لو أنني خشيت أن يتهمني بعض البسطاء بالعمالة أو الخيانة أو الانسلاخ من أمجادنا الحاضرة القراطيسية؛ لما ترددت لحظة في وضع أصبعي على الحقيقة المرة يوم أن تمت، وهي “الانتصار” الإسرائيلي في عنتيبي في أوائل يوليو عام 1976م. وما فكرت في أن أفرد (ملايتي) للإسرائيليين، فأكيل لهم السباب والشتائم ما قد يكونون أهلاً له في نظرنا كأخصام، وما قد يكونون في منعة منه في نظرهم -هم- وفي نظر العديد من سكان هذه الأرض. الخوف من أن يتهمني قومي بالعمالة، أو الخيانة أو ما شابه ذلك من الأوصاف التي نهبها بسخاء لكل من حاول أن يكون منصفاً على حساب عواطفنا الشخصية والقومية، والتي باتت أعظم أدواتنا، وأهم عوائق تقدمنا وسيرنا نحو الأفضل؛ هو الذي كان يمنعني من (الاعتراف) بأن عملية عنتيبي كانت من أذكى العمليات الحربية حتى الآن.

وكانت من أخطر المغامرات العسكرية التي لم يشهد التاريخ مثلها إلا قلة، مهما ألحقنا بها من أوصاف الغدر، والخبث، والخدعة، وانتهاك القوانين الدولية. بل إن هذه الأوصاف نفسها لم تقف عائقاً أمام رغبة أكثر الكليات والجامعات العسكرية في دراسة العملية، ومحاولة استنكاه أسرار نجاحها في أكثر دول العالم، وبالذات في الدول الكبرى.  وهذه الصفات نفسها أيضاً، هي التي أخذت تُمعن في إيقاد ضحكات الشعوب الأخرى علينا، وهي تتصور فينا (المهزوم) الذي ضاعت كل الأوراق الرابحة في يده، فلم يجد إنقاذا لكبريائه المهدور غير السب والشتم،  ومحاولة تقصي (فضائح) التاريخ اليهودي.

ما فكرت في أن أفرد (ملايتي) كالآخرين يوماً؛ لأنني كنت أدرك أن ذلك، هو أوقح إجابة يمكن أن تقدمها أمة تزعم أنها تعتز بتاريخها، وبكبريائها القومي والديني. كنت أريد لهؤلاء السَّابِّين والشاتمين أن يؤثروا السكوت، حتى يجدوا الإجابة التي تتناسب مع منزلتهم التاريخية والدولية، وفي الوقت نفسه تستوي مع قوة الضربة الإسرائيلية التي دوَّخت  العالم  كله. كنت أوثر أن يكفوا عن الكلام؛ لأن الكلام لم يكن في يوم ما الإجابة الفعالة على القوة والعلم والتكتيك الحربي.

كنت أوثر أن يعفوا عن السب والشتم؛ لأن هذين لم يكونا الرد الأمثل على الصفع واللطم. على العكس، إنها وسيلة الضعفاء والعجزة والقاعدين، وهذا بالضبط ما كان يقوله لنا الناس والعامة في شوارع أوروبا والعالم. ويومها بدلاً من أن يفتن العالم بنجاح العملية الإسرائيلية فقط، زدنا نحن فجعلناه يسخر منا، ومن جهلنا، ومن بساطتنا، ومن أسلوبنا العجائزي في الرد‍.

العالم الذي لا تعنيه القضية العربية بصورة مباشرة، لا يهمه من هم العرب، ولا يهمه من هم الإسرائيليون تاريخاً وحضارة. إن الفريقين يهمانه كواقع، وكقوة معاصرة، وكأسلوب في التعامل، والظهور، والفهم. ورسائلنا الإعلامية مع الأسف لم تشأ في أي يوم أن تكون على مستوى المنطق، بل إنها عوضاً عن أن تحاول إظهار العقل العربي على صورة جيدة من استيعاب الأحداث، والسمو إلى درجة الإقرار المنطقي بما يحدث، ومحاولة تبرير كل ذلك بحيثيات واقعية ونزيهة ومتجردة من أي هوى صبياني أو بسيط؛ فإنها تزيد (فتفضح) طريقة فهمنا للأمور البدائية التي لا تستوي مع سمو ميراثنا، الذي لم يبق لنا سواه. هذا بالنسبة للأجنبي عنا.

