشرة. اتفقنا معهم منذ البداية مع الدكتور محمد عبده يماني أنه ينبغي في هذه المرحلة ألا نفكر في تطوير صحيفة الندوة لأن مفهوم التطوير بعد الفترة التي قضتها الندوة في هذا الوضع الحالي سيكون بلا مصداقية. السبب في ذلك أن هذه العبارة ترددت كثيرًا عن تطوير الندوة. اتفقنا على أن يكون الشعار الذي ننطلق منه في هذا المشروع هو إعادة تأسيس الصحيفة حتى يكتسب المشروع مصداقيته المطلوبة، وهو إعادة التأسيس بالكامل بمؤسسين جدد ورؤية جديدة وتصورات صحفية مغايرة بحيث تحقق نقلة جيدة ومفيدة للإعلام السعودي والصحافة السعودية. أصبح وضع الندوة لا يقبل أنصاف الحلول لأن الصحيفة وصلت مراكز متأخرة. من حسن حظ المركز وصحيفة الندوة أن الاهتمام الأساسي بهذا المشروع يأتي من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله شخصيًّا، فهو مهتم بصحيفة الندوة لأنها صحيفة مكة المكرمة التي تحتاج إلى منبر إعلامي مهم يليق بمكانة مكة وموقعها في الداخل والخارج. تولى الملك تسديد مجمل الديون التي كانت على الصحيفة، كما قام بتمويل الدراسات التي نقوم بها. شاءت الصدف أن يكون لدى وزير الإعلام الدكتور عبدالعزيز خوجة وهو إعلامي مثقف حماس لهذه الصحيفة وبحسب أنه من مواطني مكة. لذلك فإن كل الظروف مواتية لتقديم عمل جيد للندوة ومكة المكرمة. عقدنا معهم ينقسم إلى قسمين. قسم يتعلق بجانب الاستشارات والدراسات، وقسم آخر يتعلق بالتنفيذ. عمل المركز لن يقتصر فقط على إعداد الدراسات والاستشارات لكنه سيتولى أيضًا تنفيذ المقتضيات والتوصيات التي تتوصل إليها الدراسات.

تصويت على الاسم

* هناك جدل متزايد حول مسمى الصحيفة.. هل سترفعون في توصياتكم فكرة تغيير الاسم ؟
شعوري الشخصي قبل أن نقوم ببعض الدراسات الاستطلاعية إن صح التعبير لمعرفة التوجه الصحيح كنت متحمسًا لبقاء الاسم لأنه Brand وله أكثر من (60) سنة، وهذا تاريخ وتراث كبير، حتى ولو أصاب هذا الاسم بعض الضرر من خلال المشكلات التي تعرضت لها الصحيفة إلا أنه يظل اسمًا له حمولات تاريخية وثقافة مهمة جدًّا في ما يتعلق بتاريخ الإعلام والثقافة السعودية المعاصرة. هذه هي الندوة. كنت ولا زلت على قناعة بأن أهم ما هو موجود اليوم من أصول الندوة من الناحية الاقتصادية والاستثمارية هو اسمها. تحدثت مع الدكتور محمد عبده يماني طويلاً في هذا الأمر، وكان لهم توجه لتغيير الاسم وتم طرح الأمر في أكثر من مناسبة قبل أن نأتي. لجأنا للأسلوب العلمي وأقمنا عدة حلقات نقاش مركزة وهذا أحد المناهج البحثية Focus Group Discussion حول هذا الموضوع وأقمنا سبع ندوات تحاورية. طرح موضوع الاسم في هذه الندوات. كانت النتيجة هي الإبقاء على الاسم. 70% من الآراء نادت بالإبقاء على الاسم و30% نادت بتغييره. سررت بأن هذا التوجه يؤكد القناعة الموجودة لدي وسعيت لتأكيدها على الإخوة في الصحيفة.

