اليمامة

العدد 439

7 ربيع أول 1397هـ

25 فبراير 1977م

 تأليف (كتاب) كان إنجازاً ضخماً يحتاج إلى قدر وافر من الشجاعة والإقدام والمغامرة. كان مسؤولية غير يسيرة يأخذها الكاتب على نفسه، والجمهور، والتاريخ، ولهذا ظلت أحلام الأدباء في الخروج إلى الناس عبر طريق التأليف والإصدار؛ أمر يبعث في النفس كثيراً من المخاوف والقلق والتردد. وفي كثير من البلدان المحافظة، مازالت هذه الأمور تلون كل حالات ولادة الكتاب، إذ بقي هذا المعشوق يحتفظ بكل ماله من اعتبار ونفوذ وهيبة.

التقليد الكلاسيكي للإصدار والنشر، وبالذات في المجال الإبداعي، كان يضع دائماً أمامه هذا السؤال: هل الأثر المزمع إصداره سيحظى بشيء من “الخلود”؟! إن كان الجواب بالإيجاب، فلا شيء يعترض طريق هذا الإنجاز الهام، وإن كان الجواب بالسلب، فإن المعنيين يدارون “الفضيحة”، فيعمدون -هم أنفسهم- إلى القضاء على هذا الجنين الناقص، الذي لن تُكتب له حياة مديدة – على أية حال – فيما لو ولد. في السنتين الأخيرتين، بدأ اعتبار الكتاب يأخذ منعطفاً جديداً في البلدان التي لا يزداد فيها “النزق” الحضاري إلا تعقيداً، أو قولوا: بدأ الأدب عموماً يفقد كثيراً من بورجوازيته وارستقراطيته.

لقد أخذ يتدخل في كل شيء، أخذ ينازع الصحافة والإذاعة والتليفزيون أدوارها ومهماتها، بل لقد أصبح لكل كاتب صحافته وإذاعته وتليفزيونه. وأية مشكلة وقتية عارضة سياسية أو اقتصادية تتطلب التعليق والمناقشة، ليس من الضروري أن يذهب الكاتب المنفعل بها إلى إحدى الجرائد أو المجلات ليشرح للناس من خلالها موقفه ورأيه؛ بل عليه أن يتقدم بـ “مخطوطته” إلى أي ناشر، وفي خلال يوم أو يومين، ستكون هذه المخطوط كتاباً تتخاطفه أيدي الناس في الصباح، والمساء، حيث الذهاب إلى العمل، وحيث العودة إلى المنزل، في الكشكات، وعلى الأرصفة، وفي ممرات المترو، وفي المقاهي، وفي دهاليز الجامعات، وفي كل مكان.

هذا الكتاب حياته في أكثر الأحيان لا تتجاوز عدة أسابيع، ولكنه ينفِّذ مهمته الفكرية على أحسن وجه، هذا بغض النظر عن مدخوله التجاري. فالناشر والكاتب سيكونان على حظ وافر من الكسب؛ لأن الناس في هذه البلدان يقرؤون كثيراً،ويفضلون اصطحاب كتابهم الأسبوعي معهم في حقائبهم اليدوية؛ ليتمكنوا من قراءته في التاكسي، أو في المطعم، وحتى في الحمامات، خصوصاً إذا كان هذا الكتاب رواية جديدة، أو إذا كان يناقش مشكلة يومية تتعلق بحياة الجمهور عموماً اقتصادياً أو سياسياً. فكل الناس في هذه البلدان أصبحوا سياسيين، والاقتصاد هو أكثر مواضيع السياسة الراهنة تشويقاً، وبعثاً للخوف والقلق أيضاً.

الكاتب أصبح يهمه أن يضمن لنفسه أكبر عدد ممكن من القراء، وهذا الطموح لا سبيل إلى تحقيقه إلا بالحديث إلى الناس فيما يهمهم يومياً. هذا دور، والدور الآخر، هو أن يحاول تسليتهم والترفيه عنهم، وهذا يتم له عن طريق فن أدبي واحد ما زال يأخذ دور القيادة، وهو الرواية. والكاتب عن طريقها -هي الأخرى -يفوق إلى منافسة السينما والمسرح فكرياً وتجارياً.