أما مواطننا المسكين، فهي مازالت تغرر به، وتخدعه في كل حين؛ حتى أصبح يظن أن السفاهة والعبارات البذيئة، هي إحدى الوسائل الحربية المعاصرة الفعَّالة.

إسرائيل نفسها تستغل في الخارج كل ما نكيل لها من عبارات نابية كسلاح ضدنا. فهي لا تمنع انتشار الشتائم التي نوجهها نحوها. بالعكس، فهي تسعى إلى ترويجها في كل مكان؛ لتطلع الناس على نوعية عقليتنا من جانب، وليكون ذلك استدراراً واستحثاثاً للرأي العام نحو مصيرها، وضد قضيتنا من جانب آخر.

لذا كان يجب أن ندرك أننا بهذا الأسلوب الإعلامي الممجوج، لسنا أمة مهزومة فقط، بل زيادة على ذلك، قوم وقحين  لا نستحي فنصمت، إن لم نجد غير الكلمات النابية رداً على صفعات العدو.

إعلام العدو يظل إعلاماً ذكياً، رغم أنه مفعم بالدسائس والمراوغة. وهذه الدسائس وتلك المراوغة تظل في نظر الأجانب عنا وعن إسرائيل، طريقة تصور معينة للأحداث نفسها. إنها مجرد تفسير الجانب الآخر لواقع سياسي أو عسكري يهم طرفين متخاصمين، هذا طبعًا في نظر المحايدين. أما في نظر المنحازين لإسرائيل، فإنه الحق بعينه؛ لأن هوى الناس يؤدي دوره هنا أيضاً.

عندما قرأت مذكرات قولدا مائير، كنت أجد رئيسة وزراء العدو السابقة تؤرخ لنشوء الدولة اليهودية، وللحروب التي خاضتها مع العرب.

ولكني كعربي أعرف أنني على موعد مع النظرة الإسرائيلية للواقع، ومع التفسير الإسرائيلي للأحداث. أما الأجنبي – وبالذات غير المتابع – فقد أخذ ما تقوله مائير على أنه الرصد الحقيقي لتطور أعقد قضايا القرن العشرين، ويدفعه إلى الوثوق فيما تقوله الرئيسة الإسرائيلية أمران:

الأول: انعدام عمل تاريخي أو إعلامي عربي مماثل في السوق الغربية أو سوقه هو.

والثاني: نسيانه من حين إلى حين، أن الكاتبة هي أحد الرؤوس القيادية في الدولة اليهودية نفسها، وأنها إنما تقدم الفهم الإسرائيلي للقضية؛ ولأن مائير تدرك أن القارئ الأجنبي ليس محصناً ضد الانسياق في تصديق كل ما تقول والأخذ به، فقد التزمت أو حاولت أن تلتزم الجدية، مبتعدة عن السب أو الشتم أو الهجوم المكشوف، حتى لا يضطر القارئ إلى التذكر بأنها قائدة إسرائيلية، وهي فوق ذلك تدرك أنها بسبها وشتمها وعدم تظاهرها بالموضوعية، إنما تستعدي القارئ الأجنبي ضدها، وضد قضيتها ودولتها. ومسألة أنها ستلحق إهانة بالغة بعدوها العربي بهذا السب وتلك الشتائم مسألة غير واردة؛ لأن مائير ليست غبية، وهي على إدراك تام بمنطق الإعلام المعاصر.