مشاكل إدارية

* هناك بعض المؤسسات الصحيفة تعاني من أزمات متكررة منذ سنوات طويلة في الإمكانيات والكوادر التحريرية، ونسمع أن من بعض الحلول الدمج أو الإلغاء.. كيف يمكن مساعدة هذه المؤسسات على تجاوز هذه الصعوبات؟
لا بد أن نسمي الأشياء بمسمياتها. المؤسسات الصحفية السعودية تعيش في رغدٍ من العيش إن صح التعبير، فكلها مؤسسات تحقق أرباحًا بنسب كبيرة، وهذا نتيجة للدراسات التي قمنا بها، ومن خلال نتائج ميزانيات هذه المؤسسات. أكبر مؤسسات ربحية في المملكة هي المؤسسات الصحفية وسأضرب أمثلة؛ ما هي الصناعة التي تحقق أرباحًا بمقدار 66% و77%؟ أقل مؤسسة صحفية حققت 25% أرباح وهذا لا يوجد في غير المؤسسات الصحفية. بسبب تجاذبات السوق وبعض الصناعات فإن هذه النسب خيالية. هذا يعني أن السوق غير متشبع بوسائل تحقق توزيعًا عادلاً في الأرباح. هناك ميزانيات إنفاق إعلامي كبيرة تتجاوز 800 مليون دولار للصحف السعودية فقط. هذا المبلغ تتقاسمه (11) صحيفة بما فيها «الشرق الأوسط» و «الحياة». هذه ميزانيات ضخمة وسوق واعدة. لا أستطيع أن أفهم أن تكون هناك صحف تتكبد خسائر. أنت تتحدث عن «البلاد» و «الندوة». لا شك أن هذه الصحف بها مشاكل في الإدارة. لا أتحدث عن أشخاص ولكن عن الفكرة الإدارية. الفكرة الإدارية التي تدير هذه المؤسسات تحتاج إلى إعادة نظر لأن السوق واعدة. يمكن القول إن هناك رغبة في التطوير ولكن لا توجد ميزانيات. هذا ليس مبررًا كافيًا. يمكن طرح مجموعة من التصورات التي تستقطب المال. ما هو المبرر الذي يمنع صحيفتي الندوة والبلاد في عدم الاتصال مع هذه السوق والتعامل معها وفق المعطيات الاقتصادية والاستثمارية. قدم مشروعًا استثماريًا للناس تقنعهم بها من خلال الدراسات الجادة والعملية التي تؤكد تحقيق أرباح. رجال الأعمال لديهم الرغبة في الاستثمار.

سوق مفتوح لصحف جديدة

* نفهم من حديثك أن السوق يستوعب مزيدًا من الصحف والمؤسسات الصحفية الجديدة؟
طبعًا. أنت تتحدث عن 22 مليون نسمة ويقال بأن الإحصاءات الحديثة بها مفاجآت وربما يكون عدد السكان قد وصل إلى 27 مليون نسمة. إذا استثنيت 3 أو 4 ملايين لا ينطقون العربية يكون لديك 23 مليون نسمة. إذا لاحظنا أن لدينا (10) صحف لا يتجاوز توزيع أي منها (60) ألف نسخة سندرك الوضع. أنا أتحدث عن المبيعات ولا أتحدث عن الكميات التي تطبع. بعض الصحف لا توزع أكثر من (1500) نسخة. هذه نسبة محدودة جدًّا مقارنة بين 22 مليون نسمة هم عدد السكان. لا توجد مقارنة بين هذه الحجم من السكان وبين ما يتم توزيعه من الصحف. كثير من الصحف توزع ما بين (35) و (37) ألف نسخة. هذا يعني أن هناك مجال لتوزيع أكثر. أضف إلى ذلك نقطة أخرى هي أن الإنفاق الإعلامي في السوق السعودية كبير جدًّا بحيث أن هناك مؤسسات إعلامية توزع تحقق أرباح وتوزع منها 67%. هذا يعني أن هناك إنفاقًا كبيرًا. لو اكتفت هذه الصحف بنسبة 25% من توزيع الأرباح فهذا شيء عظيم. كل هذه الأرقام تشير إلى أن السوق بحاجة إلى مزيد من الصحف وأن هناك إمكانية لإنشاء صحف جديدة ناجحة. دعك مما يقال من أن الصحف الإلكترونية تهدد الصحافة الورقية. هذا يمكن أن يحدث ولكن على مدى طويل جدًّا من الآن. الدليل على ذلك أنه خلال 2009م وعلى الرغم من الأزمة المالية العالمية وما تعرضت له السوق الاقتصادية في المملكة، ورغم أن الوضع الاقتصادي العالمي بصورة عامة لم يكن مريحًا، كان الانخفاض في الإنفاق الإعلامي في السوق السعودية لا يتجاوز 1%، وهناك عدد من الصحف حافظت على نفس النسبة من الأرباح في عامي 2008م و 2009م. لم تتأثر هذه الصحف بالأزمة العالمية ولا غيرها. حتى على مستوى والتوزيع والمبيعات. الأزمة لم تؤثر والإنترنت كذلك.

