اليمامة العدد 508

5 رجب 1396هـ

2 يوليو 1976

 الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يقفل فمه على فوهة مسدس ليفرغ في حنجرته رصاصة أو رصاصتين، يكتب بهما نهاية حياته (ينتحر).

والإنسان أيضاً، هو الحيوان الوحيد الذي يمر بتجربة جيدة من المتعة عندما يرغمه إنسان آخر على ابتلاع حفنة لا بأس بها من المسامير الحادة، أو من قطع الخشب الناشف.

والإنسان أخيراً، هو الحيوان الوحيد الذي لا يبحث في زوجته أو عشيقته إلا عن الوجه السالب أو الرافض لتسحبه على وجهه وقفاه في دهاليز البيت، ولتصلبه على باب المطبخ والحمام. تضربه بالمكنسة، وتكسر على جمجمته زهريات الصالون، فلا يستنكف، بل يعود ويتضرع إليها أن تغرس أظافرها الطويلة في وجهه وعلى صدره الأشعر.

هذه مجموعة أفكار مازوشية لكم أن تعدوها خلاصة فلسفة ساشير مازوش (الكاتب النمساوي الشهير)، الذي ضرب في طول القرن التاسع عشر وعرضه، يؤكد مدلولاً فكرياً ونفسياً جديداً لتعلق الإنسان بـ(المتعة) كإحدى الفواكه النادرة للألم والقسوة والتعذيب، التعذيب الذي يتلقاه هو كمقصد، وليس كفاعل مباشر. فالإنسان – عنده – يتوق دائماً لأن يكون (معذباً) كوسيلة جبارة لبلوغ (اللذة).

طلب المتعة غريزة، هذا لا اختلاف عليه، ولكن إشباع هذه الغريزة عن طريق التألم والتوجع، بينما يكون عند بعضهم انحرافاً، فهو عند مازوش (جبلة) لا تناقض في حال طبيعة الإنسان وتكوينه.

هذا الكاتب كان يناقش في أعماله قضايا هامة في الوجود الإنسان وتاريخ الحضارة، مثل: التملك، والدولة، والحرب، والعمل، والموت. ولكن مناقشة كل هذه القضايا كانت تنبعث لديه من نقطة واحدة، هي فلسفته لدور (الرغبة) وأهميتها في الإنسان. وقضاياه تلك كانت تتلون دائماً بلون قرمزي واحد، هو الصراع بين النساء والرجال كواقع وكذكرى يونانية مغرقة أو قولوا: كحلم طوبي لـ(مستحيل) جديد. وفي هذا التصور، المرأة ليست فقط الشريكة الشرعية للرجل في كل شيء، بل أكثر من ذلك أنها لابد أن تتخذ من الرجل (عبداً) لا يقدم ولا يؤخر.

قال يوماً:

(إنني أجد جاذبية غريبة في أن أتلم،  في أن أتوجع، ولا شيء يستطيع أن يضرم متعتي، مثل الطغيان أو القسوة اللذين يتخذهما في حقي آخرون، ثم لا تسألوا عن متعتي البالغة عندما تغدر بي امرأة فاتنة جميلة).

هذا المفهوم لأحد جوانب طبيعة الإنسان وسلوكه وتصرفه شكَّل اصطلاحاً جديداً لدى الفلاسفة وعلماء النفس، والأمراض العصبية، هو: المازوشية،  فاستخدموه في كل أبحاثهم ودراساتهم النظرية والتطبيقية لتمييز إحدى (عقد) الإنسان العصيبة. وهذه العقدة ليست جديدة من حيث كونيتها، وإنما من حيث اكتشافها وتبويبها بين مجموعة العقد الأخرى. وأثناء عثورهم على هذا المصطلح الجديد، كان لهم أن يزيحوا الحجاب عن عقدة أخرى نقيضه، هي: (السادية).

وبرغم أن ساد (الكاتب الفرنسي)، خلقه الله قبل مازوش (القرن الثامن عشر)، إلا أن أحداً لم يكن يجرؤ حتى نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين على الإشارة بصراحة ووضوح إلى هذا الكاتب الفضيحة وفلسفته الساخنة، وهذا ما سنتحدث عنه بعد قليل.