المواقف العربية من القضية، والمواقف الإسرائيلية من القضية نفسها تختلف، وتتباين بطبيعة تباين واختلاف المنطلق الفكري لمنطق فهم الأحداث وتفسيرها وتقديمها للناس. وحادثة عنتيبي لم تكن إلا مثالاً من أمثلة كثيرة وعديدة يحفل بها سجل الصراع العربي الإسرائيلي على المستوى الحربي، وعلى المستوى الإعلامي.

والوقت متأخر جداً للكتابة عن هذه الحادثة بالذات، وما كنت أريد أن أكتب عنها إطلاقاً. أولاً لأنها أمرضتني ومسحت وجهي بالخجل، وملأت صدري بعبوات جديدة من الحقد.

وثانياً: لأنني أخشى أن أجرح مشاعر قومي الرقيقة جداً فيزجروني، ولكن الذي شجعني على العودة إلى هذا الموضوع القديم الجديد، سمو الأمير بندر بن عبدالله بن عبدالرحمن آل سعود، هذا الأمير قرأت له في حياتي موضوعين فقط ، الأول افتتاحية لجريدة الجزيرة منذ شهور. والثاني في (الرياض) الصادرة في 28-2-1397هـ ، وأشهد إنني وجدت من خلال هذين الموضوعين فقط كاتباً مثقفاً، وأهم من ذلك “واعياً”، والكتاب الواعون في بلادي نُدرة.

بندر تحدث عن (الصفقة) الإعلامية لعميلة عنتيبي، متمثلة في فيلمين سينمائيين قامت الدوائر الصهيونية بالترويج لهما، أو قولوا: قام (رجال الأعمال) الهوليود – لأهداف تجارية بحته- بالعمل على توزيعها والدعاية لها في كل أنحاء العالم.

لم يتحدث بندر عن الانتصار العسكري في عنتيبي؛ لأن الناس قد فرغوا من الحديث عنه، حتى العرب أنفسهم كفوا عن (شتمه) وشتم الإسرائيليين، معتقدين أنهم قد بلغوا بهذه الشتائم غايتهم، إذ أفقدوا إسرائيل الاعتبار الذي كونته بنجاح في العملية في كل الأوساط العسكرية العلمية.

لقد تحدث فقط عن الإجابة الإعلامية العربية على ظهور هذين الفلمين، وهي تنبعث من منطلق الإجابة الإعلامية العربية نفسها على عملية عنتيبي الحربية نفسها؛ ولهذا اضطررت إلى التلميح إليها في بداية هذا الموضوع.

كانت الإجابة بيانات ومقالات محمومة من الصحف تندد بهذين العملين السينمائيين، وتكيل لهما خزينة الضعف العربي الإعلامي والعسكري نفسه. كانت ردوداً “عاطفية، وصبيانية وسخيفة”، كما وصفها الأمير نفسه، وكلها تنتهي بالمطالبة بإيقاف عرض الفيلمين في كل أنحاء العالم، أو على الأقل في المناطق التي يعتقد العرب أن لهم فيها نفوذاً. والمطالبة بإيقاف الفيلمين لم تستأثر بها الصحف فقط، يا سمو الأمير،  ولكن حتى بعض الدوائر الرسمية العربية جرَّبت حظها في هذا الصدد. في اليابان مجموعة من السفراء العرب ذهبوا لمقابلة رئيس الوزراء الياباني لتهديده بأن مصالح اليابان في البلاد العربية معرضة للخطر، إن لم يأمر بوقف عرض الفيلم في صالات السينما اليابانية مباشرة، وفعلاً تم وقف عرض الفيلم حسب طلبهم. وما أشك لحظة في أن هذا الإجراء قد آثار حنق اليابانيين، المواطنين خصوصاً، حتى أن عدداً من التساؤلات القسرية عن موقف الرأي العام الياباني من قضيتنا أخذت تثير في نفسي كثيراً من الاحتمالات المتشائمة حول هذا الموقف.