اهتمام بالصحافة الإلكترونية

* ما هو ردك حول ما يقال بأن الصحف تتجه الآن إلى التقنية الإلكترونية لمنافسة الصحف الإلكترونية الحديثة؟
أنصح وأقول إنه حتى يكون هناك إعلام متوثب ومتجدد ومواكب لتطلعات الناس والأجيال ينبغي أن يكون هناك انسجام ومواءمة مع أي اتجاه في هذا المجال، ومن ضمن ذلك بطبيعة الحال الصحافة الإلكترونية. وأنصح الصحف بأن تكون لديها مواقع إلكترونية قوية برؤى استثمارية وإعلامية في نفس الوقت حتى يكون الموقع سندًا للصحيفة نفسها. إذا حدث تراجع يومًا ما في توزيع الصحافة الورقية يكون هناك خط إضافي للدفاع عن استثمارات المؤسسة والجانب الاقتصادي والإنمائي. لا أنفي أو أستبعد أن تكون هناك يومًا ما مواقع متقدمة للصحافة الإلكترونية. أؤمن بأن التقنية وتكنولوجيا المعلومات هي التي ستشكل ما يسمى باقتصاد المعرفة في العالم أجمع، وليس في المملكة فقط وأنها اليوم هي الفضاء الذي يتحرك فيه أكثر شباب العالم وصغار السن في كل أنحاء المعمورة وأنها مجالهم الحيوي الذي يتعلق بالحصول على المعلومات وأنواع من الثقافة سواء السهلة أو الصعبة. هذا كله ندركه ونحن جميعًا في هذا المجال. لست ضد هذه الفكرة، بل بالعكس من خلال عملنا في صحيفة الندوة سيكون هناك اهتمام كبير جدًّا بالندوة الإلكترونية وهناك فريق كامل يعمل على دراسات حقيقة وأساسية للندوة الإلكترونية، لكن التعويل اليوم بالدرجة الأولى على الندوة الورقية.

ضد النظام الوقفي

* هناك بعض المستثمرين في الصحف ينادون بتحويل المؤسسات الصحفية إلى شركات حيث تعددية الاستثمار والأنشطة.. ما هو رأيك في هذه الدعوة إلى إعادة النظر في نظام المؤسسات الصحفية أو إلغاؤه؟
من حيث المبدأ أؤمن بأن هناك فرقًا كبيرًا بين النظام الوقفي والنظام المنظم. إطلاقًا لست مع النظام الوقفي الأبوي الذي يحاول التدخل حتى في قرارات الناس واستثماراتهم الخاصة. لماذا يحاول البعض أن يكون وصيًا على استثمارات الآخرين وكيف يستثمرون أموالهم؟ هؤلاء أحرار في الاستثمار كيفما يشاءون. لكن مهمة الدولة أن تنظم هذا الاستثمار وتضع الأنظمة والقواعد التي تجعلهم متسقون مع الأنظمة المرعية في البلاد في ما يتعلق بعلاقاتهم مع الناس وحماية المستهلك وحماية استثماراتهم في علاقاتهم مع الدولة. لكن لا ينبغي أن يكون هناك وصي على الناس يفرض عليهم أين يضعون استثماراتهم. أي مؤسسة ومنشأة تقوم على فكرة استثمارية، لذلك ينبغي تركهم يستثمرون بالطريقة التي يردونها. المهم هو المنتج النهائي وما إذا كان منسجمًا مع سياسات الدولة وتطلعاتها. كان هناك في السابق تخوف بخصوص فترة الانتقال وقد طالت الفترة في نظري بين صحافة الأفراد وصحافة المؤسسات. كان من المفترض أن ننتقل إلى مرحلة أخرى في فترة زمنية أقصر من هذه الفترة. هناك تخوف من أن الأعضاء المالكين في المؤسسة يؤثرون على التحرير لأن الانتقال من صحافة الأفراد إلى صحافة المؤسسة كان من أساسه لضمان عدم وجود شخص متسلط على الصحيفة أو يملي عليها ما يريده وأجندته الخاصة، بل تكون هناك مجموعة من الأشخاص لهم أهداف أكثر اتساعًا من أهداف شخصية. لذلك تم حصر العضوية في أشخاص بعينهم حتى لا يكون هناك تجاوز في مسار الصحيفة. اليوم لا أحد يستطيع أن يؤثر على سياسة التحرير أو رئيس التحرير. حتى مجلس الإدارة الذي يدير المؤسسة الصحفية بطريقة مباشرة لا يستطيع التأثير على رئيس التحرير في ما ينبغي نشره أو عدم نشره أو أن يحاولوا تمرير أجندة سياسية أو ثقافية أو اقتصادية. هذا الوضع غير موجود والإدارة تهتم بالجانب الإداري والاقتصادي. أما التحرير فهو من مسؤولية رئيس التحرير. ما دام الوضع هكذا فما الذي يمنع أن نمنح كل مؤسسة الحق في أن تدير نفسها بالطريقة التي تراها مناسبة لتحقيق مصالحها ويمنحها مزيدًا من القوة.

