جريدة الوطن العدد 136               الموافق: 12/2/2001م

سباحة التذرع

في العرض الذي قدمه سمو الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز لندوة “نحو شراكة فعالة لتنمية السياحة” وردت العبارة التالية في وصف السياحة المبتغاة في بلادنا: “أن تكون صناعة وطنية منتجة اقتصادياً، وإيجابية اجتماعياً وثقافياً”.

وإذا أخذنا من الآخر – كما يقول إخواننا المصريين – فتعرضنا للإيجابية الاجتماعية والثقافية فإن الأمير سلطان بن سلمان، قد ذكر في أكثر من مناسبة أن مشروع السياحة بالنسبة إليه هو تكييف هذه الفكرة وفق ما تقتضيه ظروف بلادنا وطبيعة مجتمعنا. فمع الإيمان الشديد بأهمية تنشيط هذه الصناعة فإن ذلك لا يجب أن يؤدي إلى إلحاق أي أضرار، مهما كانت ضئيلة، بما نحن عليه من دين، أو أعراف تمثل بالنسبة إلينا جزءاً من ثقافتنا الاجتماعية التي مازال مجتمعنا وسيظل محافظاً عليها ومتمسكاً بها. أي أن تنشيط السياحة وتفعيل الأطر والتنظيمات والإجراءات المتعلقة بمؤسساتها لا ينبغي أن يكون على حساب هويتنا الاجتماعية والثقافية المحلية.

والأمير سلطان بن سلمان يقول ذلك لأنه ما يفتأ يعلن في أكثر من مناسبة اهتمامه بسياح الداخل قبل غيرهم فهدفه الأول هو محاولة استدارج السعوديين أنفسهم للسياحة في بلادهم، ثم تأتي بعد ذلك مسألة اهتمامه بالسياح الأجانب .. ففيما يتعلق بالسعوديين لا يخفى الأمين العام للهيئة العليا للسياحة ضجره الشديد من الرقم الذي تظهره بعض الدراسات عن عدد السياح السعوديين الذين يعادرون بلادهم في كل عام، وهم حوالي ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة، وينفقون خارج بلادهم حوالي 45 مليار ريال في كل سنة.

إن سموه يدرك أنه لن يستطيع أن يلغي ذلك العدد الضخم بكامله، ويعلم أنه لن يكون في إمكانه أن يستقطب الـ 45 مليار كلها، ولكنه يريد أن يتدرج في التخفيف من جحافل “المهاجرين” إلى الخارج، وهو بذلك سيحتفظ للاقتصاد الوطني ببعض تلك المليارات، وربما بأكثرها في وقت لاحق إن شاء الله.

إن من أهم شروط تحقيق هذا الهدف بالذات هو خلق بدائل مقنعة للسائح السعودي ويأتي في مقدمة هذه البدائل نوعية الخدمات المقدمة له، وما تتطلبه الإجازات – في العادة – من وسائل الترفيه، وقد أكدت الدراسات المسحية التي تقوم بها حالياً الهيئة أن بيئتنا شديدة الغنى سياحياً وثقافياً، فلدينا البحر، ولدينا الصحراء، ولدينا السياحة الصيفية، ولدينا السياحة الشتوية. كما أن مناطق المملكة المختلفة غنية بآثارها وشواهدها التاريخية، وغنية بتقاليدها الخاصة في الأزياء والحلى والمأكولات والرقصات الشعبية والصناعات التقليدية وألوان الفنون الأخرى، ومن ألزم ما ينقصنا الآن المزيد من النشاط عند القطاع الخاص للاستمثار في مجالات الخدمات، فالسائح الذي تعود – في الخارج – على مستوى معين من الخدمات ربما يجد صعوبة كبيرة في التنازل كلياً أو حتى جزئياً عن بذلك المستوى، ولكي تنجح محاولات استدراج السائح السعودي من أجل أن يبقى في بلاده فلا بد أن نعطيه الفرصة للتذرع بمستوى الخدمات، أو للتعلل بفرص الترفيه المحدودة.

إن هذا السائح بالذات هو الهدف الأول للهيئة العليا للسياحة، ولقد حددت الهيئة بوضوح شديد هذا الهدف ابتداءً ثم أعلنته الناس وهل لما تزل في طور التأسيس. وهذا أمر يحمد لها، وللمسؤولين فيها.

وغداً نكمل

د. فهد العرابي الحارثي