الفلاسفة نسبوا السادية إليه؛ لأنه – سواء بسلوكه وسيرته الشخصية، أو بما كتب فأحرق ودمر، ظل مغموراً إلى عهد قريب. كان يؤكد ضرورة توفر (المتعة) للإنسان، بل إنه لا يفسر وجود هذا الإنسان إلا بها، ولكن لبلوغ هذه المتعة كان يتخذ طريقاً معاكساً تماماً لطريق مازوش. هذا الطريق يتصف هو الآخر بالقسوة والطغيان. ولكن الباحث عن (الظفر) عند ساد، هو الذي لابد أن يعذب، وأن يلحق الشرر بالغير. بعبارة أخرى، هو الفاعل المباشر، وليس المتلقي. هو الذي يجد في تعذيب الآخرين، وفي الاغتسال بدمائهم لذة لا تحصر. هو الذي يجد في توجع غيره من البشر انتصاراً لمتعته الإجرامية وأنانيته الصرفة.

الإنسان عنده لم يخلق إلا ليلهو بكل الموجودات من حوله، وقد يكون للهوه هذا ضحايا، ولكن لا بأس؛ لأنه من (المفروض) أن يكون هناك ضحايا.

القسوة – عنده – هي الطاقة الفعلية للإنسان الطبيعي الذي لم يفسده التمدن، وهي على هذه الحال فضيلة وليست عيباً.

هذا هو مفهوم ساد للإنسان وللحضارة وللتاريخ.

عند علماء الأمراض العقلية والنفسية يتحدد المفهومان: السادي،والمازوشي في انحرافين خطيرين لطلب اللذة عند شخص، فقد يكون الإنسان سادياً فقط، وقد يكون مازوشياً فقط، وقد يكون الاثنين معاً في آن واحد.

بعض الفلاسفة المحدثين حاولوا العثور في هذين المفهومين على تفسيرات أكثر بعداً، وأكثر غوراً للوجود الإنساني اليوم، خصوصاً هذا الوجود الذي يتخذ من العنف والقسوة والطغيان وتقديم الضحايا قاعدة له.

لو سئل أحد هؤلاء: ما أهم ميزات الحضارة الإنسانية اليوم؟ ما تردد لحظة في لفظ هذه الإجابة القاسية الغليظة: العنف.

والعنف بمفهوم ما ليس له مسببات، وكل ما (يدفع) إلى اقتراف جريمة من الجرائم، لا يمكن أن يعد مولداً للعنف في الإنسان، وإنما هو بالأحرى أحد العوامل التي تكشف في الإنسان أحد جوانب فطرته السلبية. والجوانب السلبية للفطرة دائماً موجودة،ولكنها مختفية؛ لأنها خجولة خائفة تخشى نفور المحيطين، وتتلافى عقاب السلطة.

الإنسان في بعض المواقف الاستفزازية ينسى المحيطين، ولا يفكر أبداً في عقاب السلطة، فـ (يقسو)، ويطغى ويجندل ضحاياه. والمواقف الاستفزازية التي تلهب رغبته في الكشف عن لذة القسوة) فيه، لها أكثر من صورة نشاهدها كل يوم وفي كل مكان، يجمعها إطار  واحد، هو البحث عن (النجاة). فالإنسان المعاصر يبحث في كل مواقفه عن النجاة، سواء كان ذلك على مستوى الأفراد، أو على مستوى الشعوب.

وهذا هو التفسير الوحيد لكل حروبه ولكل جرائمه الجماعية والفردية.

والبحث عن النجاة شعور يراوده هو، وهو لا يحتسبه مبررا لهذه الجرائم، بل يجده ضرورة حتمية لسعادته ولذته.

هو (يقتل) من أجل أن ينجو، و (ينتحر) من أجل أن ينجو أيضاً، وهو في الأولى أو الثانية أو فيهما معاً؛ يمر بتجربة حادة من اللذة والمتعة.

وربما لهذا السبب وحده يكثر ترديد السادية والمازوشية على ألسنة الذين يتحدثون بتبصر عن حضارة الإنسان اليوم وإنجازاته الفكرية.

فالفكر – هو الآخر – كضرورة من ضرورات تفسير سلوك الإنسان أو نقله، أخذ يهتم بالقسوة، وأحياناً يتشكل بها. وهذه القسوة – بالنسبة له – لا تتوقف عند مجرد كونها موضوعاً أو قضية تناقش وتدرس، بل تذهب بعيداً إلى مستوى (النوعية)، أي نوعية الفكر نفسه ومحتواه ومادته وهدفه. فأدوات الكاتب – مثلاً –دائماً أدوات مدببة حادة تجرح وتدمي، وشخصياته دائماً مرعبة مخيفة تقضم الجمر، وتفتل (بالفاء) من أمعاء الآخرين ضفائر تتحلى بها.