فإلى جانب أن هذا القرار جاء بتأثير عربي، وهذا ما يُمكِّن اليابانيين من استنكاره، ومن إثارة غضبهم ضد هؤلاء الذين جاؤوا يمارسون ضغوطاً متغطرسة في بلادهم؛ فإنه بلا شك سيثير، بقدر قليل أو كثير شيئاً من التعاطف مع الإسرائيليين.

الصحف والدوائر الرسمية لم تكن كل شيء في هذه الإجابة العقيمة الساذجة، بل هناك صور “العنف” التي مورست ضد دول أخرى سمحت بعرض الفيلم. صور العنف التي مازالت بعض الأطراف العربية المتطرفة تعتقد أنها الوسيلة المثلى لمحاربة إسرائيل في الخارج، وتنسى أنها تخسر بها أكثر مما تكسب. فأية عملية عنف في الخارج ،إنما تستحث حقد العامة على العرب وعلى قضيتهم، مهما حاول هؤلاء الأجانب عنا أن يستكنهوا أسباب هذا العنف والقتل والرعب ودوافعه في بلادهم وضدهم أحياناً؛ حتى لقد أصبح العربي – أي مواطن عربي – في بعض هذه البلدان أو أكثرها غولاً مخيفاً يهرب الناس منه، وليس لديهم أي استعداد للاستماع له، أو للحديث إليه. وحتى أصبحت البلاد العربية مغارة للمتوحشين والسفاحين، والقتلة. وحتى أصبحت القضية العربية لعنة في وجه كل عربي يحاول أن يقترب من الرأي العام الأجنبي للحديث إليه عن عدالتها ونزاهتها.

في الأرجنتين قام أربعة مسلحون بوضع عشرين كيلو غرام من المتفجرات، نسفت داراً للسينما تعرض أحد الفيلمين. وفي الأرجنتين نفسها قام مسلحون آخرون بالاعتداء على أحد البنوك في كوردوبا، أخذوا منه “7100” دولار وهربوا.

وفي ألمانيا الغربية الحادثة نفسها في دارين للسينما، ثم أضف البرتغال، وروما، وأثينا، وغيرها من العواصم العالمية الأخرى.

هذه هي نوعية إجاباتنا على التحركات الصهيونية العسكرية والإعلامية. وهذه هي “العينة” الوحيدة التي استطعنا أن نقدمها للناس في الخارج عن عقليتنا وطريقة تفكيرنا، وتصرفنا، وبالتالي هذا هو نموذج الأسلحة التي نملكها في مواجهة العدو.

ونحن في كل هذه الحالات خاسرون.

في الداخل، مواطننا المسكين بهذه الطرق نخدعه؛ لأننا نوهمه بأن هذا هو القاموس الذي يجب أن تظل عليه الأمور، ونسيء تربيته في الوقت نفسه؛ لأنه سيتولى مسؤولياته بعدنا بمنطقنا نفسه، وهو لا يدرك أننا إنما نلجأ لكل ذلك جهلاً أحياناً، ورغبة في جبر خاطره المسكور بالهزائم أحياناً أخرى. وهو أيضاً لا يدرك، أننا إنما نضع بين يديه ألعاباً جميلة ملونة؛ لتسليته عن رؤية الواقع المر أحياناً. وأحياناً نخجل أن نواجهه بالحقيقة؛ لأنه سيفقد ثقته فينا، فهو مازال يعتقد أننا قوم لا يمكن أن يهزموا، حتى وإن حاربوا نياماً.