العملية كلها عملية سباق عنيف ضار. الكاتب يروم فيه دائماً الظفر، خاصة وأنه يتنازل عن كثير من ارستقراطيته، فيخاطب الناس بما يفهمون، وفيما يفهمون.

إذاً مسألة “الخلود” عند أكثر الكتاب المعاصرين -وبالذات الشباب- أصبحت مسألة تثير الضحك، كما أن “هيبة” الكتاب الكلاسيكية، أصحبت أمراً ممجوجاً، ولا يتطلب وقتاً كبيراً من التفكير.

القراء أنفسهم يقرؤون للذة القراءة، ولشيء آخر أكثر أهمية، هو الاختلاء لساعات بالكاتب للحديث معه عن موضوع ما يمكن أن يثير اهتمام الجمهور. الكاتب في هذه الحالة، تحول من مرشد وموجه ووصي إلى صديق، أو إنسان عادي يتحدث بواقعية، وبلغة يومية مألوفة عن أي شيء من أشياء الحياة. والقارئ وهو يقرأ حديث الكاتب، لديه الشعور الدائم بأنه في حضرة مواطن أو إنسان “مثله”؛ حصل له شرف معرفته قبل لحظات في مقهى، أو أي مكان عام، ثم أخذا يتحدثان في كل شيء، وعن كل شيء.

أجل قارئ اليوم يبحث عن “صديق”، وفي المدن الكبرى، برغم كثرة السكان، وربما لهذا السبب من العسير الحصول على صديق تكاشفه ما في داخلك، ويكاشفك ما في داخله، تشكو له همومك، ويشكي لك همومه، تقول له آراءك في النظام، ويدلي – هو – لك بما لديه في هذا وذاك. لم يبق إلا الكاتب، وثمن صداقته والاختلاء به للحديث إليه، هو عدد من الريالات تشتري به كتابه. ولأنه لا يهمك كقارئ غير مختص أن تتحدث عن نظرية أدبية جديدة، أو مدرسة فنية حديثة، فلا تخف لأن كاتبك نسي، أو ينسى هو الآخر كل هذه الأشياء. سيحدثك بالأحرى عن الأزمة الاقتصادية، عن ارتفاع أسعار البترول، عن معركة الانتخابات القادمة،عن وعود الحكام ورؤساء الأحزاب. سيحكي لك قصة، أية قصة. سيتحدث عن حياته الخاصة، ولم لا؟ فأنت عندما تتعرف على صديق جديد، يهمك أن يتكلم عن دراسته، عن نشاطه، عن زواجه، عن هواياته، عن مفهومه للحياة، عن كيفية تعامله مع الناس، عن رحلاته، عن قراءاته،عن آرائه في الفن.

هذه الأشياء بما لم يأت به الأولون، ليس ضرورياً أن يأتي في كل ليكون شيقاً، وليس ضرورياً أن يكون كازانوفا، أو أحد جنرالات الحرب العالمية الأولى أو الثانية – مثلاً – لتقبل منه الحديث عن نفسه، بالعكس هو إنسان مثلك تماماً،ليس له خوارق، ولا معجزات، ولا مغامرات، ولا أسرار خطيرة، وربما لهذا السبب قامت الألفة بينكما. فهو يشبهك كثيراً، وهو لا يريد أن يبالغ، ويهول، ويعظم الأمور في الحديث إليك؛ لأنه يحترمك، ويعرف أنك ذكي، وإعجابك به أو الاتصال الذي سيتحقق بينكما، لا بد أن يقوم على هذا المستوى من التفاهم والاحترام المتبادل. ثم من قال: إن الحياة الشيقة المثيرة، هي التي تتطلب القراءة أو الإنصات؟! إن هذا تقييم عتيق جداً للعلاقة بين الكاتب والقارئ، خاصة وأن هذا الأخير، قد أصبح يتمتع بدرجة جيدة من الوعي، تحجب عنه الدرجة الممعنة في السذاجة والبراءة للافتتان بمن يسمون أنفسهم “كباراً” أو عظماء. إن حياة الإنسان العادي البسيط تهمه أكثر؛ لأنه يشاركه كل شيء فيها، فمتعته تكون أبلغ عندما يحس في كل ما يقرأ، أن الكاتب وهو يتحدث عن نفسه، إنما يتحدث عنه هو.