بين الاستقالة والرجوع

* لماذا تركتم صحيفة الوطن؟
ظل السؤال عن السبب الذي جعلني أترك مؤسسة اليمامة يطاردني لسنين طويلة. بعد ذلك ظل السؤال لماذا تركت الوطن. الناس لم يعتادوا على أن هناك من يمكن أن يستقيل بإرادته ويحسون أن هناك أسرار وراء الاستقالة. استقلت من اليمامة بإرادتي ولم يكن هناك من يدفعني لها، بل تأخر قبول استقالتي من اليمامة حوالي ثلاثة أشهر. أحسست لفترة معينة أنني قدمت كل ما أستطيعه، ولدي أيضًا أسبابي الخاصة التي لا أقولها للآخرين. نفس الأمر بالنسبة للوطن. في إحدى الاستقالات قمت بتوديع مجلس الإدارة في أبها على اعتبار أن الجمعية العمومية سوف تقام خلال أقل من شهر وسيكون هناك مجلس إدارة جديد لن أكون من ضمنه وقدمت استقالتي للأمير خالد الفيصل وقبلها. في نفس الأسبوع اضطررت للتراجع عن الاستقالة وعدت للوطن من جديد وتوليت رئاسة تحريرها إلى جانب عملي كرئيس لمجلس الإدارة. السبب في رجوعي عن الاستقالة هو أن رئيس التحرير الذي كان موجودًا ترك المنصب. تم التنسيق على رجوعي وأن أتولى رئاسة التحرير أيضًا إلى جانب مجلس الإدارة حتى يتم إيجاد رئيس تحرير بديل. خلال تلك الأيام صرحت لصحيفة الجزيرة بذهابي وفوجئ الناس برجوعي. بعد تلك الحادثة بأحد عشر شهرًا من ذلك التاريخ ذهبت لأن اتفاقي مع الأمير خالد الفيصل والأمير سلطان بن عبدالعزيز (وهذا أقوله للمرة الأولى) كان خلف قرار رجوعي وتسلمي لمجلس الإدارة والتحرير حتى إيجاد رئيس تحرير جديد لمدة عام فقط، وذكرت لهم أنني لن أضع اسمي كرئيس تحرير بل كمشرف على التحرير لأني عندما أذهب لن يصدقوا أن رئيس التحرير قد استقال، لكن المشرف على التحرير معلوم أنه مؤقت. في نفس الوقت لا أريد أن أضع في تاريخي أنني طردت كرئيس تحرير. عملت لمدة (11) شهرًا وخلفني في المنصب جمال خاشقجي وأنا الذي رشحته للأمير خالد الفيصل عندما كنا في اجتماعات مؤسسة الفكر العربي بالقاهرة. هذا في الشوط الأول الذي استمر لمدة (50) يومًا وقد لا يعلم جمال خاشقجي بهذا الأمر. تم تولي خاشقجي الأمر وقابلته في فندق الشيراتون وقمت بتسليمه العمل.

صدفة بلا تبرير

* كانت مغادرتكم للوطن حالة استثنائية سواء في مجلس الإدارة أو رئاسة التحرير لأن الوطن كانت مختزلة في الدكتور فهد العرابي الحارثي كرئيس تحرير، كذلك توليتم رئاسة مجلس إدارتها.. كيف جمعتم كل هذه المناصب في فترة واحدة؟
في مجلس الإدارة كانوا يمزحون بأنني أريد أن (أزحلق) كل هؤلاء لأتولى مناصبهم. كانت صدفة وليس لها تبرير آخر.

علاقة وطيدة

* ألم تكن ثمة خلافات بينكم وبين الأمير خالد الفيصل يمكن أن تكون وراء استقالتكم؟
الحمد لله أنه لا يزال على قيد الحياة – وأسأل الله له طول العمر – وهو يقرأ ويسمع. علاقتي بالفيصل علاقة قوية ووطيدة قبل «الوطن» وبعد «الوطن». على الإطلاق لم تكن هناك خلافات. ذكرت بنفسك أن «الوطن» كانت صحيفة قوية ومتميزة فعلى ماذا نختلف؟ الفشل هو الذي يختلف الناس حوله وعمن يتحمله، لكن النجاح يتعلق به الجميع.
* ألم تمارس عليك ضغوط؟
على الإطلاق. زملائي في مجلس الإدارة يعلمون أنني تقدمت باستقالتي مرتين وقمت بتوديعهم وتلقيت اتصالاً بأن رئيس التحرير قد ذهب ولا يوجد أحد ليخلفه.

