جريدة الجزيرة العدد 10125                الموافق: 18/6/2000م

 

بعض شروط المستقبل

البترول مصدر ناضب من جهة، وهو سلعة متذبذبة الأسعار من جهة أخرى، ولكن هذا لم يكن هو الدافع الوحيد الى تبني استراتيجية تنويع الاقتصاد التي عملت الدولة على تأصيلها مؤخرا، فاتخذت في سبيل ذلك العديد من القرارات والاجراءات، وهو ما لاحظناه بشكل واضح وصريح خلال هذين العامين الأخيرين على الأقل.

فلعل من الدوافع الأخرى إلى تبني استراتيجية تنويع الاقتصاد تفاقم التزامات الدولة في مشروعها النهضوي الكبير الذي يهدف في مجمل مخرجاته الى تحقيق مزيد من الرخاء والرفاه للمواطنين, فلا شك أن التحديات التي تواجه الأجيال القادمة خصوصا هي تحديات كبيرة إذا ما كان الهدف هو المحافظة على مستوى متقدم في نوع المعيشة، ومستوى متقدم أيضا في العلاقة بشروط المستقبل التي ما تفتأ توحي تلقائياً ببعض الصعوبات والتعقيدات.

وبما ان الشرط الاقتصادي اضحى اليوم في مقدمة الشروط الأصيلة للمنافسة والتفوق، وهو العنوان الأبرز للتحدي الكوني المعاش، فقد جاءت القرارات والاجراءات الرامية الى تنويع الاقتصاد مستجيبة لنداءات الواقع الجديد والحاحاته، ومرهصة ببعض تخرصات المستقبل وتطلعاته.

لقد ظللنا نسمع ونقرأ مدة طويلة عن أهمية تنويع الاقتصاد وضروراته، وكان أكثر الكلام الذي نسمعه ونقرؤه يدور حول القطاع الخاص وما ينتظره من مسؤوليات على طريق التنمية الشاملة، ولكن ذلك الكلام كان أقرب ما يكون الى العموميات والتمنيات الى ان جاءت هذه السنة تحديدا فتمخضت عن انجازات متعددة جعلت الكثيرين يدركون ما المقصود بالالحاح على مستقبل القطاع الخاص، وما المقصود بتنويع الاقتصاد,, وقد اخرجتنا تلك الانجازات من آفاق العموميات والتمنيات الى حركة الممارس والى دينامية المحسوس.
فالفضاءات التنموية التي فتحها أمامنا نظام الاستثمار الأجنبي على سبيل المثال كانت من الرحابة بحيث إن النظام نفسه وجد الكثير من الترحيب والإشادة لدى الاوساط الاقتصادية والاستثمارية في العالم كله، فهذا النظام كما ذكر أحد المسؤولين السعوديين سيؤدي الى تحسين بيئة الاستثمار في المملكة،و سيعمل على إزالة العوائق القائمة، وتحسين كفاءة الانظمة والإجراءات، وضمان المرونة الكافية لتمكين المملكة من المنافسة عالمياً كموقع استثماري جاذب، وهذا من شأنه أن يسهم في تحسين معدلات النمو الاقتصادي في البلاد، من خلال زيادة حجم الاستثمارات، وتعزيز القدرة التنافسية، لما يصاحب هذه الاستثمارات من توفير للتقنية العالية، وتهيئة لفرص أكبر للوصول الى الأسواق العالمية، وبناء كوادر وطنية ذات مهارات فنية أو إدارية عالية.

وانطلاقا الى الأهداف نفسها عمل المجلس الأعلى للبترول على دعوة الشركات البترولية للاستثمار في المملكة،و قد قال سمو وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل بأن المملكة تلقت عروضا متعددة للاستثمار شملت 18 شركة عالمية مؤهلة من بينها أكبر 10 شركات بترول في العالم, ويقدر ان يستثمر في الاقتصاد السعودي خلال السنوات العشر القادمة بنحو 500 بليون دولار.
ان هذه الأوضاع الجديدة، إذا ما تحققت إن شاء الله ستؤدي إلى تغيير جوهري وإيجابي في مسار الاقتصاد السعودي، وهذا بدوره سينعكس على المستوى المعيشي للمواطن في الراهن، وسينعكس على خططه وبرامجه في المستقبل، وهو سيهيئ فرصا وظيفية للشباب، وسيقوي من الاعتماد على المنتجات والخدمات والصناعات المحلية، وبهذا يتضح الدور المساند للقطاع الخاص، وذلك في مجمل هذه المشاريع الاستثمارية، وبهذا يتضح أيضاً المفهوم الواقعي للإثراء المنتظر من ذلك القطاع في عملية التنمية، وتلك مسؤولية من شأنها أن تعود بمنافع كثيرة على القطاع الخاص نفسه, وقد نجحت ولله الحمد التجارب السابقة في مجال التعاون والتكامل بين القطاعين الحكومي والخاص، ولا سيما في مشروعات البنية الأساسية والعامة كما ذكر هذا خادم الحرمين الشريفين في خطابه أمام مجلس الشورى قبل أيام ومن ذلك التعاون في مشروعات توليد الكهرباء، وقطاع الاتصالات، وبعض المرافق التعليمية والصحية والترفيهية والموانئ, وقد ظل القطاع الخاص يحقق معدلات جيدة في نموه الإيجابي، كما تدل على ذلك الإحصاءات المنشورة والمتداولة في هذا الخصوص.
ويدخل في باب تنويع الاقتصاد السعودي، وتعميق دور القطاع الخاص في تفعيل حركة التنمية الشاملة، قيام الهيئة العليا للسياحة، فقد اظهرت الدولة بإنشاء هذه الهيئة، أنها مدركة لأهمية الصناعة السياحية، ولمردوداتها الاقتصادية الكبيرة، فهي ستعمل على خلق بيئات سياحية مغرية للمواطنين أنفسهم الذين تبلغ مصروفاتهم، من أجل السياحة خارج البلاد أكثر من ثلاثين مليار ريال سنويا، وهي ستعمل على جذب السياح من غير المواطنين، وهذا مورد اقتصادي آخر لا يستهان به, وبلادنا ولله الحمد غنية بمواقعها التاريخية، وبتنوعها الثقافي، وبثرائها الجغرافي, أما السياحة كمجال استثماري رحب فهذا ما لم تغفله أو تتهاون به حتى الدول الصناعية الغنية, لا بل ان السياحة، في بعض الدول الصناعية الكبرى، تتفوق في مردوداتها المادية حتى على الصناعات الثقيلة نفسها.

إن المضيّ في الاستثمار في هذا النوع من الصناعة إنما يمثل حلقة أخرى من حلقات التكامل بين القطاعين الحكومي والخاص,وهكذا يكون القطاعان شريكين في النقل الفعلي لاستراتيجية تنويع الاقتصاد من النظري أو العموميات والأمنيات الى التطبيقي أو دينامية المحسوس والممارس,نحسب أن هناك أفكاراً أخرى قادمة تصب كلها في هذا الصدد,, فالشرط الاقتصادي هو شرط حاسم في كل أمور التنمية المنافسة، وهو لا يتحقق من الاعتماد على مصدر واحد للدخل القومي، مهما كان ثراء ذلك المصدر، بل لابد من تنويع المصادر، كما هي القرارات والاجراءات التي أخذت بها الدولة مؤخرا، ولابد أيضا من تكامل الوظائف، وتبادل الأدوار، كما هو جار اليوم بين الدولة والقطاع الخاص.

د. فهد العرابي الحارثي