وفي الخارج، الناس لم تعد “تنطلي” عليهم سيوفنا الخشبية، وكلما حاولنا تكثيف الضوضاء حولنا بالصياح وباللعن والشتم، إنما نزيدهم سخرية منها. إنه ليس من العيب أن ننهزم، وإنما من العيب أن ننكر الهزيمة. وأنه ليس العيب أن يحقق الخصم أي سبق، وإنما من العيب أن نكابر، فننكر هذا السبق. وقد يكون لنا ظروفنا التي قعدت بنا، وقد يكون للخصم ظروفه التي تقدمت به. ومنطق اليوم والواقع يدعوان إلى القيام بعملية “تشريح” منصفة لظروفنا وظروف الخصم؛ لتبرير تفوقه وتقليل قعودنا. وفي هذا يتم الإقناع للأجنبي بملابسات الحادث، ويكون التدليل على نزاهتنا. وعثرتنا ليست أول عثرة في التاريخ لأمة ذات ميراث نابه كأمتنا. وهذه العثرة قد تبقى كما هي “عثرة”، ولكننا بهذا الأسلوب نتحاشى أو نضيف إليها المكابرة والسفاهة.

وفي هذا أيضاً تكون مصارحة مواطننا العربي ليدرك واقعة كما هو بمرارته وآلامه، ثم ندعوه إلى العمل على بلوغ الأحسن، بدل أن نشعره –باطلاً- بأنه في الذروة، فيقعد ويستكين.

هذه هي أبسط أبجديات التربية الحسنة، وقد استحييت وأنا أرددها هنا كأنني في أحد فصول الدراسة الابتدائية. أعذرونا أيها الواهمون، غفر الله لنا ولكم.

سأعود إلى مسألة المطالبة بحظر عرض الفيلمين الإسرائيليين في بعض الدول الأجنبية التي لنا عليها تأثير. فأتساءل: من أية قاعدة منطقية انطلقت هذه الدعوة، بصرف النظر عن أن يكون لنا حق فيها أو العكس؟

سأشرح: الفيلمان خرجا بعد العملية العسكرية بأشهر، وكل الناس في كل إنحاء العالم أدركوا تفاصيلها وأبعادها وكل خطواتها، وذلك من خلال التغطية الإعلامية الصحفية، والإذاعية، والتلفزيونية المكثفة. وتستوي في هذا النشاط المكثف أجهزة الإعلام المعاضدة، والمحايدة، والعدوُّة. وإن كان الفيلمان – برغم صبغتهما السينمائية- لم يبعدا عن الحقيقة، فإن مطالبتنا بمنعهما تعطي الأجانب انطباعاً سيئاً عنا. فإلى جانب معرفتهم المبيتة بــ”الانتصار” الإسرائيلي في عنتيبي، سيضيفون أننا غوغائيون نضيق بالصراحة والصدق، وكأن الأولى لم تكفنا، فأخذنا نسعى وراء الثانية.

هذا بالرغم من كل ما يمكن أن نتصوره من تبريرات، لابد أن تدور في رؤوس هؤلاء الأجانب لاستساغة موقفنا.

وإن كان الفيلمان محشورين بالأكاذيب والمبالغات والأباطيل، فبدلا من أن تدفعنا هذه الأشياء إلى المطالبة بمنعهم، من المفروض أن تكون هي حافزنا للترويج لهما؛ ليطلع كل الجيل المعاصر على مدى جرأة العدو على الكذب والباطل، وتزوير الأحداث وتشويه الحقيقة.

إذًا فإن المطالبة بمنع الفيلمين أمر مرفوض، إن كنا أذكياء، خصوصاً إذا علمنا أننا بكل هذه الصيحات والتدخلات لم نزد الناس في أكثر البلدان التي لم ترضخ لنا، فنمنع عرض الفيلمين، وما زادهم ذلك إلا تعلقاً بمشاهدتهما. فهذه الضجة أصبح مفعولها عكسياً. فبدلا من  أن تمنع انتشار الفيلمين، أخذت تثير فضول الناس نحوهما، فهم يكتظون أمام الصالات التي تعرضهما بأعداد تفوق التصور، وكلهم يريدون أن يشاهدوا هذين الفيلمين اللذين أثارا حفيظة أمة بحالها. وهذا التخطيط العربي لمحاربة الفيلمين، جعل الهوليوود توفر ملايين الدولارات من مصروفات الدعاية لهما.