الحصان الجموح

* «الوطن» أخذت بعدًا منفتحًا إلى حدٍ ما.. وهناك من يرى أن ليبرالية الدكتور فهد الحارثي هي وراء ليبرالية الوطن؟
هل تعني جملة «ليبرالية الوطن» أن الصحف الأخرى غير ليبرالية؟
* نحن نتحدث عن الوطن؟
ولكن عندما يطرح السؤال بهذه الصورة فإنه يوحي بأن صحيفة «الوطن» لديها عقيدة سياسيّة وفكريّة مختلفة عن بقية الصحف وهذا غير صحيح. كنت أقول بعد استقالة الأخ جمال خاشقجي أن ما ينشر في صحيفة الوطن ينشر في بقية الصحف سواء في ما يتعلق بالإصلاح الاجتماعي أو الثقافي أو الفكري، نفس الكلام ينشر في بقية الصحف. فلنقم بإجراء دراسة تحليل مضمون لما ينشر في الصحف السعودية ضمن ما يصب في الخط الإصلاحي الذي يقوده الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله. سنجد أن الذي ينشر في «الوطن» هو نفسه الذي ينشر في الصحف السعودية الأخرى. من ضمن السياسات التي أعدت للوطن أنه في العصر الذي أصبح الناس فيه يمتلكون مصادر أخرى لاستقاء المعلومة غير الصحافة الورقية فإن التركيز ينبغي أن يكون على جانب الأفكار والرأي، والمقصود ليست مقالات الرأي فقط؛ بل المقصود هو كل ما يحمل رأيًا أو رؤية. عندما تم الأخذ بهذا التوجه في «الوطن» ظهر حجم الرأي في مقدمة ما هو واضح في وجه الصحيفة. بالتالي أصبح الأبرز وسط كل الأشكال الإعلامية الأخرى من خبر وتحليل وتحقيق وغيره. أصبح الرأي هو الواجهة. بينما الرأي في الصحف الأخرى كان ضمن مجموعة أخرى من المنتجات الصحفية. وإذا نظرت إلى ما يكتب في «الوطن» ستجد أنها كتبت مثلاً عن الاختلاط، كل الصحف الأخرى تنشر عن الاختلاط وربما بدرجة أقوى. كتبت الوطن كذلك عن المرأة وحقوقها، وكل الصحف السعودية تكتب عن هذا الأمر وأيضًا بدرجة أقوى. وكتبت الوطن عن الهيئة وكذلك الصحف الأخرى. هذه هي فلسفة «الوطن» في التعامل مع الشأن الإعلامي. أنا لا أزكي رئيس تحرير أو ألومه لكنني أتحدث هنا عن الفكرة. ورؤساء التحرير الذين ذهبوا من الووطن لم يذهبوا لنفس الأسباب. البعض يقول إن الوطن حصان جامح يرمي رؤساء التحرير يمنة ويسرة. هذا كلام جميل لكنه ليس موضوعيًا لأن كلاً من رؤساء التحرير الذين ذهبوا كانت لكل واحد منهم ظروفه التي تختلف عن ظروف الآخر.

تفاهمات صعبة

* لماذا ذهب قينان الغامدي أول رئيس تحرير لها مثلاً؟
في فترة من الفترات كانت هناك صعوبة في التفاهم بين قينان الغامدي وبين جهات حكومية، بينما ذهب جمال خاشقجي على ما أظن لصعوبة في التفاهم بينه وبين المؤسسة الدينية، بينما ذهب طارق إبراهيم لصعوبة في التفاهم بينه وبين إدارة المؤسسة نفسها. كل له أسباب خاصة ومختلفة.

الرأي في الواجهة

* وأنت مؤسس وواضع لهذه البنية.. ما هو تفسيرك للتغيير المتكرر لرؤساء التحرير رغم أن عمرها لم يتجاوز عشر سنوات، وهل كنت تتوقع هذه التغيرات السريعة؟
بطبيعة الحال لم أكن أتوقع ذلك، ولكن لو تتراجع «الوطن» خطوة إلى الوراء وتقوم بتغيير إستراتيجيتها – وأنا لا أدعوها إلى ذلك إذا تغيرت هذه السياسة وتراجع الرأي إلى الخلف وتقدمت عليه منتجات صحفية أخرى ربما أصبحت «الوطن» مثلها مثل بقية الصحف الأخرى. لكن لا يوجد موضوع نشرته «الوطن» ولم تنشر بقية الصحف مثله. المشكلة في طريقة التعامل.

اختلاف عن خاشقجي

* هناك من يرى أنك سننت سنة اتبعها بعدك جمال خاشقجي وهي الإشراف على الصحيفة عن بعد، سواء من الرياض أو جدة بينما الصحيفة في أبها، كيف تمكنت أن تصبح رئيسًا للتحرير من خارج أبها؟
هناك حقيقتان في اختلاف وضعي عن وضع الأخ جمال خاشقجي. أنا كنت رئيس مجلس إدارة ولم أكن رئيس تحرير، لم أتدخل في عمل رئيس التحرير لأننا الذين قمنا بالدراسات التأسيسية والاستشارات وبالتالي كنا أحرص الناس على تطبيق مقتضيات هذه الدراسات لتحقيق الأهداف. من أكبر الأسباب التي دفعتني للقبول بمنصب رئيس مجلس الإدارة أنني كنت وراء عمل هذه الدراسات وسعيت لتطبيقها. كان هناك رئيس تحرير موجود يداوم في أبها ويقيم في أبها. النقطة الأخرى أنه خلال فترة التأسيس التي استمرت سنتين ونصل لم أكن أنقطع عن أبها، وكنت أذهب إليها أسبوعيًّا حتى وإن كنت أمارس بعض مهامي في الإدارة والأمور الأخرى من مدينة الرياض لكني كنت أسبوعيًّا في أبها.