ولهذا كان هناك اليوم كُتَّاب وشعراء ساديون وآخرون مازوشيون، وهذا لا يعني أن هاتين النوعيتين من الكتاب والشعراء لم تكن موجودة قبل اليوم، وإنما يعني أنها كانت سابقاً أقل، وكان ارتيادها للواجهة الفكرية ارتباطاً خجولاً.

تذكروا أن كراهية سارتر لفلوبير (1821 – 1867)، إنما جاءت من طريقة فهم سارتر لهذا الكاتب، حيث وجد أنه مزوشي وسادي في آن واحد، فجاءت شخصياته بائسة تثير الشفقة، وفي الوقت نفسه عنيفة لعينة لا تستدر إلا الكراهية.

في القرن التاسع عشر مع فلوبير، كان هناك كتّاب آخرون أصيبوا بإحدى هاتين العقدتين أو بهما معاً، ولكن كثرتهم لا تطغى على كل شيء، كما هي الحال اليوم.

لا يهمنا المفكرون الذين تأثروا بالسادية كفلسفة وكتفسير للوجود ووسيلة للمتعة، مثل بلزاك وأبو للينير وغيرهما، وإنما يهمنا المفكرون المرضى المصابون فعلاً بهذه العقدة، مثل أرابال، وبازوليني إلخ.

اليوم كأنه أصبح لابد لكل مفكر أن يكون سادياً، أو مازوشياً، أو الاثنين في آن معاً. والناس أنفسهم أصبحوا شديدي التعلق بأي كاتب أو شاعر له هاتان الصفتان أو إحداهما. أكثر هؤلاء الناس هم أيضاً مرضى مصابون، ولهذا فهم يبحثون دائماً عما يملأ (تصوراتهم) بما يكتبه الساديون والمازوشيون من كتب وأشعار ومسرحيات وأفلام. بعضهم يثق بأنه لابد أن (يخاف)، وأن ينزل الرعب منه كل منزل، وأن يتعذب ليستمتع. وبعضهم لابد أن (يخيف)، أو يشاهد ويقرأ درجات الرعب والألم في نفوس الآخرين للغرض نفسه.

هؤلاء الناس أصبحوا لا يجدون حرجاً في أن يكونوا ساديين أو مازوشيين؛ لأنهم أصبحوا أكثر صراحة في مواجهة مقومات وجودهم كبشر، ولأن (الإصابات) قد تعددت وانتشر الوباء في كل مكان، ومن هنا جاء الفكر يعاين هذه (الإصابات)، وأحياناً يشبعها ويغذيها.

ثلاثة كتب حديثة الصدور، كلها عن ساد وله:

الأول: (ساد.. أو الكتابة الراغبة) Sade. Ou l,ecriture du desir

الثاني: (الفلسفة في المعصرة)

La philosohie dans le pressoir

الثالث: (ساد.. اكتب اسمك: حرية).

Sade. J, ecris ton nom. Liberte

ربما وجدتم في السطور السابقة أسباب هذا الانفتاح الجديد على السادية، وعلى دراسة سيدها (ساد)، ونثر أعماله الأدبية والفكرية بعد حوالي قرنين من وفاته.

في القرن الثامن عشر -حيث عاش ساد- وطوال القرن التاسع عشر بعد موته لم يكن هناك من يجرؤ على الحديث عنه لا ككاتب ولا كإنسان. وفي تواريخ الأدب الفرنسي كلها، ليس هناك أي ذكر له ككاتب؛ لأن الفكر يومها كان يرفضه، ولأن الناس يومها أيضاً كانوا يلعنونه ولا يذكرونه إلا بالسوء، حتى الذين تيسَّر لهم في الخفاء أن يقرؤوه، كانوا ينكصون عن الاعتراف بهذه الحقيقة.

والمعروف أنه كان يحمل لقباً فرنسياً نبيلاً (ماركيز)، إذ كان يرتبط عن طريق أمه بكل ما كانت تحتضنه مملكة لويس الخامس عشر من عظمة. وكان يتعلق عن طريق أبيه بكل ما للريف من تميز وكبرياء، ولكنه خرج على ناموس هذا الميراث بفسقه ومجونه وانحرافه وجرائمه، فقضى في السجن أكثر من ثلاثين عاماً، والإحدى عشرة سنة الأخيرة في حياته، قضاها في مصحة للمجانين بطلب من أولاده. لم يكن مجنوناً، وإنما أودعوه هذه المصحة تلافياً لفضائحه التي كان لا يتردد في ارتكابها. وعندما مات مسحوه من شجرة النسب ورفض ولده أن يرث اسمه ولقبه النبيل من بعده.