وأتساءل أيضاً: هل ستأخذ إسرائيل بالتصرف العربي نفسه لو كنا نحن الظافرين بكل هالات عنتيبي العسكرية والدعائية، فأنتجنا هذين الفيلمين؟ بالتأكيد لا؛ لأن إسرائيل قلما ارتكبت حماقة من هذا الطراز. إن حماقات الإسرائيليين معروفة وواضحة، ولكنها ليست من هذه الفصيلة. قد تكون أوقح وأخبث، ولكنها في أكثر الأحيان أذكى وأخطر.

إسرائيل قد تعمل ما في وسعها لإحراق الفيلمين إعلامياً، ولديها وسائلها الخاصة في هذا الصدد، وكل العرب يعرفونها. وقد تكون على مستوى بعيد من الدناءة والرخص، ولكنها ستحسب كل حسابها لعدم خسارة الجولة، أو  -أكثر من ذلك- عودة خنجرها إلى صدرها هي.

خذوا مثلاً:

العرب الآن يعملون على إنتاج فيلم سينمائي يصور النصر العربي في معركة أكتوبر المظفرة، ويقال: إن هذا الفيلم سيكون بطولة عمر الشريف. لا يهمكم صدق هذا الخبر من كذبه الذي يهمكم هو: هل تتصورون أن الإسرائيليين سيقاومون عرض هذا الفيلم بالطريقة نفسها التي انتهجها العرب في محاربة فيلميِّ عنتيبي؟ وهل تتصورون أن الإعلام الإسرائيلي سيجيب على هذا الفيلم بالإجابة نفسها التي اتخذها الإعلام العربي في مواجهة فيمليِّ العدو الدعائيين؟ لا والله، بل إنه سيعمل على ذبحه بوسائل أدهى وأذكى، وأنتم تدركون ذلك حق الإدراك.

أخيراً:

لا تجوروا عليَّ، فأنا أحبكم أكثر من نفسي، وما القسوة في حديثي إليكم إلا ثمرة الغيرة عليكم.

أنا كالطفل الذي يُمزِّق جيوب أبيه كلما حاول هذا الأب أن يراهن على حصانه العجوز.

أنا كالطفل الذي ينتف لحية أبيه، كلما حاول هذا الأب أن ينقض على صيدته ببندقية قتلت جده وأخاه؛ لأن بارودها لا ينفذ من فوهتها، بل يرتد –من مؤخرتها- إلى صدر القناص فيجرحه، وأحياناً يقتله.

أنا كالطفل الذي ينهر أباه بدون أدب، كلما حفَّز هذا الأب للمقامرة ببيتهم القديم.

أنا كالطفل الذي يلوم أباه بحدة، كلما أناخ هذا الأب جمله في ساحة الدار، وهو يعود من المدينة، بعد أن أضاع فيها عقاله وعصاه.

أنا كالطفل الذي يتعلق في عنق أبيه وهو يصيح، كلما أصرَّ هذا الأب على عناده في مزاولة تجارة يدرك أو لا يدرك سلفاً أنها خاسرة.

تقبلوا صرخة هذا الطفل غير المؤدبة، فهو يحبكم.

قبل أن تنام:

قالت: بالتأكيد ستبكيني كما بكيتها.

قال: لقد كان حبها فوق طاقتي، ولهذا بكيت.

قالت: وحبي أنا؟

قال: ليس أقل من حبها، ولكنني لن أبكيك.

قالت: لم أفهم.

قال: كان قلبي هشا يوم أحببتها، ولهذا تبعثر وتدفقت شظاياه من عيوني يوم افترقنا.

قالت: والآن؟

قال: أصبح هذا القلب راشداً لا يبكي.

قالت: قبحك الله.

قال: نسيت أن أقول: الذين لا يقدرون على البكاء يتألمون أكثر من البكائين، وكم يتمنون لو تنهمر دموعهم فيستريحون.

ضحكت بغرور، ثم رمت رأسها على صدره ونامت.