انفتاح غير مسبوق

* كيف ترى الإعلام السعودي من خلال قنواته الجديدة؟
يصعب على أي أحد متابع للتطورات التي مر بها الإعلام السعودي ألا يعترف بأن هناك تطورًا كبيرًا سواء على المستوى المادي والتقني والاستثماري في هذا المجال على مستوى الأداء نفسه. تمكنت كثير من الوسائل الإعلامية في المملكة من مواكبة ما يحدث في العالم من تقنيات ومن أساليب جديدة في التعامل مع إعلام الناس والمساهمة في تثقيفهم كما هي رسالة الإعلام في أي مكان. الأهم من هذا كله من خلال الفترة الأخيرة هناك توجه إصلاحي كبير يقوم به الملك عبدالله، وهناك انفتاح لم تشهد المملكة مثيلاً له من قبل في ما يتعلق بالحريات العامة في المجمل وفي حرية الإعلام والرأي بصورة أخص. لم أكن شخصيًا أتصور في يوم من الأيام أن يكون هناك هذا المستوى من الحوار ومن النقاش والاختلاف والإيمان بالحق في الاختلاف والتعدد القائم الموجود في الساحة الثقافية والإعلامية السعودية. رؤى وتصورات من مشارب ومنطلقات فكرية ومتعددة لا تمس الثوابت بطبيعة الحال ولا تمس ما يتصل بوجدانيات الناس، لكنها في الخلاصة أصبحت تمثل مصدر ثراء كبير للثقافة السعودية والإعلام السعودي والإسهام في ترسيخ ما نسميه بثقافة التسامح.

خطوة مهمة بشرط

* كيف تنظر إلى المطالبة بتحويل التلفزيون والإذاعة ووكالة الأنباء إلى مؤسسات عامة أو هيئات؟
إذا كان الهدف من التحويل هو إعطاء مزيد من المرونة في حقوق الإنسان ومزيد من المرونة في التعامل مع منتجات لا تخضع لتقاليد المنتجات الصناعية الأخرى ولها تقاليدها وأعراقها وأشواقها واختلافها في التسعيرة والاتصال بمنطلقات إبداعية وشخصية. هناك من يبيعون الأفكار والخيال ويبيعون ما هو ليس محسوسًا. بالتالي يحتاج هؤلاء إلى مزيد من المرونة في التسعير والصرف وإعطاء خطوط الإنتاج بحيث تصبح أكثر سرعة ووهجًا وذكاءً. إذا كان هذا هو الهدف فلا شك أنها ستكون خطوة مهمة جدًّا. أصبحت لدينا مؤسسات إعلامية في العالم العربي وغيره مؤسسات إعلامية بهذا التصور الذي ذكرته لك وحققت نتائج عالية جدًّا على مستوى الأداء والعائدات الاستثمارية. أما إذا كان الهدف مجرد التمظهر الإداري وأنها كانت مؤسسة وأصبح لها مجلس إدارة، وتدار بنفس العقليات القديمة الأولى ولا تحقق هذه الأهداف فلا لزوم لذلك.

فصل الثقافة

* ألا ترى أنه قد آن الأوان لفصل الثقافة عن الإعلام بأن تصبح أيًّا منهما وزارة مستقلة عن الأخرى؟
إذا كان فصل الثقافة عن الإعلام سيعطي الثقافة موقعًا أكثر تقدمًا ويعطيها فضاءً أرحب ويجعل منها واجهة مهمة وكبيرة تليق بموقع المملكة الديني والتاريخي في العالم العربي والإسلامي والدولي فأعتقد أن هذا هدف مهم جدًّا. إذا أردت أن اختصر رؤية كثير من شعوب العالم المختلفة غير الإسلامية فهم يعتبرون أن المملكة هي بترول ولا يعرفون عنها أشياء كثيرة لأن حملات العلاقات العامة ذات تأثير بسيط. لكن عندما يتحول الأمر إلى منتج ثقافي مهم سيلتفت إليه كل العالم. لا أحد في الدنيا لا يعرف الأهرامات والآثار المصرية والثقافة الفرعونية. لماذا؟ لأنها اتجهت للناس من خلال عدد من القنوات والأنشطة، ابتداءً من ما يكتب عنها وانتهاءً بالسياحة وأفواج السياح مما جعل الحضارة المصرية في مقدمة اهتمامات العالم. أنت في المملكة العربية السعودية لديك ثروات ثقافية هائلة في ما قبل الإسلام وما بعده. ربما كانت آثار ما بعد الإسلام أكثر أهمية لأنها ثروتك الحقيقية وواجهتك هي الإسلام. كل الباقي ينتهي ويصبح جزءًا من تاريخ الكون. لكن الإسلام مستمر. إذا كان الهدف من إيجاد وزارة خاصة بالثقافة هو تحقيق هذه الأهداف الكبرى فأهلاً بذلك. أما إذا كان الهدف هو مجرد زيادة وزارة أخرى على الوزارات الأخرى فهذا ليس مهمًا.