بعض أعماله الأدبية، مثل (جوستين)، و(جولييت) نشرت خفية في حياته، إذ كانوا يمنعونها ويمنعون قراءتها. وأعماله لم يتم لها النشر الرسمي إلا في هذا القرن، وبالذات في السنوات الأخيرة.

أبو للينير الشاعر المشهور الذي أخذ إلى حدود اللامحدود الشعر الفرنسي بضربة واحدة، عندما أصدر في بداية هذا القرن ديوانه: (الكحول) l, alcool

متأثراً عن طريق صديقه بيكاسو (ربما) بأهم مدارس الرسم التكعيبية الحديثة. هذا الشاعر غامر عام 1909، فأخذ على عاتقه أن يقدم للناس (عينة) من أدب ساد، فاضطر برغم كل شيء إلى (تخفيض) طعم وروائح تلك العينة، وإلا فإن السجن ينتظر هو الآخر.

وفي أواخر القرن التاسع عشر ظهر اصطلاح السادية، ومؤخراً جداً ظهرت مؤلفات ساد ورواياته. ولهذا فقد أدهشني وأنا بصدد كتابة هذا الموضوع ما قاله مجدي وهبه، أستاذ الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة في كتابه (مصطلحات الأدب) من أن السادية: (فلسفة مادية حسية تميز بها كثير من أدباء القرن الثامن عشر في فرنسا).

من هم هؤلاء الأدباء (الكثيرون) الذين تأثروا بساد وبالفلسفة السادية في القرن الثامن عشر، أي القرن الذي عاش فيه ساد نفسه؟! لا أحد مطلقاً؛ لأنه لم يتيسر للناس قراءة ساد آنذاك. بعد موته فقط ،أي  في بداية القرن التاسع عشر بدأ بعض الكتاب والشعراء يقرؤون ما يسقط في أيديهم من أعماله الممنوعة، ويتأثرون بها أحياناً، ومن هؤلاء أكثر كتّاب (الرواية السوداء)، مثل بلزاك وبعض الشعراء أيضاً، مثل (برويل) الذي قال عنه أندريه بروتون: (أنه سيد الدعابة السوداء، والوحيد الذي تنطبق عليه صفة المسعور). هذا الشاعر كتب رواية دعاها (بوتيفار)، وفيها كان يبدو للنقاد أنه خير من قرأ أعمال ساد.

وسانت – بوف الذي بلغ ذروة بعده النقدي وهو ما يزال في سن العشرين، صديق هوفو وزميله في جماعة (سيناكل)، التي كانت تناضل ضد الكلاسيكية الجديدة دفاعاً عن الرومانسية، التي كانت تشغل مكاناً فسيحاً يومها. سانت – بوف هذا كتب يومًا يقول: (أستطيع أن أؤكد أن بيرون وساد كانا الملهمين الحقيقيين لمحدثينا. فقط الفرق بين بيرون وساد، هو أن الأول ظاهر معلن لكل الناس، أما الثاني فقد كان خفياً مستتراً).

ويقصد بالمحدثين هنا أصحاب الرومانتيكية يومها. وما من شك أن بيرون الشاعر الإنجليزي الذي كان يعرف بأنه خير من كان يجسد تعاسة ذلك القرن؛ قد ترك آثاراً واضحة على هؤلاء. وساد هو الآخر كان له تأثير على بعضهم ممن توفر لهم أن يقرؤوه، ولكن كل ذلك لم يتم إلا في القرن التاسع عشر، وليس الثامن عشر كما ذكر الأستاذ مجدي وهبة.

الفريد دو موسيه، كان أحد المتأثرين بساد، وخاصة في (حكايات من أسبانيا وإيطاليا)، التي تميزت بطعم واضح لرومانتيكية عدوانية عنيفة. ومسرحيات دو موسيه فيها شيء من هذا التأثير، وتعد اليوم المساهمة الأكثر أصالة، والأكثر خلوداً في الرومانتيكية الفرنسية في الفن الدراماتيكي بالذات.