وهذا هو التفسير الوحيد لامتلاء سوق الكتب الآن بالمذكرات. إن هذا النوع من الأدب الذي كان مقصوراً على العظماء والجبابرة والمغامرين، قد فقد هو الآخر ارستقراطيته، وأصبح “شعبياً” خالصاً. فالمذكرات التي كان لا يكتبها سوى الجنرال دوقول، والكاتب جون جاك روسو، وغيرهما من ذوي السلطان والمجد؛ أصبحت الآن ممكنة لكل الناس. ومن الذي يستطيع أن يقول: إن حياة هؤلاء الكبار وحدها الجديرة بأن تضمها دفتي كتاب؟! ولماذا هي وحدها الجديرة بذلك؟! إن في بساطة حياة الأفراد العاديين من عوامل التشويق الباعثة على الاهتمام والتفكير ما يمكن أن يزن ما في حياة الجنرال دوقول أو جون جاك روسو من عناصر المغامرة والتفرد.

أسطورية الشخصيات المتفوقة أو “الخارقة للعادة” انهدمت الآن في مخيلة القارئ الحديث. والمذكرات التي كانت تمتلئ بالأسرار والمفاجآت، ولا تنشر عادة إلا بعد موت هذا “الجبار” الذي كتبها؛ لم يبق لها أي معنى من “الهيبة”. كل الناس يكتبون مذكراتهم، وكل الناس يقرؤون هذه المذكرات، مهما كانت بسيطة، ومهما كانت عادية.

في العامين الأخيرين، المكتبات الأوروبية تمتلئ إلى الحنجرة بالمذكرات، حتى أن المواسم الأدبية في هذين العامين كادت تأخذ هوية هذه المذكرات. أي وزير عادي يمكن أن يكتب مذكراته، أي ضابط في الجيش، أي ممثل في السينما، أي صحفي، أي مدرس في مدرسة ابتدائية، يمكن أن يتكلم عن حياته. فعلى الكرة الأرضية ما يزيد عن أربعة مليارات من البشر، ولكل واحد من هؤلاء حياته الخاصة التي كوَّنها بطريقته الخاصة، وعاشها بطريقته الخاصة، ومن الشيق أن يتحدث عنها للناس، للذين يهمهم أن يعاشروا أناساً آخرين على البعد.

أحياناً في هؤلاء الذين يودون أن يتحدثوا للناس عن حياتهم، من لا يعرف أبسط طرق الكتابة والقص، ولكن مشكلتهم تُحلُّ فوراً عن طريق مجهودهم الشخصي، أو عن طريق الناشر، لا عليهم إلا أن يقوموا باختيار واحد ممن لهم القدرة على ترجمة ما يقولون إلى لغة سليمة صحيحة، أو أنهم يفتحون آلة تسجيل، ثم يتحدثون عن كل شيء، وفي كل شيء،بطريقة منظمة أو غير منظمة، لا يهم. يقدمون ذلك فيما بعد إلى الناشر، وهذا بدوره يُكلِّف أحد المختصين بتنظيم أفكارهم بأمانة في لغة صحيحة ميسرة، ثم بعد ذلك يأتي دور المطبعة.

أجل. الأدب في هاتين السنتين الأخيرتين وجد نفسه أمام تحديين هامين وخطيرين:

الأول: الاعتبار الكلاسيكي لهذا الفن، والذي يضع الأثر في كفة من ميزان حساس ودقيق، ويضع “الخلود” في كفة أخرى. وعلى ضوء النتيجة التي لا بد أن تكون مقنعة، يتم نشر الأثر أو وأده، وبهذا يحتفظ النشر بكل هيبته، ويبقى الأدب على ارستقراطيته، وبعده عن السواد الأعظم من الجمهور.

الثاني: القدرة على الاتصال بالجمهور، كل الجمهور، من أيسر الطرق، وبأسهل الوسائل، وكلما ازدادت الرغبة لبلوغ هذه الغاية، كانت مسألة “الخلود” مسألة ثانوية. بعبارة أخرى، كان على الأدب أن يختار: إما “الخلود” دون الحاجة إلى السواد الأعظم من الناس، وإما السواد الأعظم من الناس، دون وضع “الخلود” كمقياس أساسي ومصيري للأثر.