مصطلح باهت

* أثرت جدلاً كبيرًا في الأوساط الثقافية في أكثر من محاضرة وتناولت مفهوم «موت النخبة» أو الثقافة الأفقية.. ماذا كنت تقصد بموت النخبة؟
هو القائم اليوم عمليًا وفعليًا في كثير من أسواق الثقافة في العالم. كانت صناعة الإعلام وصناعة الثقافة تتولاها النخبة وتنتجها النخبة المتمكنة من أدوات الإنتاج في هذا المجال، سواء كانت تأهيلاً علميًا أو خبرة أو ممارسة. هناك سوق ومتلقين هم الجمهور والناس في أي مكان. مع وجود التقنيات الحديثة الحالية تغير الوضع وأصبحت المنابر التي كان يحتكرها صانعو الثقافة أكثر اتساعًا ولم تعد ضيقة ولا تتسع إلا لهم. صارت أكثر اتساعًا وبالتالي جاء معه متطلعون يريدون أن يصبحوا مثلهم. لذلك اختلطت البيئتان بيئة الجمهور وبيئة صُنَّاع الثقافة، أصبح مستهلك الثقافة يشارك في إنتاجها لأن المنابر تعددت بشكل كبير ومذهل. أي مواطن عادي بسيط يستطيع أن ينشئ صحيفته الخاصة أو مدونته. الصحف ووسائل الإعلام المختلفة فتحت المجال لما يسمى حاليًا بصحافة المواطن كما تعرف في العالم كله. أصبح بإمكان أي أحد أن يغطي الحدث ويصوره ويكتبه ويبعثه لصحيفة لا ينتمي لها. أصبح الجميع صحفيون ومنتجو ثقافة. لم تعد اللغة عائق ولم تعد هناك لغة خاصة بالنخبة كما كان سائدًا. أصبحت اللغة أقل أهمية. يمكن للناس أن يكتبوا بأي لغة، بلغة الثقافة الشعبية أو بلغة النخبة.

حتمية الحداثة

* يلاحظ أنك عندما كنت رئيسًا لتحرير اليمامة كنت وراء الحداثة.. وعندما جئت للوطن كنت وراء الخطاب الليبرالي؟
في أي حركة ثقافية وفنية لا بد أن تكون هناك منجزات وأن يكون هناك ضحايا لتلك المنجزات ولابد أن يكون هناك آخرون منهزمون، ووضعي في الهرم الإداري لليمامة كرئيس تحرير كان سببًا في أن يفكر الناس أنني أدير كل شيء بيدي وبشكل مباشر، لا أنكر أنه كان هناك زملاء من الشباب المتحمسين الذين كانت لهم بصمة مهمة في كل الأعمال التي تمت سواء في اليمامة أو في الوطن. وكنت ولا زلت من المؤمنين بأن التحديث أو الحداثة، (ونحن نعيش اليوم مجتمع ما بعد الحداثة)، هي حتمية لا بد منها. وهي متواصلة من العصر القديم. كل عصر له حداثته على المستوى الصناعي أو الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي. لا يوجد مجتمع إلا وكانت له حداثته. و‘إذا كانت هناك مجموعة لوثت هذا المصطلح إيديولوجيًا أو دينيًا فأنت لا تستطيع أن تلغيه من تاريخ الإنسانية. عليك أن تصفي المصطلح وتطهره مما علق به من تلوث بدلاً من أن تلغيه. في أيام اليمامة كنا نعتقد في الجانب الفردي والشعري على وجه الخصوص أن هناك حركة شعرية رائدة على مستوى العالم العربي تقودها مجموعة من الرموز في فضاء الشعر، وهي تجربة مغرية. لم يكن في الذهن أن فلان مستقيم أخلاقيًا أو غير مستقيم أو أن لديه كفريات في شعره. هذا موضوع آخر وكل السعوديين متفقون على أنهم أصحاب دين وتراث وثقافة، ولكن هذا لا يمنع أن تكون هناك توجهات شعرية مفيدة ينبغي أن يحسها الناس ويقومون بتجربتها. كنت متحمسًا لهذه الفكرة. الطرف الآخر غير المتحمس والذي يخاف دائمًا من التحديث، حتى ولو كان على المستوى الاجتماعي كما يلاحظ ذلك في مجتمعنا الآن لم يكن أمامهم أسهل من أن يتهموا الآخرين بأنهم جلبوا إلى الساحة ما يمكن أن يدفع إلى الكثير من الشكوك في عقائدهم، وأن الشاعر الفلاني في لبنان لديه في شعره تجاوزات دينية. نحن نقول إنه حتى في الشعر العمودي هناك من تجاوزوا في أشعارهم، ولديهم كفريات أو تجاوزات في الأخلاق. هذا لا يعني أن الشعر العمودي سيء لذاته أو شعر الحداثة سيء لذاته، يمكن أن يكون السوء في ما يحمل من أفكار في الشعر فهو وسيلة من وسائل التعبير. إذا وضعت فيه إيمانًا تجد إيمانًا، وإذا وضعت فيه كفرًا تجد كفرًا.