اليوم إعادة اكتشاف ساد، ونشر أعماله التي نجت من الحرق والتدمير، ومحاولة دراستها وتبويبها في تاريخ الفكر الفرنسي؛ لا تعني أن هناك ميلاداً جديداً لرومانتيكية جديدة، بل تعني أن هناك عثوراً فريداً للفكر الحديث على بعض ملامح الفلسفة السادية في أخلاق القرن الحالي، وفي نفسية إنسانه المعاصر، فلا غرابة أن تجد اليوم من يعيد (تقويم) ساد ككاتب وكـ(فيلسوف)، فيقول: أن كتبه انعكاسات لفلسفة الحرية وتحرير الإنسان. فالرغبات في القرن الثامن عشر لم يكن لها سمعة حسنة، ولهذا طاردوا ساد وسجنوه وكتموا أنفاسه، أما الآن وقد أصبحت الرغبات، هي القاعدة الأساسية لسلوك الإنسان وتكفيره، فلا حرج  عندهم  أبداً في الترديد بأن (ساد ذهنية حرة لم يسبق لها مثيل)، وأنه كان يعطي للأدب الفرنسي ما كان ينقصه، والذي كان ينقصه هو الرواية البيكارسكية التي تعني بتصوير حياة التشرد والمغامرة. و(جولييت) التي كتبها ساد، هي الرواية البيكارسكية التي (لم ينتج الأدب الفرنسي مثلها) إلخ.

وحتى أسرته التي محت اسمه من شجرة نسبها؛ تلافياً للعار، أصبح الآن بعض أفرادها شديدي الفخر بأنهم ينتمون إلى هذا الفيلسوف (الحر). وخير من يقدم هذا الموقف الجديد: (أقزافييه دو ساد)، أحد أحفاد ساد. وقد حاول هذا الحفيد أن يُخرج مؤخراً كل ما كان في حوزته من رسائل جده وآثاره التي لم تُنشر من قبل. وهو أيضاً الذي كتب مقدمة أحد الكتب التي صدرت مؤخراً عن ساد، والتي ذكرناها سابقاً: (ساد اكتب اسمك: حرية) للكاتب فيشتي. وفي هذه المقدمة يؤكد اعتزازه بساد، وبما خلفه من آثار، ويؤكد كذلك براءة جده من كل ما علق عليه من فضائح وجرائم، ويقول: إنه لم يكن سوى ضحية سائغة لعصره ولأسرته النبيلة المحافظة، ثم يعلن احتجاجه على مصطلح: (السادية) الذي نسب إلى ساد، ويقول: إنه مصطلح متعسف؛ لأن السادي هو الذي يعذب ويقتل ويسفك الدماء، وساد لم يقتل أحداً.

قد يكون رأي هذا الحفيد صحيحاً من حيث واقع سلوك جده، فساد – فعلاً – لم يقتل أحداً، ولكنه عذَّب واستلذ بالتعذيب، وسجنوه أكثر من مرة في أكثر من قضية تعذيب، بل ومحاولة قتل أيضاً. هذا فضلاً عن المصير المحتوم الذي كان ينتظر شخصياته في رواياته، فهذه الشخصيات دائماً تتعذب، ودائماً تتألم، وأحياناً تموت وتقتل، وهذا هو الأكثر أهمية لدى مُقَعِّدي الفلسفة السادية؛ لأن الكاتب عموماً له عالمه الخاص (الحقيقي)، وهذا العالم الحقيقي للكاتب، هو العالم الذي يُنشئه هو بتصوره وخياله. فالكاتب لا يستطيع أن يؤكد (وجوده) ما لم يتمكن من تبديل الأشياء التي تحيط به وتلوينها، ولو – على الأقل – بنظرته إليها، يبدلها، ويلونها حتى يتحول العالم (الطبيعي) الذي يشترك في معاينته كل الناس إلى نوع من (الضد) المثير للسخرية أو الحزن أحياناً.

اسم (ساد) الذي كان يُستعاذ منه، كما يستعاذ من عفاريت الأقبية المهجورة. هذا الاسم الذي كان يُرفق (بكميات) وافرة من اللعنات، أصبح الناس يجدون فيه الهوية الحقيقية لواقعهم ومصيرهم، أي أنه أصبح يُشكِّل منعطفاً جيداً في الفكر الحديث كله.

اليوم في مجتمع المال والقسوة والرصاص والعيوب – كل العيوب – أصبح المنطق الذي يحكم العلاقة ويسيرها، هو من منطق ساد، ولهذا أُعيد اكتشافه، ولهذا أيضاً أصبح (رائداً).

فهد العرابي الحارثي.