النشر الأدبي والفكري الآن يأخذ بالخيار الأخير، وهذا يعني أن هناك تحولاً هاماً وخطيراً في المسار الأدبي، وهذا التحول بلغ أرقى الأنواع الأدبية، وأعني بالذات الرواية. فكل كتاب الرواية الأخيرين لم يعد يهمهم أن يكونوا مثل فلوبير، أو أندريه جيد، أو موباسان. لم يعد يهمهم أن يخلدوا، أو تخلد آثارهم الأدبية، كل ما يهمهم، هو الدخول إلى كل بيت. ولا نريد أن نسترسل في هذا المجال، فسيكون لنا حديث عن فرسان الرواية الجديدة في عدد قادم من “اليمامة”.

سيتساءل الكثيرون: هل سيخسر الأدب في هذا التحول الجديد، أم أنه سيكسب؟

المسألة ليست مسألة مكسب أو خسارة، إنها أهم من ذلك وأعمق، إنها ضرورة.

صحيح أن الأدب على هذا المستوى الجديد، سينسلخ من كل أو من أكثر أرديته البراقة الفضفاضة، سيبتعد عن الإغراب، والتعنت، والتصنع، والتكلف؛ لأن مهمته الجديدة تحتم أن يتخذ لغة جديدة وخيالاً جديداً. لن يفقد بهما رؤاه واعتباره الفني، بقدر ما سيسجل بهما نفوذاً جديداً وفتوحات جديدة.

إن هذا التحول “ضرورة”؛ لأن مفهوم الأدب لنفسه قد تبدل تبعاً لتبدل العلاقة الاجتماعية نفسها، فبعد أن كان الأدب: هو حديث الخاصة إلى العامة؛ أصبح الآن حديث العامة إلى العامة، أو قولوا: حديث الناس للناس. ومن هذا المنطلق، كان لا بد من هجر كل قواعد المفاهيم القديمة للغة الكتب، والأخذ بقواعد المفهوم الجديد الذي – بالمناسبة – لا يعرف “القواعد”، أو الشروط ، أو المواصفات؛ ليكون مقبولاً، أو مقروءاً، أو خالداً. كل ما يعرف، هو أنه “يهم” الجمهور. العلاقة الاجتماعية تبدلت اليوم، إذ أخذ الناس يزيحون من أذهانهم “أسطورية” القادرين على الحديث، والقادرين على “التدبير”. أخذ يحل محل كل ذلك الاتصال “العام”، وحق كل إنسان في أن يتحدث، وأن يدبر.

هؤلاء الذين كان من الواجب أن يصمتوا وينفذوا فقط . هؤلاء الذين كان من الواجب أن يستمعوا ويرددوا ما سمعوا فقط. هذا “الجمهور” أصبح من حقه أن “يتكلم”؛ لأن الحياة نفسها أصبحت أمراً يهم كل فرد، وعملية تلوينها وتكوينها مسؤولية كل إنسان.

كان للأدب على هذا المستوى من العلاقة الاجتماعية، أن يصبح نادياً كبيراً يجتمع فيه كل الناس، وهذا النادي ليس فيه خطباء ومستمعون، بل إن كل من فيه خطباء، وكل من فيه مستمعون في آن واحد.

الأدب سيتحول إلى زاد اجتماعي فيه أفئدة كل الناس، ويقدم كل الناس. وملامح هذا المنعطف الجديد، لن يقوى أحد على تحديدها كفنِّ الآن، بل سيتيسر ذلك بعد فترة زمنية كافية، يمكن أن يتم فيها “التشكل” الفعلي لقضية على هذا المستوى من الخطورة.

هذا التحول، أو هذا المنعطف، هو الذي أفقد الشعر دوره ومنزلته، وهو الذي أعطى الرواية دور القيادة والمنزلة المثلى؛ لأن الشعر لم يستطع أن يقدم من التنازلات الفنية ما قدمته الرواية. فالصفة “الجمالية” فيه أساسية، ومهما أعطيت من المرونة، فستبقى عنصراً لا يمكن أن يدير له الشعر ظهره كلياً، ولهذا ليس هناك أية غرابة في ترديد بعض مراقبي الحركة الفكرية هذا القول: الشعر الآن يرحل نحو العالم الآخر في تابوت من الدرجة الثالثة.

