جريدة الجزيرة العدد 9943                الموافق: 19/12/1999م

 

شعار ملتبس!

يرى بعض الباحثين (جلال أمين مثلاً) أن القضاء على الإقطاعية كان مشروعاً من مشروعات العولمة في شكلها الخجول قبل خمسة قرون من الآن، إذ بزغت الدولة القومية على أثر ما استوجبه التقدم التقني وزيادة الإنتاجية في ذلك الوقت من توسيع نطاق السوق ليشمل الأمة بأسرها بعد أن كان محدوداً بالمقاطعة، وهكذا حلت الدولة محل الإقطاعية، وحل الولاء للدولة محل الولاء للمقاطعة.

العولمة ذاتها هي التي تعمل اليوم معاولها في التهوين من شأن السيادات القومية.. أو القطرية.. وتعطي تصورات جديدة لمجتمع بشري مختلف ينفتح على “سوق واحدة” تباع فيها السلع والخدمات وتتبادل فيها الأفكار والمعلومات بشكل سهل ومرن لم يسبق له مثيل قط.

ومن أبز التصورات الجديدة للمجتمع البشري الجديد أنه كما يذكر نجيب عبدالله الشامي من جهته مجتمع يرمي إلى الحد من امتلاك أسلحة الدمار الشامل، والحد من انتشار الأوبئة والأمراض المعدية، وذلك بالإضافة إلى حرية حركة رؤوس الأموال، كما هو النشاط الأبرز والأشد وضوحاً في التصورات التي تتردد عن المجتمع البشري الجديد.

إن كل ذلك يعني، في الإطار المثالي لفكرة الانفتاح على مجتمع إنساني جديد، أن ذلك المجتمع سيكون له ثقافة بشري متوحدة على الأقل في ملامحها الأساسية: مثل الحريات العامة، والديمقراطيات، وحقوق الإنسان، وغير ذلك، فهناك جهود واضحة لترغيب بالانتماء إلى الحضارة أو الثقافة الواحدة القائمة الآن، وهي بطبيعة الحال – غربية في ملامحها وسماتها، وأمريكية في قيادتها وفي توظيفها.

يقابل بذلك رأي آخر يقول بأنه “مهما تقاربت دول العالم في المجالات الاقتصادية والتجارية والعلمية والإعلامية وربما أيضاً سمات الأنظمة السياسية، فإن الخصائص الثقافية لكل أمة ستبقى قائمة لتلعب دوراً رئيسياً في العلاقات والمصالح وربما الصراعات”.

ومن يأخذ بهذا الرأي يجد أن القرن القادم “سيكون عصر القوميات والدين معاً، كما هي بشائره منذ سنوات وإلى الآن.. أي قرن الثقافات الخاصة في إطار عالم واحد”.

إن التمييز بين الترهيب في “صدام الحضارات” والترغيب في الإنضمام إلى فكرة الحضارة الوحدة هو – كما يقول أحد الباحثين – كالتمييز بين الحرب والاستسلام.

والاستسلام هنا هو إشارة إلى الفرص الضئيلة التي بحوزة الدول الضعيفة أو المغلوبة، في لا يتحقق لها ما تريد من الإنتماء إلى الحضارة الواحدة لأنها غير قادرة على المنافسة، إذ لا تتوفر لديها عناصر الإنتاج العالمي، ومستويات الجودة والبنية التحتية، والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

إن هذا الاستسلام يبرره المستضعفون بأنه ينطوي على التحرر من ربقة الدولة القديمة والإنطلاق إلى أفق الإنسانية الواسع “تحرر من نظام التخطيط الآمر الثقيل إلى نظام السوق الحرة، تحرر من الولاء لثقافة ضيقة ومتعصبة إلى ثقافة عالمية واحدة يتساوى فيها الناس والأمم جميعاً، تحرر من التعصب لأيدلوجية معينة إلى الانفتاح على مختلف الأفكار”.

وهكذا فإن “الأممية” التي كانت فيما مضى هي الشعار الذي اخترعه القادة العمايون في الحركة الاشتراكية الديمقراطية ليوجهوا به تيار الحروب الرأسمالية، تلك الأممية صارت اليوم – كما جاء في كتاب (فخ العولمة – هي شعار الطرف الآخر، أو الطرف الذي صمد وبقي وأصبح متسيداً، بلا أي منازع، على مقدرات هذا العالم.. في الساحة العالمية هناك ما يزيد على أربعين ألف شركة أممية من كل الأحجام (تبتز هذا العامل بالعامل الآخر، وهذه الدولة بالدولة الأخرى”.

على أن هناك من لا يقر لــ”الطرف الآخر”.. وهو – دائماً  أمريكا بمشروعية شعار الأممية التي تستحسن إطلاقه على مشروعها. فمفهوم الأممية – كما يرى محمود حيدر – ينطوي على نوع من التوازن والتكافؤ في ميزان القوى “فالأممية انتجت، بحسب مفاهيم الحرب الباردة وحتى ما قبلها، على قاعدة التوازن بين الدول، سواء التوازن الدوي لأو التوازن الإقليمي. في مرحلة الحرب الباردة كان هناك نوع من العولمة المتسامحة، أو العولمة المتكافئة الرعب، المتكافئة القوة، الآن العولمة، وهذا ما يعطي المصطلح طابعه الخاص، طابع القوة، هي التي تطوي العالم كله تحت القوة التي انتجتها”.

وأمريكا بطبيعة الحال هي التي انتجت العولمة في مفهومها الجديد، أو في طابعها الخاص، فهي التي انتصرت في الحرب الباردة، وهو انتصار لابد، أن يرافقه – كما يرى محمود حيدر أيضاً – إنتاج مفاهيم فلسفية وثقافية واقتصادية لتبرر وتسوغ العولمة بمعناها الأمريكي.

د. فهد العرابي الحارثي