جريدة الجزيرة العدد9963                 الموافق: 12/12/1999م

اتصالات .. وقيم

تعدّ تقنيات الاتصال من البنى التحتية المهمة والضرورية لصيرورة الاقتصاد وسرعة نموه، فتلك التقنيات إنما تعني بتلخيص شديد مزيداً من التواصل من خلال نشر المزيد من أجهزة الربط التكنولوجية الحديثة مثل شبكات الحاسب الآلي والأقمار الصناعية بصفة خاصة, ولهذا فإنني اعتقد أن الأب الحقيقي للعولمة هو الثورة الاتصالية وليس الاقتصاد كما يظن البعض ، فربما كان الاقتصاد هو موضوع العولمة الأول، فهو عندها الاثير والمقدم على سواه لكننا لا يساورنا أي شك في أن الاتصالات هي التي دفعت الى اعادة صياغة العديد من المفاهيم التي أنتجها عصر التنوير، وفق ما يقول به محمود حيدر في مجلة الحوار العدد 119، ولاسيما فيما يتعلق بمفهومات: الدولة، والمثقف، والسيادة القومية، وصحيح أن الشركات متعدية الجنسيات تحل اليوم تدريجياً محل الدولة التي حلت بدورها محل الاقطاعية منذ نحو خمسة قرون,, صحيح هذا ولكن السبب ليس دائماً الاقتصاد وحده كما يبدو من ظاهر هذه المعاينة، بل ان التقدم الثقافي (في مجال الاتصالات تحديداً) ظل ضرورياً وأساساً في إيجاد الأسواق الأوسع التي تتجاوز حدود الدولة القومية فيصبح العالم كله مجال التسويق, فالعولمة في بعدها الاتصالي أدت الى انهيار أسوار عالية كانت تحتمي بها بعض المجتمعات – كما يقول جلال امين – فانهيار تلك الأسوار أخرج أوربا الشرقية والصين من عزلتها، بل إنه هو الذي أجبرها على الخروج من تلك العزلة.

بل إن جلال أمين يؤكد أن تبادل السلع ورؤوس الأموال ليس هو العنصر المسيطر اليوم على العلاقات بين الدول فالعنصر المسيطر على العلاقات بين الدول هو تبادل المعلومات والأفكار، فهو يرى أن الثلاثين عاماً الأخيرة (هي الحقبة التاريخية التي أصبح فيها استيراد الأفكار والقيم ليس متوقفاً على حجم التجارة أو حجم تدفق الاشخاص أو رؤوس الأموال، بل أصبح استيراداً مباشراً عن طريق الاتصال بمصدر هذه الافكار والقيم حتى وهي قابعة في مكانها).

الاقتصاد لا ينكر دوره في تحويل أسوار الدولة الى أسوار شكلية سواء تمثلت تلك الأسوار في حواجز جمركية، أو حدود ممارسة السياسات النقدية المالية، أو حدود السلطة السياسية, فالحواجز الجمركية كما يذكر جلال أمين تتخطاها الشركات إما بالاستثمار المباشر داخل البلد المطلوب غزوه، أو عن طريق اتفاقيات منظمة التجارة الدولية, وحدود ممارسة السياسة النقدية والمالية تتخطاها تلك الشركات أما بقدرتها على التهرُّب مما تفرضه الدولة من سياسات نقدية ومالية، أو بقدرتها على فرض ما تشاء من سياسات على الدولة نفسها عن طريق ما يسمى ببرامج التثبيت الاقتصادي والتصحيح الهيكلي.

إن شبكات الحاسب الآلي والأقمار الصناعية ،وهما أبرز العلامات الاتصالية في هذا العصر هما استمرار لما أحدثه الانسان من اكتشافات قديمة كان من شأنها دائماً أن تزيد من فرص التواصل بينه وبين بني جنسه الآخرين، فيرى جون شولتز، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ساسكس في كتاب له ظهر في العام 1997 بعنوان: العولمة مقدمة نقدية يرى أن التكنولوجيا الحديثة لن يزيد تأثيرها، من حيث نصاعة الهدف، عن ذلك التأثير الذي أحدثه ظهور أول خدمة دولية للتليغراف عبر المحيطات في العام 1866، وإدخال التنسيق على مستوى العالم للساعات وفقاً لتوقيت غرينيتش في العام 1884 وكذلك ظهور أول نظام للاتصال الهاتفي بين لندن وباريس عام 1891 وكذلك ظهور أول إذاعة عالمية بالراديو في لندن لربط 242 محطة عبر ست قارات في آن واحد وكان ذلك في العام 1930 وكذلك ظهور أول مطعم لماكدونالدز (له فروع في أنحاء العالم المختلفة في العام 1955) وبدء أول اتصالات دولية بالأقمار الصناعية في العام 1962، وكذلك ظهور أول إستخدام للأسلاك المصنوعة من الأنسجة البصرية التي حلت محلّ الاسلاك النحاسية التي عملت على زيادة قدرات الاتصالات اللاسلكية زيادة هائلة في العام 1977.

لقد ظل جزء مهم من جهد الانسان منصباً على ابتداع الوسائل التي تزيد من فرص اتصاله بغيره، وما قام بعد ذلك من فرص للتعاون أو التكامل أو حتى الصراع إنما هو مؤسس بالضرورة على تلك الفرص، فبدونها لا مجال لتبادل الأفكار أو فرضها، أو الإكراه على اعتناقها, وبدونها لم يكن من الممكن أن تتحقق كل هذه المنجزات العجيبة في مجالات الاقتصاد أو السياسة المحلية، أو العلاقات الدولية.

د. فهد العرابي الحارثي