* ليس كل الأدب:   

إذا كان “الكتاب” قد أصبح إحدى وسائل الاتصال السريعة بالجمهور، مثله مثل الجريدة، والراديو والتلفزيون. وإذا كان الأدب – للغاية نفسها، ومن المنطلق نفسه – قد أخذ يقدم تنازلات جيدة أصابت منه الشكل والملامح الخارجية قبل كل شيء؛ فإنه يجب أن ننوه هنا بأنه قد ظلت هناك أنواع أدبية لم يتيسر لها، ولن يتيسر لها أن تأخذ المنعطف نفسه؛ لأن تقديمها لأية تنازلات من النوع الذي تحدثنا عنه سالفاً معناه أنها تقدم – فعلياً – على عملية انتحار. الشعر -كما قلنا- ستظل صفته الجمالية أساساً لبقائه واستمراره، مهما تطوع أهله في إعطائه درجة قصوى في “المرونة”.

ومثل آخر: الأدب الطليعي لن يكون في ميسوره أن يصبح لغة كل الجمهور، سيظل أدب الخاصة برغم كل شيء.

أضفت هذه النقطة تلافياً لظن عشاق هذا الفن بأنني أنذر بتحوله هو الآخر.

لقد افترض موته، بعد أن يخسر كل الأوراق في السوق الشعبية التي تريد “الصراحة” والمباشرة. وقد افترض استمراره لاعتقادي بضرورة ذلك؛ لأنه يظل هناك فئة ليست هينة من القراء والكتَّاب تحتاج إلى مراقصة عدد من الأخيلة والأوهام؛ لأنها تخاف أن تضع عينيها مباشرة على الحقيقة، أو ببساطة لأن ذلك يتناسب تماماً مع تصورات داخلية غامضة معقدة لا يفهمها الشخص نفسه، سواء كان كاتباً، أم قارئاً، لكني لن أتصور بحال أن يتخذ الأدب الإيحائي عموماً هذا المنعطف الجديد؛ لأن أول الشروط لقبول ذلك منه، هو أن يتنصل من إيحائيته أو رمزه، وأن يترك غلوه في اللامعقوليات لمسايرة منطق العامة، ويعني هذا أن يتنازل عن طبيعته الأساسية، أو عن روحه وماء الحياة فيه، أي أنه ينتحر.

الإصدارات في هذا الأدب الخاص مازالت بخير وعافية، وبين يدي في هذه اللحظات آخرها، وهو عبارة عن كتاب في مئة وثماني وستين صفحة، يحمل توقيع أحد أدباء الشباب البارزين جداً في فرنسا، اسمه “ماتيو بينزيه”، وعنوان الكتاب، هو: “أقوال وحكايات لرجل فان” Dist etre’cits du morted قيل له: إن كتابك عسير، أجاب: العسير هو القدرة على قراءته بالطريقة نفسها التي نستمع بها إلى أغنية. إن الذي يهمني، هو أن هناك شيئا ما يحدث على مستوى “الصوت”، على مستوى الأداء، على مستوى الإلقاء.

يجب عدم الاهتمام بمعرفة ما يريد أن يقوله الكاتب، هذا الاهتمام الذي سمَّم كل مناهج التعليم في الأقسام الأدبية.

“ماتيو بينزيه” أصدر كتابه الأول وعمره “22 عاماً” فقط .

وكان عبارة عن ديوان شعر، قدَّم له الشاعر الفرنسي المعروف “أراقون”، ثم أصدر كتابه الثاني وعمره “24 عاماً”، وكان عبارة عن رواية حملت عنوان “سِيَر” جمع سيرة.

Biogra phies

ولكن ومن يتخذ مساره الأدبي من الكتاب الآخرين لا يهمونا في هذا الموضوع، الذي يهمنا بالدرجة الأولى، هو تحول استراتيجية النشر على مستوى الكتب، ثم وضع مسألة “الخلود” لدى الكتاب ذوي الإصدارات الأخيرة موضع جدل، وموضع تساؤل أمام الرغبة في بلوغ قلوب الجمهور، كل الجمهور، وأنا أعني دائماً الكتاب أصحاب الأنواع الأدبية التي طاوعتهم في الانقياد نحو هذا الاتجاه الجديد.

د. فهد العرابي الحارثي.