الوهج الضخم الذي يملأ العين

 حينما احتدمت أزمة الخليج في العام الذي مضى جاءنا اليوم الوطني في وجه غير الوجوه التي القناها عنه في كل عام!

كان متجهماً!

وكان مندهشاً بما حدث ويحدث!

ففي الوقت الذي كان فيه السعوديون، والخليجيون عموماً، منشغلون بالبناء واستكمال الأدوات الضرورية للاحتفاء بمستقبل عربي أفضل كان هناك مجنون يهدم ويخرب، ويقتل ويشرد، ويعبث دون تردد بتطلعات الأمة، بل لقد كان يذبحها من الوريد إلى الوريد.

احتل دولة الكويت وهو يكشر عن أنياب نجسة تهدد أمن الخليج كله.. وتهدد مستقبله وطموحاته.

كان يومنا الوطني في تلك الفترة العصبية المرة منهجاً وهو يحدق في وجوه المجانين والمتهورين وأصحاب المغامرات غير المسؤولة، وكان مندهشاً أمام مفاجآت الواقع العربي المريض المسخ المليء بالتشوهات والعاهات القاتلة!

هل كنا –جميعاً- في حاجة على تلك الطعنة الخبيثة التي اثخنت الفؤاد وأدمت الضمير؟!

وهل كنا –كلنا- في حاجة إلى تلك اللطمة اللعينة التي لفحت الوجه يسفها الميت؛ فاعمت البصر، وأعاقت الرؤية، وعطلت كل قدرة على التفكير أو التخيل أو الحلم.

اختلطت الأوراق، وتداخلت الحسابات، واضطربت التقديرات، وارتبكت الخطئ وجاءت المفاجآت بحجم هائل لم يتصوره أحد، حتى المجنون نفسه، وحتى الذين طبلوا له وزمروا من المغامرين والكذابين والدجالين!

استبد الحزن يومها بكثير من الشرفاء والمخلصين في هذه الأمة.

فقد خرجت إلى السطح كثير من الروائح العفنة، والأطماع. والنوايا السيئة التي كانت تندس تحت الجلد المتورم بالخداع والنفاق!

وهنا، في هذه البلاد، شعرنا لأول مرة. أن “الكماشة” تحيط بالجمجمة، وإنها تهوي عليها بلا رحمة ودون هوادة.

ثم انجلت الغمة، إذ أبي الله إلا أن يعلي كلمته فينصر الحق ويرد كيد الكائدين إلى نحورهم، فتعود الكويت إلى أهلها. وتزداد وحدة هذه البلاد –بلادنا- صلابة وقوة. ويلتف شعبها حول قيادته بأقوى مما كان عليه الحال في كل ما سبق من تاريخنا الحديث.

لقد زادت تلك الأزمة في إيقاد كل ما كان مختبئاً تحت جلد إنسان هذه الأرض؛ فتحول الوطن إلى إشعاع ضخم متوهج لا يغيب لحظة واحدة من أمام العين ولا يهدأ دقيقة واحدة عن إلهاب القلب ودفعه وتحفيزه وقلنا يومها إن اليوم الوطني الذي جاء في غضون الأزمة ومن تحت غبارها كان ميلاداً جديداً للوطن ووعداً ثراً للمواطن!

شعرنا بالفعل أننا –نحن والوطن- نولد من جديد.

إن يومنا الوطني هذا الذي نعيشه اليوم هو الأول في صفحة ذلك الميلاد الجديد وعلى كف ذلك الوعد الثر.

واحسب أننا لابد أن نحس به على غير ما أعتدنا، وأن نتفاعل معه على غير ما الفنا.

إنه العيد الأول بعد “الخطر”. وإنه العيد الأول بعد فحيح الحقد والتربص وانتظار الانهيار والتمزق والتشرذم.

هذا اليوم هو النقطة الجديدة الأكثر إشعاعاً في صفحة المستقبل.. ذلك المستقبل الذي نمضي إليه بتصميم أقوى وعزم أشد.. وهو مستقبل حافل بالوعود الجميلة مع التاريخ والتقدم والحضارة ومع مزيد من العدل والحرية والإخاء.

ولا نريد أن ندين الأمة أو نسلخها من قيمها لمجرد أن بعض الطغاة.. وبعض المغامرين.. وبعض المنافقين قد أباحوا لأنفسهم العبث بمقدراتها، أو المراهنة على تدمير مستقبلها.

إننا لازلنا قويي الإيمان بما هي عليه أمتنا من فيم نبيلة، وريادة في الحضارة، وقدرة على المساهمة في صياغة المستقبل للبشرية كلها.

والسعوديون بالذات لا يمكن أن يتجردوا من هذا الاعتقاد.

كيف يمكن أن يحدث هذا وهم السديد والإيمان بأنهم “أهل العروبة” وأنهم “أصحاب الإسلام” قبل أي أحد سواهم.

أجل!.. هكذا يعتقدون.. وهكذا لا يجرؤ أحد على منازعتهم في أمور كهذه.