محطة مهمة

* عشتم أول تجربة برلمانية من خلال أول دورة لمجلس الشورى.. كيف كان شعورك وأنت تشارك في تلك الدورة؟
ربما كان من حسن حظي أن مرت بي أحداث أعتبرها محطات في حياتي ومن ضمنها مجلس الشورى. كنت في الدورة الأولى لإنشاء المجلس. ربما إذا كنت في الدورة الثانية أو الثالثة لما اعتبرتها محطة في حياتي. لا شك أن تلك التجربة كانت مهمة في حياتي وفي طريقة تفكيري وتعاملي مع كثير من القضايا والأمور. أحسست أنني انتقلت من مستويات فردية في معالجة بعض الأمور المتعلقة به وببعض أموره. حتى على المستوى الإعلامي إلى إطار جماعي من الناس لهم القدرات في التفكير ونفس المستويات في كل شيء. هذه بحد ذاتها تنقل الإنسان من مستويات تفكيرية معينة إلى مستويات أخرى. هذه هي الإيجابية الرئيسية، لأنني انتقلت من عالم أعرفه جيدًا إلى عالم لا أعرفه. انتقلت من عالم التعليم في الجامعة والإعلام إلى نشاط سياسي كان مجهولاً في المملكة وغير موجود.

ظهور بلا موافقة

* في تلك الفترة ظهرتم في أحد برامج قناة الجزيرة وكان هناك تردد لدى كثيرين من الظهور في هذه القناة.. هل أخذتم موافقة من جهات مختصة؟
لم آخذ أي موافقة من أي شخص على أول ظهور لي في قناة الجزيرة في برنامج «الاتجاه المعاكس»…
* لماذا ظهرت في ظل تخوف الآخرين من هذا الظهور.. هل كنت تؤدي رسالة؟
أنا أو أنت إعلاميان ومعنيان بالشكل الثقافي والاجتماعي والسياسي في البلاد، ليس غريبًا أن أدعى لمثل هذه المناسبة وليس غريبًا أن استجيب.
* ولكن الموضوع كان عن الشورى؟
لم يكن عن الشورى وكان عن المملكة ككل، ولكن طرح موضوع الشورى باعتباري عضوًا في مجلس الشورى. لا توجد غرابة في الموضوع، ربما كنت الصدفة هي التي جعلتهم يحدثوني. المهم أنهم حدثوني واستجبت.
* وأذكر أنه جاءك تقدير من خادم الحرمين الشريفين عندما كان وليًا للعهد؟
نعم، ومن سمو الأمير سلطان أيضًا.
* بماذا تفسر هذا التقدير لظهورك في الجزيرة؟
ربما وجدت الطروحات التي طرحت في البرنامج قبولاً منهم فأرادوا أن يشجعوني. الملك عبدالله والأمير سلطان في مناسبتين مخلفتين قالوا عن ذلك الحدث كلامًا طيبًا فجزاهم الله خيرًا وكانت دفعة مهمة لي وكنت شديد الافتخار بها، واعتبرت تلك الإشادة وسامًا على صدري. كذلك أشاد بي ملك البحرين لأن الذي كان معي في البرنامج كان معارضًا له. الآن عاد إلى بلاده وأصبح وزيرًا للعدل منذ عشر سنوات.

قناعة بالمستقبل

* نعيش ما يمكن اعتباره مشروعًا للإصلاح يتزعمه الملك عبدالله بدون شك.. إذا أردنا أن نمحور هذا المشروع في نقاط معينة فما هي أبرز نقاط الإصلاح من وجهة نظرك؟
في تصوري فإن أهم ما يمكن أني لاحظه أي مواطن سعودي ومثقف سعودي هو أن الملك عبدالله له إيمان مطلق بأنه لا بد أن ينقل هذه البلاد إلى مستوى متقدم في ما يتعلق بعلاقتها بالمستقبل وبالعالم. لن تكون هناك علاقة سوية لأي مجتمع بالمستقبل وبالعالم إلا إذا حاول أن يزيد في مساحة المشتركات بينه وبين هذا العالم وبينه وبين فرص المستقبل لأنه بدون ذلك سيظل منعزلاً عن المستقبل وعن العالم. الملك عبدالله معلوم أنه شديد القناعة بهذه الفكرة وبالتالي يتقدم في هذا الاتجاه بخطى ثابتة رصينة تراعي البناء الذي قام عليه المجتمع السعودي فكريًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا وما يتم من خطوات تحاول دائمًا ألا تصطدم ببعض الرواسخ في تقاليد هذا المجتمع وثقافته لكنها تحاول أن تأخذ بيده إلى مستويات متقدمة أكثر. هذا في ما يتعلق بالمرأة وحقوق الإنسان والحريات العامة وإصلاح القضاء والإصلاحات الإدارية الأخرى والمشروعات التنموية التي هي محطات في اتجاه المستقبل في مقدمتها جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية كاويست وفي مقدمتها كذلك مدينة الطاقة الذرية المتجددة.

 

فهد الشريف
المصدر: جريدة المدينة